التجربة الإسبانية في تدريس الفلسفة ضمن برامج التعليم

المفاهيم الأساسية الأخلاقية لها عنصر في التكوين المدني

التجربة الإسبانية في تدريس الفلسفة ضمن برامج التعليم
TT

التجربة الإسبانية في تدريس الفلسفة ضمن برامج التعليم

التجربة الإسبانية في تدريس الفلسفة ضمن برامج التعليم

من الصعوبة أن نلخص البنية الحالية لتدريس الفلسفة في إسبانيا، لكن سنحاول، في المقام الأول، تحليل المعايير القانونية المعمول بها، حاليا، وفق المرسوم الملكي الصادر في الجريدة الرسمية، بتاريخ 16 يناير (كانون الثاني) 2001، الذي ينظم تدريس هذه المادة في إسبانيا، ثم سنخط من جديد، السيرورة التي أدت، في السنوات الأخيرة، إلى وضع برنامج واقعي للمواد الفلسفة. وسنناقش تأثير السياسة التعليمية على الفلسفة، التي وضعتها الحكومات المختلفة (حكومة الاشتراكيين وحكومة المحافظين) التي تعاقبت على إسبانيا منذ 1982.
من الضروري لفهم مفصل تدريس الفلسفة في إسبانيا، عرض، ولو بشكل موجز، المستويات المدرسية التي تدرس فيها، وبرنامج تدريسها في كل مستوى على حدة؛ حيث ينقسم النظام التعليمي الإسباني اليوم، كما هي حال مختلف الأنظمة التعليمية في العالم، إلى ثلاثة مستويات كبرى: التعليم الابتدائي، والتعليم الثانوي، والتعليم العالي. وتدرس الفلسفة في التعليم الثانوي، الذي ينقسم بدوره إلى قسمين: التعليم الثانوي الإجباري (4 سنوات من 12 سنة إلى 16 سنة)، والتعليم ما بعد الإجباري، الذي يمتد سنتين «البكالوريا Bachillerato» من 16 إلى 18 سنة، أو أسلاك التكوين المهني بمستوييه الثاني والثالث.
يشمل تدريس الفلسفة ثلاث مواد: الأخلاق، والفلسفة1، والفلسفة 2، كلها مواد إجبارية، وتتوزع كالتالي: ساعتان في الأسبوع، خاصة مواد الأخلاق، في السنة الرابعة من التعليم الثانوي الإجباري، موجهة للتلاميذ في سن 16 سنة. الفلسفة 1 (مدخل إلى الفلسفة)، الموجهة إلى كل تلامذة السنة الأولى بكالوريا، بمعدل 3 ساعات في الأسبوع. والفلسفة 2 (تاريخ الفلسفة والعلوم)، موجهة لتلامذة السنة الثانية بكالوريا، بمعدل 3 ساعات في الأسبوع.
تكمن الفكرة الموجهة لمختلف برامج تدريس الفلسفة، في أن سلك تدريس هذه المادة الدراسية، يبدأ بدراسة المفاهيم الأساس للفلسفة الأخلاقية، عنصرا أساسيا في التكوين المدني لكل التلاميذ. بالإضافة إلى ارتباطها بقضايا الحياة التي تخص سن المراهقة، كتمهيد للمشكلات التي سيقاربها المتعلم في دروس الفلسفة1.
يبدو الترابط بين برامج الفلسفة1 والفلسفة 2، هشا، على حد تعبير لويس ماريا سيفونتس، رئيس الجمعية الإسبانية للفلسفة، ففي سنة تدريس برنامج الفلسفة1، يتمثل الرهان في دراسة الموضوعات أو المشكلات الفلسفية، ليتعلم التلميذ الأشكلة الفلسفية والبحث عن الحلول العقلانية (يتعلق الأمر بتعلم التفلسف). في حين أن برنامج الفلسفة 2، هو برنامج تاريخي يعتمد المقاربة الكرونولوجية المراحلية للتيارات الفلسفية الأكثر أهمية في تاريخ الفلسفة، (يتعلق الأمر بتاريخ الفلسفة أو بتعليم الفلسفة). وعلى الرغم من ذلك، فتلك البرامج لا تتعارض فيما بينها؛ لأن الهدف الأساسي من ورائها (وهو هدف كل المدرسين)، هو أن يتعلم التلاميذ التفلسف، مستندين في ذلك إلى المعرفة الفلسفية، وإلى إرث الفلاسفة النظري والعملي، الذي يساعد المتعلمين في صقل تفكيرهم الخاص، وتنمية قدراتهم المعرفية والذاتية، من خلال بناء خطاب فلسفي حجاجي معقلن. وبهذا المعنى، أمكننا القول إن الأدوات الديداكتيكية (الوسائل المنهاجية لتوصيل المعرفة)، التي طورتها المجموعات المختلفة للفلسفة في جل مناطق إسبانيا، خلال السنوات الأخيرة، ينظر إليها كسلك موحد؛ حيث تعالج المشكلات الفلسفية وفق منظورين: منظور سانكروني (دراسي وصفي/ لغوي) في السنة الأولى، ومنظور دياكروني (تاريخي/ اجتماعي) في السنة الثانية بكالوريا. ووفق وجهة النظر هذه، فإن المشكلات والعناصر الفلسفية المدرسة في برنامج الفلسفة1، يمكن أن تكون موضوع إعادة قراءة وبناء على ضوء تاريخ الفلسفة في برنامج الفلسفة 2. وهذا ما يشترط في المدرس، أن يعي عدم تجزيئية برامج الفلسفة في المستويين، واستحالة تغطية كل المفاهيم والموضوعات المقترحة في البرنامجين (يطغى على هذا البرنامج المفاهيم، الأزواج: (الطبيعة - الثقافة)، (العقل - العاطفة)، (الجسد - الروح)،( التجربة - السبب)، (الأداة - التقنية)، (النظام - التغيير الاجتماعي)، (الحق - العدالة)، (النشاط المنتج - الشغل)، (الفرد - المجتمع)، (اليوتوبيا الاجتماعية)، وغير ذلك.
يتمحور برنامج تدريس الفلسفة في إسبانيا، حول ثلاثة عناصر رئيسية: المحتويات، والمعارف، والمضامين المنهجية. وهو بذلك ليس معزولا؛ كدرس في المفاهيم، عن سيرورة التعليم في كليته، وهذا ما يفرض على المدرس، إدراك الانسجام الداخلي بين مكونات برنامجي الفلسفة1 و2؛ لأن المرسوم الملكي الصادر في الجريدة الرسمية، بتاريخ 16 يناير (كانون الثاني) 2001، الذي ينظم تدريس هذه المادة على كامل مناطق إسبانيا (وتجدر الإشارة إلى أن لمناطق الحكم الذاتي معاييرها الخاصة، وأحيانا برامجها، وتدير مشكلات التعليم بحسب سياساتها العمومية)، وفق حد أدنى مشترك وطنيا، ينص على أن مادة الأخلاق (السنة الرابعة من التعليم الثانوي الإلزامي)، تتكون من أربعة أقسام: المشكلات الأخلاقية في عصرنا الراهن، والديمقراطية إطارا للمشاريع الأخلاقية المعاصرة، وعقلنة بنية الحياة الأخلاقية، والنظريات الأخلاقية. ويشمل كل قسم من هذه الأقسام، ثلاث وحدات ديداكتيكية (منهاج توصيل المعرفة) (12 وحدة على طول السنة)، إلى جانب وحدة بالتقويم وعناصره ومعاييره.
أما فيما يخص برنامج الفلسفة 1، فنجد أيضا أربعة أقسام، كما هو الشأن بالنسبة إلى برنامج الأخلاق: المدخل، الأهداف، المضامين المعرفية، ومعايير التقويم. تتوزع محتوياته إلى محاور إشكالية: المعرفة الفلسفية (وحدة ديداكتيكية واحدة)، والكائن البشري (3 وحدات)، والنشاط الإنساني (3 وحدات)، والمجتمع (3 وحدات). أي في المجموع 16 موديلا يتوجب أن يتم تغطيتها في السنة، بمعدل 3 ساعات في الأسبوع. وبديهي جدا، أنه يصعب إنجاز هذا البرنامج الكثيف بهذا القدر المحدود من الساعات، وهذا ما يتداركه جهاز التفتيش؛ حيث يترك المجال للأساتذة لدمج بعض العناصر وتكييفها مع مستوى التلاميذ.
أما برنامج الفلسفة 2 «تاريخ الفلسفة والعلوم»، فهو موجه لتلامذة السنة الختامية في البكالوريا، ويتكون بدوره من بنية البرامج السابقة نفسها، (ويتضمن: المدخل، والأهداف، والمضامين المعرفية، ومعايير التقويم)، ويخترق كل مراحل تاريخ الفلسفة: اليونانية، والوسطوية، والنهضة، والحديثة المعاصرة. أي ما مجموعه 18 موديلا، يشار في كل واحد منهما إلى فيلسوف مهم في تاريخ الفلسفة. وتظل المناقشة حول اختيار الفلاسفة، قائمة بين جهاز التفتيش وواضعي الكتب المدرسية حسب احتياجات التلاميذ، وتختلف من منطقة إلى أخرى، وذلك لاحترام خصوصيات مناطق الحكم الذاتي. لكن على العموم، وكيفما كان برنامج تاريخ الفلسفة، نجد حضورا قويا لأفلاطون، وأرسطو، وديكارت، وكانط.
تعترض برامج تدريس الفلسفة، جملة مشكلات موضوعية وذاتية، كما هي حال مختلف بلدان العالم: فمن حيث البرامج، يشدد المهتمون - كما عبر عن ذلك رئيس الجمعية الإسبانية للفلسفة – على:
- ثقل البرنامج واستحالة إنجازه كاملا في الموسم الدراسي.
- غياب تجديد وسائل وطرق التدريس الخاصة بهذه المادة، على الرغم من التكوين الذي يتلقاه المدرسون في علوم التربية وفي نظريات التعلم المعاصرة.
- ضعف الاهتمام بالفلسفة العملية والتطبيقية، بحيث تبقى هذه الدروس حبيسة التكوين النظري، وتلقين التيارات الفلسفية والمذاهب والتوجهات العلمية، على حساب آليات التفلسف الفعلية.
- عدم وضوح معايير التقويم وما تطرحه من مشكلات بالنسبة إلى المتعلم، وانعكاس ذلك على تدريس المادة.
- شحة الموارد النظرية والمراجع الفلسفية بالنسبة إلى المدرسين، نتيجة عدم مسايرة الترجمة الإسبانية للإرث الفلسفي العالمي.
- غياب الربط بين برامج المادة والاهتمامات الوطنية الخاصة، بحيث تغيب الثقافة الإسبانية في البرنامج. ويرجع ذلك إلى عدم إدماج الكثير من المفكرين الإسبانيين في المقررات المدرسية.
من الملاحظ أن المشكلات التي يتداولها مدرسو المادة في إسبانيا، لا تختلف عن المشكلات المطروحة في مختلف البلدان الأوروبية، على الرغم من الجهود التي يبذلها المجتمع الفلسفي الإسباني اليوم، للرقي بمكانة الدرس الفلسفي في الحياة الإسبانية المعاصرة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.