مصادر في باريس: جولة جنيف «فاصلة» في الأزمة السورية

أوساط المبعوث الدولي تتحدث عن تخوفه من عدم صمود الهدنة

شرطة جنيف أمام مدخل الفندق الذي يستضيف وفد الهيئة العليا للتفاوض الذي يمثل المعارضة السورية مع انطلاق جولة جديدة من المحادثات اليوم (رويترز)
شرطة جنيف أمام مدخل الفندق الذي يستضيف وفد الهيئة العليا للتفاوض الذي يمثل المعارضة السورية مع انطلاق جولة جديدة من المحادثات اليوم (رويترز)
TT

مصادر في باريس: جولة جنيف «فاصلة» في الأزمة السورية

شرطة جنيف أمام مدخل الفندق الذي يستضيف وفد الهيئة العليا للتفاوض الذي يمثل المعارضة السورية مع انطلاق جولة جديدة من المحادثات اليوم (رويترز)
شرطة جنيف أمام مدخل الفندق الذي يستضيف وفد الهيئة العليا للتفاوض الذي يمثل المعارضة السورية مع انطلاق جولة جديدة من المحادثات اليوم (رويترز)

قالت مصادر دبلوماسية في باريس إن جولة المحادثات الجديدة التي من المنتظر أن تنطلق في جنيف اليوم ستكون «فاصلة» فيما خص مصير المفاوضات والأزمة السورية بشكل عام، كما أنها ستكون «حاسمة» بالنسبة لطريقة العمل التي سيتبعها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا لإيجاد حلول للأزمة السورية. وتعتبر هذه المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أمس في باريس أنه «إذا لم يعد دي ميستورا من جولته التحضيرية الجديدة بدعم حقيقي للخوض في المسألة المركزية (أي المرحلة الانتقالية) فإن جهوده ستؤول إلى الفشل وعندها سيجد نفسه مضطرا للتخلي عن متابعتها».
حتى الآن، امتنع دو ميستورا عن الكشف عما حققته مهمته في موسكو ودمشق مكتفيا بالعموميات بانتظار أن ينتهي من جولته التي يريد منها، وفق المصادر الدبلوماسية، أن تحقق أمرين اثنين: الأول، التعرف على تصورات الأطراف الخارجية «الإقليمية والدولية» المؤثرة للمرحلة الانتقالية، والثاني التأكد من استعدادها لمساعدته من خلال الضغط على طرفي النظام والمعارضة. وتضيف هذه المصادر أن دي ميستورا لم يعد قادرا على التأجيل والالتفاف على المسائل الصعبة بعد جولة أولى انتهت قبل أن تنطلق فعلا، وجولة ثانية لم يصدر عنها سوى بيان صاغه مكتب المبعوث الدولي وهو ينص على المبادئ العامة التي يقوم حولها تفاهم بين طرفي التفاوض. بيد أن البيان المذكور ليست له قيمة قانونية ولا يتعدى كونه «مذكرة» يريد دي ميستورا البناء عليها للانتقال للمرحلة اللاحقة.
السؤال المطروح اليوم على دي ميستورا يتناول مدى قدرته على البدء في تناول موضوع الانتقال السياسي ومضمونه وأشكاله انطلاقا من الأجوبة الخطية التي ينتظرها على الأسئلة الـ29 التي وجهها للطرفين ومما سيكون قد عاد به من جولته التي شملت حتى الآن من روسيا والأردن وسوريا وإيران. وستكون مهمته الأولى، انطلاقا من الاجتماعات التي سيبدأ بعقدها اليوم الأربعاء أو غدا الخميس مع وفد المعارضة «بانتظار وصول وفد النظام في 15 أبريل (نيسان) الجاري»، المقارنة بين الأجوبة ومحاولة إيجاد قواسم مشتركة تؤهله للانطلاق منها للذهاب نحو قلب الموضوع وهو المرحلة الانتقالية.
والحال، أن المواقف المعروفة للطرفين لم تتحرك بعد وهي متباعدة جذريا. فمن جهة، تريد المعارضة التوصل إلى تشكيل هيئة تنفيذية ذات صلاحيات كاملة تصدر عنها حكومة انتقالية ومجلس عسكري ولا يكون للرئيس الأسد دور فيها. وتصر المعارضة على خروجه من الصورة مع مباشرة المرحلة الانتقالية. وبالمقابل، يرفض وفد النظام قطعيا هذا الطرح ويدعو إلى تشكيل حكومة موسعة تضم أطرافا من المعارضة المقبولة وتحضر لدستور جديد تتبعه انتخابات يستطيع الأسد خوضها «كأي مواطن سوري». وما يسعى النظام إليه من طرحه هو إخراج موضوع مصير الرئيس السوري من النقاش، ما يعني أنه فوق الأطراف الموجودة في جنيف وسيستمر في احتلال موقعه الراهن أي الإمساك بمفاصل الدولة والأجهزة الأمنية والقوات المسلحة.
بالنظر للهوة القائمة بين الجانبين، يستبعد أن يغير دي ميستورا نهج التفاوض غير المباشر في الأيام الأولى من الجولة الراهنة رغم استعداد المعارضة للانتقال من المحادثات عبر الوسيط الدولي إلى المفاوضات المباشرة. ووجه الخطورة في هذه النقلة في حال حصولها أنها ستجعل الطرفين يتواجهان مباشرة بعد أن كانا يتواجهان بالواسطة، ما يعني المغامرة بالقضاء سريعا على جهود دي ميستورا والوصول إلى طريق مسدود. لذا، تبدو جولته الراهنة «أساسية»، وفق المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، من أجل العثور على مساندة إقليمية ودولية وللضغط على الفريقين وخصوصا على وفد النظام لملامسة الملف الأساسي الذي رفض الاقتراب منه حتى الآن. ويريد دي ميستورا، وفق أكثر من مصدر، بعد محطة المبادئ العامة، دفع الجانبين للتوافق على «إطار مقبول لعملية الانتقال السياسي»، الأمر الذي يعني عمليا أن يكون الجانبان جاهزين، أخيرا، لتقبل بحث أشكال وتفاصيل الحل السياسي المتفاوض عليه. وينتظر المراقبون أن يشتعل الجدل حول «تصور» الحل السياسي وتعيين المرجعيات الدولية للعملية السياسية. وفيما تصر المعارضة على أن يكون بيان جنيف الصادر صيف عام 2012 المرجع الأساسي، لأنه يتحدث عن انتقال: «كامل الصلاحيات التنفيذية» إلى هيئة الحكم بينما قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 يتحدث عن «حكم يتمتع بالصدقية..». كذلك يتحاشى القرار المذكور تحديد نوع الانتخابات التي يدعو لإجرائها في نهاية المرحلة الانتقالية. وبأي حال، فإن دي ميستورا أكد مجددا من دمشق أول من أمس أنه يأمل ويسعى لأن تكون المحادثات القادمة في جنيف «بناءة وملموسة» وهي رسالة «مشفرة» موجهة للحكومة السورية بالدرجة الأولى، وفحواها أن «لا فائدة» من الاستمرار في الدوران حول المسائل الإجرائية من جهة والمبادئ العامة من جهة ثانية، وأنه حان الوقت للدخول في صلب الموضوع. ولخص دي ميستورا تصوره للجولة القادمة بالقول إنها ستركز على بحث الانتقال السياسي ومبادئه وبلورة الدستور الجديد.
وتفيد أوساط المبعوث الدولي في جنيف أن تخوف دي ميستورا الأول اليوم هو ألا تصمد الهدنة «وقف الأعمال العدائية» التي بدأ العمل بها في 27 فبراير (شباط) الماضي. ولا شك أنه يتذكر ما حصل خلال جولة المحادثات الأولى نهاية يناير (كانون الثاني) وبداية فبراير، حين اضطر لتعليق المحادثات التي أجهضتها عمليات النظام العسكرية في حلب ومحيطها بدعم ومشاركة روسية مكثفة. كذلك فإنه يدرك أن النجاح في إبقاء وفدي المعارضة والنظام في جنيف وإيصال المساعدات الإنسانية حصلا، بفضل الهدنة الهشة وأن نهايتها يمكن أن تفضي إلى نسف المحادثات. لذا، طالب دي ميستورا، بالمحافظة على الهدنة وتعزيزها مستبقا على ما يبدو خطط النظام بتكثيف العمليات العسكرية وتوسيعها في حلب لغرض بسط سيطرته عليها. ولا تستبعد أوساط دبلوماسية في باريس أن يسعى النظام، بحجة ضرب النصرة والتنظيمات المتحالفة معها ميدانيا، إلى إرباك المعارضة و«تخريب» ما قد يحصل في جنيف. وترى هذه الأوساط أن النظام سيكون في موقع «دفاعي»، بينما يعتقد أنه أصبح اليوم الطرف الأقوى ميدانيا بفعل الدعم مختلف المصادر الذي يصب لصالحه. أما المعارضة فإنها في وضع مختلف تماما، إذ تعتبر أنها في الموقع «الأقوى» دبلوماسيا وسياسيا، حيث إنها نجحت من خلال جنيف في جعل عملية الانتقال السياسي في صلب المحادثات.
من هذه الزاوية يعود الحديث عما يدور بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا بشأن سوريا والمخاوف التي تبديها المعارضة من ميل أميركي لتقبل الرؤية الروسية، ومنها الامتناع عن طرح مصير الأسد في المرحلة الراهنة. كذلك عادت إلى الواجهة مسألة التضارب في الرؤى والاستراتيجيات بين موسكو وطهران بشأن الملف السوري ومصير الأسد، الذي تتمسك طهران ببقائه وقد جعلت منه «خطا أحمر» في الحاضر والمستقبل وانعكاسات ذلك كله على مستقبل العملية السياسية. ولذا، فمن الضروري النظر عن كثب إلى ما سيعود به دي ميستورا من طهران «بعد موسكو ودمشق» وإلى قدرته على الإبحار في محيط من الصعوبات والتناقضات الإقليمية والدولية وتحكمها إلى حد كبير بمواقف الأطراف الداخلية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.