وزيرة التعاون الدولي في مصر: العلاقات الاستراتيجية مع السعودية تحولت لبرامج تنمية تجسد الترابط

سحر نصر قالت لـ«الشرق الأوسط» إن بلادها لا تخضع لشروط البنك الدولي.. والأزمة في الديون الداخلية وليست القروض الخارجية

سحر نصر («الشرق الأوسط»)
سحر نصر («الشرق الأوسط»)
TT

وزيرة التعاون الدولي في مصر: العلاقات الاستراتيجية مع السعودية تحولت لبرامج تنمية تجسد الترابط

سحر نصر («الشرق الأوسط»)
سحر نصر («الشرق الأوسط»)

قالت الدكتورة سحر نصر، وزيرة التعاون الدولي في مصر، إن العلاقات الاستراتيجية المصرية - السعودية تخطت مرحلة التفاهم السياسي والدعم، لتتحول في الفترة الراهنة إلى تنفيذ برامج تنموية ومشاريع اقتصادية تعود بالنفع على البلدين، منوهة بأن الزيارة المرتقبة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى القاهرة التي تبدأ غدا ستعطي دفعة كبيرة للتعاون على جميع المستويات. وقالت نصر في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الجانبين السعودي والمصري، سيوقعان على عدد من الاتفاقيات المهمة في مختلف المجالات خلال الزيارة.
والدكتورة سحر نصر هي منسقة أعمال الجانب المصري في «مجلس التنسيق المصري السعودي»، كما ترأست وفد مصر في الاجتماع الخامس للمجلس الذي عقد بالرياض الشهر الماضي. وكشفت الوزيرة في حوارها أن اجتماعات المجلس ستتواصل خلال الفترة المقبلة لمتابعة تفعيل مذكرات التفاهم التي تم توقيعها، ومنها الخاصة بـ«برنامج الملك سلمان بن عبد العزيز لتنمية شبه جزيرة سيناء». كما أكدت أن المؤسسات الدولية والدول الغربية لديها رغبة في دعم مصر اقتصاديا، نافية التهديد بوقف المساعدات بسبب انتقادات لأوضاع حقوق الإنسان في مصر. وذكرت نصر أن هناك فجوة تمويلية تعاني منها مصر تقدر بنحو 27 مليار دولار، تعمل على سدها من خلال جلب استثمارات، واستكمال الباقي عن طريق القروض والمنح الدولية، مشددة على أن أزمة مصر في ديونها الداخلية وليست في القروض الخارجية.

* بداية؛ كيف تنظرين إلى الزيارة المرتقبة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى مصر، من حيث أهميتها والعائد المنتظر منها، في ضوء العلاقة الخاصة بين مصر والسعودية؟
- زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى مصر أقل ما توصف بأنها تاريخية، حيث إنها الزيارة الخاصة الأولى عقب توليه الحكم في المملكة، وتأتى تتويجًا للعلاقات المتميزة بينه وبين الرئيس عبد الفتاح السيسي. ولطالما ظلت العلاقة بين مصر والسعودية علاقة استراتيجية على جميع المستويات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكن على مدار السنوات الأخيرة نمت تلك العلاقة في ضوء حرص الرئيس السيسي على تعزيزها، وتحولت العلاقة المتميزة والتفاهم السياسي بين البلدين إلى برامج تنموية ومشاريع استثمارية تعود بالنفع على كليهما، وتجسد هذا الترابط. ولذلك أخذت العلاقة منذ قدوم الرئيس السيسي ثلاثة محاور أساسية تضاف إلى البعد السياسي؛ وهي تبادل اقتصادي، وثقافي، وأيضا تعليمي.
ما نقوم به حاليا وخلال الفترة الماضية، هو تحويل هذه العلاقة الوطيدة إلى تنفيذ تنموي على أرض الواقع، يتضح ذلك من خلال «إعلان القاهرة»، واجتماعات مجلس التنسيق المصري السعودي الذي شهد التوقيع على كثير من الاتفاقيات، منها المتعلق بتنمية شبه جزيرة سيناء، وكثير من المشاريع الاستثمارية التي أعلن الملك سلمان عزمه القيام بها في مصر، ولا ننسى المنحة السعودية لمستشفى قصر العيني الذي يؤدي دورا كبيرا في خدمة المرضى من محدودي الدخل في مصر.
* إذن هناك اتفاقيات وتفاهمات معينة تعتزمون التوقيع عليها خلال الزيارة؟
- بالفعل.. من المنتظر أن يتم خلال الزيارة التوقيع على كثير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم التوصل إليها خلال اجتماعات مجلس التنسيق المصري السعودي التي عقدت خلال الفترة الماضية بالتناوب بين القاهرة والرياض، حيث عقد آخر اجتماع في 20 مارس (آذار) الماضي بحضور الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية السعودي نيابةً عن الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع.. وذلك في مجالات منع الازدواج الضريبي، والزراعة، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والكهرباء، والإسكان، والتربية والتعليم، والعمل، والنقل البحري والموانئ، والثقافة، والإذاعة والتلفزيون، فضلاً عن اتفاقيات المشاريع المتضمنة في برنامج الملك سلمان بن عبد العزيز لتنمية شبه جزيرة سيناء، بإجمالي 1.5 مليار دولار، واتفاقية قرض بشأن مشروع محطة كهرباء غرب القاهرة، واتفاقية قرض بشأن مشروع مستشفى قصر العيني.
* عقدت 5 اجتماعات لمجلس التنسيق المصري السعودي منذ انطلاقه.. ما حصيلة تلك الاجتماعات، وإلى ماذا انتهت؟
- اجتماعات مجلس التنسيق المصري السعودي مستمرة، وستتواصل لمتابعة مذكرات التفاهم التي تم توقيعها، ومنها مذكرة اتفاق بشأن برنامج الملك سلمان بن عبد العزيز لتنمية شبه جزيرة سيناء بمبلغ مليار ونصف المليار دولار أميركي، بين وزارة التعاون الدولي والصندوق السعودي للتنمية، واتفاقية تمويل توريد مشتقات بترولية بين الصندوق السعودي للتنمية والهيئة المصرية العامة للبترول وشركة «أرامكو السعودية» لتجارة المنتجات البترولية، بشهادة وزارة التعاون الدولي لمدة 5 سنوات، ومذكرة تفاهم لتشجيع الاستثمارات السعودية بمصر بين وزارة الاستثمار (المصرية) وصندوق الاستثمارات العامة بالمملكة العربية السعودية بشهادة السيد محافظ البنك المركزي المصري، واتفاقية تمويل توريد مشتقات بترولية لمدة ثلاثة أشهر، واتفاقية لتمويل توريد مشتقات الغاز الطبيعي بقيمة 250 مليون دولار أميركي.
* هل لوجود العاهل السعودي في مصر أثناء التوقيع على تلك الاتفاقات دلالة معينة؟
- بالفعل؛ الزيارة ووجود العاهل السعودي، سيعطي دفعة كبيرة لمثل تلك التفاهمات.. وسنقدم للوفد السعودي مشاريع استثمارية كثيرة للتوقيع عليها والبدء في تنفيذها انطلاقا من الرغبة السعودية الحقيقية للتعاون مع مصر.
* بالحديث عن التعاون المصري - السعودي والعلاقات المتنامية بين البلدين، ما حجم الدعم السعودي المقدم إلى مصر منذ ثورة «30 يونيو»؟
- ما قدم من السعودية إلى مصر يدل على حجم العلاقة الوطيدة بينهما والوقوف في الشدائد. فعقب 30 يونيو 2013 قدمت السعودية لمصر 5 مليارات دولار أميركي (منها مليارا دولار وديعة لدى البنك المركزي، ومليارا دولار لوزارة البترول، ومليار لدعم الموازنة العامة للدولة). ثم عقب المؤتمر الاقتصادي (شرم الشيخ) قدمت المملكة حزمة تمويلية قدرها 4 مليارات دولار (منها مليار دولار وديعة في البنك المركزي، و3 مليارات دولار مشروعات تنفذ من خلال الصندوق السعودي للتنمية، وخط ائتمان)، بالإضافة إلى المنحة التي أعلن عنها خادم الحرمين للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
* وماذا عن الدعم الخليجي بشكل عام؟
- هناك أيضا دعم إماراتي، فقد سبق أن قدمت دولة الإمارات وديعة مالية في البنك المركزي تقدر قيمتها بملياري دولار في يونيو (حزيران) 2013، ومثلهما في يونيو 2015. وتم التوقيع على اتفاق منحة إطاري في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، بموجبه تعهدت الإمارات بتقديم منحة لا ترد لجمهورية مصر العربية تقدر بنحو 4.911.5 مليار دولار لتنفيذ مشروعات في مجالات الكهرباء والطاقة والإسكان والصحة والتعليم والنقل وتدريب العمالة الصناعية والدراسات الاستراتيجية، ومليار دولار دعم للموازنة العامة للدولة، تم تحويلها بالفعل في 30 يونيو 2013، فضلاً عن توفير احتياجات مصر من الوقود لعام 2013 بقيمة 1.049 مليار دولار. وفي ما يتعلق بدولة الكويت الشقيقة، فقد أعلنت عن حزمة مساعدات تقدر بـ3 مليارات دولار (مليارا دولار وديعة في البنك المركزي) وقد تم تنفيذ هذا التعهد، ومليار دولار دعم موازنة.
* هل تتفاوض مصر على منح أو قروض جديدة في الفترة الحالية، أو حتى ودائع في البنك المركزي، في ضوء الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها، والنقص الشديد في العملة الصعبة؟
- في وزارة التعاون الدولي، دورنا ووظيفتنا الأساسية أن ننسق العمل بين الوزارات المختلفة حول مشاريعها التنموية، بحيث نحاول أن نوفر لها التمويل اللازم من خلال عرض المشاريع الاستثمارية، وكذلك البحث عن منح دولية وقروض. وهذا عمل مستمر لا ينقطع، نتفاوض عليه باستمرار، وعندما نصل إلى أي شيء يتم الإعلان عنه من خلال اتفاقات رسمية.
وهناك برنامج للحكومة الحالية بقيادة المهندس شريف إسماعيل، هذا البرنامج مستمر لنحو ثلاث سنوات، ونعمل على تحقيقه، ويشمل تطلعات واحتياجات كثيرة نرغب في مواكبتها، منها توفير فرص عمل، وبناء مدارس، ومستشفيات.. وغيرها، وبالتالي علينا أن نوفر له التمويل اللازم.
* ما حجم الفجوة التمويلية التي تعاني منها مصر والتي تكفي لتمويل تلك المشاريع المخططة؟
- وفقا لبرنامج الحكومة الحالي، المعروض أمام مجلس النواب (البرلمان) للتصديق عليه، فإن هناك فجوة تمويلية تقدر بنحو 27 مليار دولار. نأمل أن يتم سدادها من خلال جلب استثمارات أجنبية أو مصرية، على أن يتم استكمال الباقي عن طريق القروض والمنح الدولية.
* لكن ألا تشكل تلك القروض مزيدا من الضغط على حجم مديونية مصر؟
- إطلاقا.. المحفظة المالية لوزارة التعاون (قروض – منح) توازي نحو 3.8 في المائة من الدين العام، والباقي دين داخلي، بمعنى أنها نسبة ضئيلة للغاية. أنا أنظر إلى المنح والقروض الدولية على أنها استثمار للأجيال المقبلة.. فمثلا قرض يتم أخذه لبناء مستشفى يضمن رعاية صحية جيدة.. أو مدرسة تخرج جيلا متعلما ومنتجا، أليس هذا فيه نفع للأجيال المقبلة واستثمار في المستقبل.
والدين الخارجي الكلي ما زال في حدود النسبة المعقولة؛ حيث يبلغ 15 في المائة فقط من الناتج المحلي. الخطر هو في الدين الداخلي (أذون الخزانة والسندات الحكومية) وليس الخارجي.
* لكن في النهاية هي ديون على عاتق الدولة التي تعيش أوضاعا اقتصادية صعبة؟
- القروض حل مؤقت، ولا بد من عودة السياحة وزيادة التصدير والإنتاج، وهذا ما تعمل عليه الحكومة الحالية، لكنه سيأخذ بعض الوقت.
* ما إجمالي قرض البنك الدولي المقدم إلى مصر.. وهل هناك دفعة جديدة تحصل عليها مصر في الفترة المقبلة؟
- إجمالي القرض المتفق عليه بالكامل مع البنك الدولي لمصر هو 8 مليارات دولار، مقدمة على 4 سنوات، وهو ضعف أي رقم خصص لمصر في السابق. وهو مقسم كالتالي: 3 مليارات في إطار برنامج الحكومة الشامل للتنمية الاقتصادية ودعم الموازنة العامة، وهذا سيقدم على دفعات عقب إقرار برنامج الحكومة في البرلمان. ومليارا دولار لمشاريع تنموية وخيرية يتم العمل عليها بالفعل في مشاريع صرف صحي وبرنامج «تكافل» و«كرامة». و3 مليارات دولار مشاريع تنموية خاصة متوافق عليها ويتم تنفيذها بالفعل.
* عند الحديث عن قرض من البنك الدولي تحديدا، دائما ما يثار أن هناك شروطا معينة أو إصلاحات متعلقة برفع الدعم مثلا، يطلبها البنك للموافقة على منح القرض؟
- هذا أمر غير صحيح، فليس هناك أي شروط أو قيود وضعها البنك على مصر للموافقة على إقراضها، والدليل على ذلك أن الحكومة أعدت برنامجها وقدمته إلى البرلمان للموافقة عليه أولا، وفي حال تمت الموافقة، فسوف تتقدم بعد ذلك بالمشاريع المخطط لها إلى البنك الدولي للحصول على قيمة القرض. وبالتالي إذا كانت هناك شروط، فكان الأوْلى أن تقدم المشاريع تلقائيا للبنك دون العرض على البرلمان الذي قد يغير البرنامج. وفي أسوأ الظروف، وإذا كان ما يقال صحيحا، فإن للبرلمان الحق في تعديل ذلك البرنامج، وأن يجعل أولوياته مختلفة، وما سيصدر عنه في النهاية سيقدم للبنك الدولي.
ما تحقق من رفع للدعم هو جزء من برنامج الإصلاح الحكومي المخطط له منذ فترة بوصفه ضرورة لإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية، وبالتالي هو قرار مصري لا تدخل فيه دوليا.
* وهل من المتوقع أن يرفض البرلمان برنامج الحكومة المقدم؟
- لا أعتقد ذلك، فهو برنامج جيد يحتوي على خطط طموحه ومشروعات اقتصادية تنموية كبيرة.
* ما تعليقك على تهديد البرلمان الأوروبي مؤخرا بوقف المساعدات المقدمة إلى مصر بسبب ما قيل عنها «انتهاكات حقوقية» تحدث بالداخل؟
- أي شيء من هذا لم يحدث، المساعدات والاتفاقات التي أعلن عنها جميعها مستمرة، وسفير الاتحاد الأوروبي كان هنا في مكتبي منذ فترة قليلة، وأكد دعمه مصر اقتصاديا، وقال في اليوم نفسه لبيان الاتحاد الأوروبي إن الأمور تسير كما هي، فالتعاون الاقتصادي مستمر كما هو مخطط له، والمنح سارية، والصرف يتم في مواعيده. يجب أن ننظر إلى الفعل وليس الأقاويل.
* هل الأزمات السياسية التي تحدث لمصر مثل قضية مقتل الطالب الإيطالي ريجيني تعرقل مخططات الوزارة؟
- المؤسسات الدولية والدول الغربية متعاونة جدا مع مصر، ولديها رغبة حقيقية في دعم مصر اقتصاديا خلال الفترة الراهنة.. فمصر لها وضع استراتيجي وأهمية كبيرة على صعيد منطقة الشرق الأوسط والعالم.
* هناك بعض التوترات بين مصر وأميركا، خصوصا بعد ثورة «30 يونيو».. هل أثر ذلك على حجم المساعدات التي تقدم إلى مصر؟
- على صعيد المساعدات الاقتصادية الأميركية والمنح والمشاريع المتفق عليها، لا يوجد أي تأثير على مصر.
* ما أبرز المشاريع التنموية التي تعمل عليها الوزارة حاليا في إطار المنح المقدمة؟
- تقوم الوزارة بمتابعة ما يزيد على 250 مشروعا في كل القطاعات الاقتصادية، بإجمالي حجم تمويلات يناهز 30 مليار دولار. وهذه المشروعات تتوزع بين قطاعات البنية الأساسية، مثل الكهرباء والطاقة والصرف الصحي ومحطات المياه، إلى جانب تطوير قطاعات الطرق البرية والسكك الحديدية، بالإضافة إلى الخدمات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والتعليم.
وتعمل الوزارة بالتنسيق مع كل الوزارات المعنية وشركاء التنمية على تنفيذ المشروعات بفعالية وكفاءة ووفقا لجداول تنفيذية مخطط لها جيدا، لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية، ويتم رصد المشكلات التي تعوق تنفيذ المشروعات أولا بأول، والتدخل لحل أي مشكلة تواجه التنفيذ، من خلال آلية عمل مشتركة، تتولى وزارة التعاون الدولي تنسيقها على المستوى القومي.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.