لبنان: أزمة «أمن الدولة» تهدد بإلغاء جلسات الحكومة وتحيي التكتلات الطائفية

المطران مظلوم لـ «الشرق الأوسط»: الغبن واقع يعيشه المسيحيون في لبنان

لبنان: أزمة «أمن الدولة» تهدد بإلغاء جلسات الحكومة وتحيي التكتلات الطائفية
TT

لبنان: أزمة «أمن الدولة» تهدد بإلغاء جلسات الحكومة وتحيي التكتلات الطائفية

لبنان: أزمة «أمن الدولة» تهدد بإلغاء جلسات الحكومة وتحيي التكتلات الطائفية

يكشف التفتت الذي تعيشه مؤسسات الدولة في لبنان والذي بلغ أوجه مع شغور سدة الرئاسة قبل عامين، حجم الاحتقان الطائفي الذي لم تنجح التكتلات السياسية التي قامت في المراحل الماضية بوضع حد له، فإذا به ينفجر عند كل منعطف مهددا ما تبقى من هذه المؤسسات وعلى رأسها الحكومة الحالية.
وقد أحيت الأزمة المستمرة منذ نحو عام في جهاز أمن الدولة والتي وصلت حديثا إلى طاولة مجلس الوزراء، ما تتفق أحزاب مسيحية على تسميته بـ«شعور بالغبن»، بعدما تكتل معظم الوزراء المسيحيين المنقسمين سياسيا في الجلسة الأخيرة للحكومة للدفاع عن صلاحيات مدير عام الجهاز المسيحي بوجه نائبه المسلم وللمطالبة بمعاملته أسوة بباقي مديري الأجهزة الأمنية.
ويأتي اعتراض المسيحيين في قضية جهاز أمن الدولة، بعد تعبير مسؤولين مسيحيين عن مخاوفهم من وجود مخطط لتوطين اللاجئين السوريين في لبنان، إلى جانب الحديث الدائم عن «تحسين موقع المسيحيين في الدولة» واختيار رئيس قوي، وهي العبارة التي يواظب مسؤولون في التيار الوطني الحر الذي يتزعمه النائب ميشال عون، على ترداده.
وجهاز أمن الدولة، هو أحد الأجهزة الأمنية اللبنانية الكثيرة التي تتشابك صلاحياتها بشكل كبير، وقد أنشئ هذا الجهاز بعد اتفاق الطائف للحفاظ التوازن الطائفي في المجال الأمني، بسبب ارتباط جهاز المخابرات وقيادة الجيش والأمن العام بالطائفة المارونية، ووجود قيادة قوى الأمن الداخلي وحدها بيد المسلمين إذ يترأس قيادتها مسلم من الطائفة السنية، فكان أن أنشئ هذا الجهاز وتم تكريسه لشخصية من الطائفة الشيعية. غير أن هذا الواقع تغير مع تعيين اللواء جميل السيد المقرب من رئيس الجمهورية إميل لحود بعد وصول الأخير إلى السلطة، فكان أن أنيطت رئاسة هذا الجهاز بشخص من الطائفة الكاثوليكية التي ترى في الحفاظ على هذا الجهاز حاليا مسألة «حياة أو موت».
وتعطل «أمن الدولة» بعد خلاف شخصي نشب بين قائده اللواء جورج قرعة ونائبه العميد محمد الطفيلي ما انعكس تلقائيا على الجهاز المذكور باعتبار أن الصلاحيات المعطاة لنائب المدير بحسب النظام الداخلي، توازي تلك المعطاة للمدير العام، ولأن النظام الداخلي للمديرية يشترط توقيع المدير ونائبه على معظم القرارات القيادية المهمة.
ويُطالب الوزراء المسيحيون حاليا وبالتحديد وزراء «التيار الوطني الحر» وحزب «الكتائب» ووزير السياحة ميشال فرعون، بتحرير صلاحيات مدير عام الجهاز المسيحي من نائبه الشيعي وبإرسال الاعتمادات المالية اللازمة إليه، وينبهون مما يقولون: إنها محاولة لـ«إخلاء المسيحيين من الدولة اللبنانية».
وكانت الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء شهدت خلافا حادا بين الوزراء المسلمين والمسيحيين على خلفية أزمة الجهاز، وقد أعلن وزير الداخلية نهاد المشنوق أنه طلب سحب «الكلام الطائفي» الذي أدلى به وزير الخارجية جبران باسيل من محضر الجلسة. ورد الوزير المشنوق أمس، تلميحًا، على تصريحات المسؤولين في تيار عون، رافضا رفع «فزاعة الحضور المسيحي في الدولة»، ورأى أن «الدولة لا تقوم أيضًا والأوطان لا تستمر بتحويل كل معركة سياسية إلى معركة وجود وحرب مصير». وقال: «كلّي رجاء أن لا يبالغ المسيحيون في التعبير عن المظلومية، بما يجعل من موظّف في وزارة عنوانًا للوجود المسيحي في بلد أو في المنطقة، كما أرجو ألا يبالغَ المسلمون في القفز فوق موجبات الحدّ الطبيعي الذي يُشعِر المسيحيين بشراكة عادلة».
أما وزير المال علي حسن خليل، المقرب من رئيس مجلس النواب نبيه بري، فقد نفى وجود موقف ضد «الطائفة». وفي كلمة ألقاها أمس توجه لإخوته في الطائفة الكاثوليكية الكريمة قائلا: «إياكم أن تعتقدوا بأن الموقف من أمن الدولة له علاقة بموقف من طائفة أو مذهب أو تيار، المسألة عكس ذلك تماما، الموضوع هو موضوع انتظام عمل المؤسسة، ومدى التزام المؤسسة بالقانون، ومدى التزام القيمين على المؤسسة بالأصول التي ترعى تنظيم عملهم مع بعضهم البعض. نحن لا ندافع عن أحد ولا نغطي أحدا، نحن ندافع عن القانون ونغطي القانون، ولهذا قلنا وما زلنا نقول إننا مستعدون لأن نمارس الدور الذي يجب أن يرسم في إطار المؤسسات».
وتتقاسم الطوائف والمذاهب في لبنان المواقع السياسية الرئيسية والأمنية تبعا لأعراف معتمدة لا ينص عليها الدستور الذي يلحظ فقط المناصفة بين المسيحيين والمسلمين. ويتولى عُرفا مسيحي رئاسة الجمهورية فيما يتولى سني رئاسة الحكومة وشيعي رئاسة مجلس النواب. أما أمنيا، فتقود الجيش شخصية مسيحية وقوى الأمن الداخلي شخصية سنية، فيما تقود مديرية الأمن العام شخصية شيعية.
وبعد شغور سدة الرئاسة في العام 2014. ارتفعت أصوات الأحزاب المسيحية التي تتحدث عن «مصادرة الحقوق المسيحية»، إن كان من خلال اتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الأهلية في العام 1989 أو من خلال قانون الانتخابات ومؤخرا من خلال طريقة إدارة ملف انتخابات رئاسة الجمهورية.
واعتبر النائب البطريركي العام المطران سمير مظلوم أن «ما نحن بصدده ليس شعور بالغبن لدى المسيحيين بقدر ما هو واقع يعيشونه عمليا»، معربا عن أسفه «لما وصلت إليه الذهنيات الحاكمة التي تتطلع إلى المحاصصة ولا تأبه لأسس بناء الدولة». وقال مظلوم لـ«الشرق الأوسط»: «كل يسعى لزيادة حجم حصة حزبه وطائفته ويعمل لمصالح آنية وفردية بعيدا عن المصلحة العليا للوطن الذي نتمادى بتمزيقه وتفتيته». وأشار مظلوم إلى أن «الوضع لا يمكن أن يستقيم إلا بإعادة النظر بالذهنيات والعقليات القائمة وليس بالنظام، فنخرج من أنانياتنا لنتلاقى حول الخير العام وعلى كيفية النهوض بدولة للجميع».
وتُكبّل أزمة جهاز أمن الدولة عمل مجلس الوزراء المرجح أن يتم تأجيل جلسته التي كانت مقررة يوم الثلاثاء المقبل لتعذر الوصول إلى الحلول المطلوبة. وأعرب وزير الصحة وائل أبو فاعور عن أسفه لـ«اتخاذ الخلاف طابعا طائفيا»، منبها من أنّه «كلما أوغلنا باعتبار المشكلة طائفية أصبحت الحلول أكثر صعوبة». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ليس مقبولا أن تعلق الدولة في حفرة أمن الدولة، فيتحول الخلاف التقني لمكايدة وخلاف سياسي يُضاف إلى ملفات أخرى بات يتم السعي لحلها خارج إطار المؤسسات».
واستغرب أبو فاعور «الإغداق في تطييف كل القضايا»، منبها من «خطورة الموضوع إذا استمر على هذا النحو خاصة أن لا أسباب واقعية للتطييف». وأضاف: «هناك من يسعى لادعاء بطولات أمام الرأي العام وكأن الانتخابات النيابية حاصلة غدا».
من جهته، شدد وزير الصناعة والتجارة آلان حكيم على وجوب معاملة مدير عام أمن الدولة كما يُعامل مديرو سائر الأجهزة، لافتا إلى أن «القانون يقول: إن هناك صلاحيات للمدير العام والنص واضح في هذا الشأن ويجب السماح له بممارستها». وتساءل «كيف يمكن أن نساوي منصب المدير العام بمنصب نائبه؟». ونبّه حكيم من أن «هناك نية باطنيّة لإلغاء جهاز أمن الدولة، وما يحصل يؤكد ذلك»، مشددا على أن «المس بالمدير العام لجهاز أمن الدولة مرفوض مسيحيا». ولفت إلى أن «الحل يكون بتطبيق القانون من خلال حلول إيجابية تحافظ على كرامة الجميع وتوقف القصاص عن 3000 عنصر». وأضاف: «أتمنى أن يكون هناك تعاون وتكاتف بين الأحزاب المسيحيّة حول هذا الموضوع»، متحدثا عن «قسم صغير من منظومة كبيرة عنوانها إخلاء المسيحيين من الدولة اللبنانية».



مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
TT

مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)

تستعد مصر لإجراء تعديل وزاري على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، هذا الأسبوع، بعد سلسلة من التكهنات بالتزامن مع انطلاق مجلس النواب الجديد وبدء جلساته.

ودعا مجلس النواب (الغرفة الرئيسية للبرلمان) لاجتماع مهم، الثلاثاء المقبل، لمناقشة التعديل الوزاري الجديد... ويقول برلمانيون إن «الدعوة العاجلة تأتي لمناقشة برنامج الحكومة».

ولن تشهد الحكومة المصرية تغييراً كاملاً، حيث سيستمر رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي، في منصبه، وفق مصدر مطلع، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «نسبة التغيير في الحقائب الوزارية تتراوح ما بين 9 إلى 12».

وأدّى مدبولي اليمين رئيساً للوزراء في يونيو (حزيران) 2018؛ وبعد عام ونصف عام تقريباً، حصل التعديل الأول على تشكيل الحكومة، وانضم 6 وزراء جدد إليها. وبعد إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعاد تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة، وفي 3 يوليو (تموز) 2024، أدّت حكومته اليمين الدستورية لآخر حركة تعديل، شملت حقائب وزارية جديدة.

وبعد انعقاد مجلس النواب المصري بتشكيله الجديد، في 12 يناير (كانون الثاني) الماضي، زادت التوقعات والتكهنات لدى وسائل الإعلام المحلية، بشأن «التغيير الوزاري وطبيعة التعديلات المنتظرة».

ووجَّه مجلس النواب أعضاءه لاجتماع طارئ، الثلاثاء المقبل، وذلك «للنظر في أمر هام»، وفق إفادة صادرة عن الأمين العام للمجلس، أحمد مناع.

وربط عضو مجلس النواب مصطفى بكري، بين الدعوة ومناقشة التعديل الوزاري، وقال عبر حسابه الشخصي على منصة (إكس)، إن «البرلمان سيناقش في جلسة الثلاثاء التعديل الوزاري، برئاسة مصطفى مدبولي، بعد اعتماده من رئيس الجمهورية».

وتحدث بكري عن 4 مفاجآت في التغيير المقبل، مشيراً إلى ارتباطه «بمستوى الأداء وتحقيق الإنجاز في إطار برنامج الحكومة السابق، كما أن هناك تصعيداً لبعض الشخصيات التي أثبتت قدرتها على النجاح في أعمالها السابقة، واسم أحد المحافظين يبرز بقوة»، متوقعاً إجراء حركة محافظين عقب التغيير الحكومي.

وتأتي مناقشة البرلمان للتعديل الوزاري قبل أداء الوزراء اليمين أمام رئيس الجمهورية، تنفيذاً للمادة 147 من الدستور، التي نصت على أن «لرئيس الجمهورية، إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ورجح عضو مجلس النواب، ونائب رئيس حزب «المؤتمر»، مجدي مرشد، أن «يشمل التعديل الوزاري 9 حقائب أو أكثر قليلاً»، وقال: «من المقرر أن يناقش البرلمان برنامج الحكومة بالكامل، بما في ذلك الأسماء الجديدة المرشحة لحقائب وزارية»، مشيراً إلى أن «أعضاء البرلمان سيصوتون على برنامج الحكومة، بتشكيلها الجديد، دون مناقشة الأسماء المرشحة».

وتنص المادة 146 من الدستور المصري على أنه «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء يقوم بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب؛ فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب. فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً، عُدّ المجلس منحلاً، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال 60 يوماً من تاريخ صدور قرار الحل».

ولا يمانع مرشد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، من استمرار مدبولي في رئاسة الحكومة، وقال إن «رئيس الوزراء الحالي أثبت جدية في ممارسة مهامه خلال السنوات الأخيرة»، مشيراً إلى أنه «يواجه تحدياً يتعلق بعدم شعور المصريين بثمار الإصلاح الاقتصادي»، ونوه إلى «ضرورة اختيار نائب رئيس وزراء للمجموعة الاقتصادية، من أجل مواصل الإصلاح».

لا يختلف في ذلك، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، عصام خليل، الذي قال: «يجب أن تعطي الحكومة الجديدة أولوية لملف الاقتصاد، بتخصيص حقيبة وزارية للاقتصاد، بسياسات جديدة»، مشيراً إلى أن «التغيرات العالمية سياسياً واقتصادياً، تفرض وضع هذا القطاع في أولوية العمل الحكومي».

ودعا خليل، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى ضرورة أن «يشمل التعديل الوزاري تعديلاً موازياً في السياسات، سواء بدمج وزارات أو استحداث أخرى»، وقال إن «القضية ليست في تغيير الأشخاص، لكن في تغيير المنهج الحكومي في القطاعات التي لم تؤت ثمارها، خصوصاً القطاعات الخدمية التي ترتبط بشكل مباشر بالمواطن في الشارع».


مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
TT

مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات المغربية، الأحد، مصرع 4 أشخاص بعدما جرفتهم سيول قوية في اليوم السابق في شمال البلاد، نتيجة هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة.

وبحسب بيان صادر عن السلطات المحلية في تطوان، فقد باغتت فيضانات مفاجئة سيارة تقل 5 أشخاص على طريق يقع بالقرب من أحد الأنهار الرئيسية في المنطقة، قبل أن تجرفها المياه، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت في بيان: «أسفرت عمليات التمشيط والبحث، خلال ليلة السبت (إلى الأحد)، عن انتشال جثتي ضحيتين» هما فتاة تبلغ 14 سنة وطفل يبلغ سنتين.

وأضافت أنه تم، صباح الأحد، «العثور على جثتين أخريين» لطفل يبلغ 12 سنة ورجل ثلاثيني، موضحة أن «عمليات البحث متواصلة للعثور على الشخص الخامس».

منذ الأسبوع الماضي، تم إجلاء أكثر من 150 ألف شخص في شمال غربي البلاد بسبب الأمطار الغزيرة والفيضانات التي أدت إلى إصدار تحذيرات جوية في مناطق عدة.

وتتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية استمرار سوء الأحوال الجوية حتى الثلاثاء.


مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.