يوسوفو.. وحلم الاستقرار

رئيس النيجر يبدأ فترته الرئاسية الثانية وسط تحديات الأمن والهدوء والتنمية

يوسوفو.. وحلم الاستقرار
TT

يوسوفو.. وحلم الاستقرار

يوسوفو.. وحلم الاستقرار

نيامي، عاصمة جمهورية النيجر، مدينة هادئة ووديعة، ترقد على ضفة نهر النيجر، ذلك المجرى المائي الذي يشق الصحراء الكبرى وعلى خاصرته يحمل أبرز المدن العامرة في منطقة الساحل الأفريقي؛ ويحكي هذا النهر قصة منطقة ظلمتها الجغرافيا وأقعدها تاريخها المؤلم، ويخيّم على مستقبلها شبح حروب لا تتوقف، من حرب عاجلة على الإرهاب إلى حروب مؤجلة ضد الفقر والأمية والمرض. وفي قلب هذه المنطقة تقع الجمهورية التي أعطاها النهر اسمه، والتي ارتبطت في أذهان الكثيرين بالمجاعات، والكثير من الانقلابات والصراعات السياسية التي لا تنتهي. لكن النيجر اليوم تتأهب للوقوف على قدميها بعد إعادتها انتخاب رئيسها محمدو يوسوفو، وهي تحلم بالاستقرار وأن لا تستفيق بعد فترة قصيرة على انقلاب عسكري أو بعد أيام على هجوم إرهابي. الاستقرار من ضمن أحلام أخرى كثيرة يتوجب على يوسوفو، وهو مهندس المعادن وخبير الرياضيات، أن يعيد حساباته ويرتب أوراقه ليحقق ولو جزءًا يسيرًا منها.
في قلب العاصمة النيجرية نيامي يتربع القصر الجمهوري بطابعه المعماري المميز وألوانه الصفراء ذات السحنة الصحراوية التي تجعله منتميًا لبيئته، ويستقبل هذا القصر محمدو يوسوفو من جديد رئيسًا للنيجر على مدى خمس سنوات مقبلة، سيجلس خلالها داخل هذا القصر ليدير شؤون واحد من أفقر بلدان العالم وأكثرها تحديات أمنية وسياسية واقتصادية.
في السنوات الخمس الماضية يرى يوسوفو أنه حقق المطلوب ووضع الأسس الضرورية لمشروع «النهضة» في النيجر، فيما يتطلع لتكون السنوات الخمس المقبلة مليئة بالعمل الذي يبدأ بطي الخلافات السياسية ومد يد الهدنة والتصالح مع المعارضة، فبعد أيام من إعادة انتخابه أعلن استعداده للحوار معها ونيته تشكيل حكومة ائتلاف وطني؛ خطوة ذكية من خريج كليات الهندسة والعلوم في فرنسا، ومن رجل يرتبط بعلاقات وطيدة مع دوائر الحكم في قصر الإليزيه الفرنسي.
سيرة شخصية
ولد الحاج محمدو يوسوفو عام 1952. عندما كان النيجر كيانًا يرزح تحت الاستعمار الفرنسي، في منطقة تاهوا، وهي منطقة تقع على بوابة منطقة الساحل الأفريقي، في منتصف المسافة ما بين العاصمة نيامي بأقصى جنوب النيجر، ومدينة أغاديز في أقصى الشمال. ولقد تربى يوسوفو وسط خليط من الإثنيات التي تعايشت لعدة قرون في تاهوا، من قبائل الهوسا - التي تشكل غالبية سكان النيجر - إلى قبائل السونغاي والجورمانتشيه الأفريقية، ثم العرب والطوارق والتبو. إنها مزيج من الشعوب والثقافات احتك بها الرجل فجعلته من أكثر الشخصيات في النيجر إلمامًا بالخلطة السحرية للمجتمع النيجري؛ وحقًا يتوجب على مَن سيحكم هذا البلد الأفريقي أن يدرك أدق التفاصيل حول كل قبيلة على حدة، فهذا البلد يُحكم بمزاج القبيلة وسخاء السماء.
تلقى يوسوفو تعليمه الابتدائي والإعدادي في منطقة تاهوا، قبل أن ينتقل إلى العاصمة نيامي حيث التحق بالثانوية ليحصل عام 1971 على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات. وعندما كان الجفاف يضرب البلاد ليهز أركان حكم الرئيس المؤسِّس هاماني ديوري، كان يوسوفو مراهقًا يرتاد مركز التعليم العالي بنيامي حيث تخرج بشهادة جامعية في الدراسات العلمية في الرياضيات والفيزياء عام 1973. وبالتزامن مع الانقلاب العسكري الأول في تاريخ البلاد، عام 1974، كان يوسوفو يحضر لشهادة الليسانس (الإجازة الجامعية) في الرياضيات التي حصل عليها عام 1975.
ثم، مع بداية الحكم العسكري في النيجر، توجّه يوسوفو إلى فرنسا لمواصلة دراساته العليا، وهي رحلة ستقوده إلى أروقة جامعة العلوم والتقنيات في مدينة مونبلييه الجامعية العريقة بجنوب فرنسا ما بين عامي 1975 و1976 حيث نال شهادة الماجستير في الرياضيات والتطبيقات الأساسية. ثم بعد ذلك إلى جامعة «باريس 5» حيث حصل على شهادة الدراسات المعمّقة DEA في الاحتمالات والإحصاء عام 1977. ومنها إلى المدرسة الوطنية العليا للمعادن في مدينة سانت إتيان ليتخرج فيها مهندسًا مدنيًا متخصصًا في المعادن عام 1979.
من الرياضيات والفيزياء إلى هندسة المعادن، مرورًا بالاحتمالات والإحصاء، أصبح الشاب النيجري الهادئ قادرًا على العودة إلى بلاده التي كانت ما تزال ترزح تحت حكم العسكر، وتعيش تحت رحمة الخوف من شبح الجفاف، وتقتات على مساعدات الدول الغربية وديونها التي لا تنتهي. عاد يوسوفو إلى النيجر عام 1979 وهو نسخة مطوّرة من الإنسان النيجري، مشبعًا بالثقافة الغربية التي استقاها في «مدينة النور» باريس، دون أن ينسى تقاليد مجتمعه الأفريقي متعدد الثقافات.
العودة من فرنسا
وبدأ الرئيس المستقبلي مساره المهني في النيجر كمتدّرب في عدد من شركات المعادن النشطة في البلاد، قبل أن يصبح مديرًا للمعادن في وزارة الصناعة والمعادن في الفترة ما بين 1980 و1985. وسرعان ما انتقل بعد ذلك إلى واحدة من أشهر شركات المعادن في النيجر «سوماير» حيث شغل عدة مناصب مهمة، بدأها كأمين عام، ثم مدير للاستخراجات وأخيرًا مديرًا فنيًا للشركة؛ وكان يوسوفو يتقدم – في هذه الأثناء - في مساره المهني وعينه على التطورات السياسية التي تعيشها بلاده.
في الواقع، يُعد النيجر واحدًا من أكثر بلدان الساحل وغرب أفريقيا انقلابات عسكرية. فبعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960 دخلت البلاد في حكم الحزب الواحد بقيادة هاماني ديوري، أول رئيس للنيجر؛ ولقد عمل ديوري تحت العباءة الفرنسية وفتح لها الباب لاستغلال مناجم النيجر الغنية باليورانيوم، إلا أن موجة من الجفاف الحاد أطاحت بحكمه ودفعت الجيش عام 1974 إلى إزاحته وتنصيب أول رئيس عسكري للبلاد هو العقيد ساني كونتشيه.
ولم يختلف كونتشيه عن سابقه، إذ ارتمى في أحضان فرنسا لتدعيم أركان حكمه ومواجهة موجات الجفاف المتلاحقة، فلطالما شكل الجفاف لاعبًا مهمًا في تحديد المستقبل السياسي للنيجر. وبعد وفاة كونتشيه عام 1987 حل محله علي سايبو، وهو عقيد آخر في الجيش حاول أن يجري إصلاحات وأن يعزّز الحريات من خلال إطلاق سراح سجناء سياسيين، وإعلان «الجمهورية الثانية» التي لم تصمد طويلاً أمام احتجاجات المعارضة السياسية وعمال المناجم والطلاب. ومن ثم أجبر على اعتماد التعددية السياسية مطلع عام 1991. على غرار بقية المستعمرات الفرنسية في أفريقيا؛ وخرج العقيد سايبو من الحكم في العام نفسه مفسحًا المجال أمام حكم انتقالي مهمته الإشراف على انتخابات رئاسية وتشريعية تفتح الباب أمام الجمهورية الثالثة.
التعددية الحزبية
مع بداية التعددية الحزبية في النيجر مطلع تسعينات القرن الماضي، أسس يوسوفو «الحزب النيجري من أجل الديمقراطية والاشتراكية» في ديسمبر (كانون الأول) 1990. كان ذلك الحزب الذي ما زال يرأسه حتى اليوم هو البوابة التي شارك من خلالها في جميع الانتخابات التشريعية والرئاسية منذ أن بدأت التعددية في النيجر؛ كما مكّنه من المشاركة في أشغال «المؤتمر الوطني السامي» الذي وضع ملامح الجمهورية الثانية في النيجر عام 1991، والمشاركة بعد ذلك في الانتخابات التشريعية عام 1993 والدخول إلى قبة البرلمان ممثلاً لمنطقة تاهوا التي يتحدر منها، كما شارك في أول انتخابات رئاسية يشهدها النيجر.
بينما كانت النيجر تتلمس خطواتها بكثير من الترقب تجاه نظام ديمقراطي جديد، كانت جارتها مالي تلتهب تحت وقع تمرّد الطوارق في الشمال؛ وسرعان ما انتقلت العدوى إلى طوارق النيجر فحملوا السلاح مطالبين بالاستقلال عن العاصمة نيامي، لتدخل البلاد في موجة من الأزمات الاقتصادية والصدامات العرقية عصفت بالحكومة الانتقالية نهاية عام 1992. إلا أن ذلك لم يمنع النيجريين من مواصلة الطريق للخروج بانتخابات تشريعية في شهر أبريل (نيسان) 1993. وأول انتخابات رئاسية شفافة تشهدها البلاد. ولقد فاز ماهامان عثمان بهذه الانتخابات، وحل يوسوفو في المرتبة الثالثة بنسبة 15 في المائة من أصوات الناخبين، فاختير رئيسًا للوزراء على رأس حكومة نجحت بعد سنة في توقيع اتفاق سلام مع قبائل الطوارق منحوا بموجبه حكمًا ذاتيًا محدودًا، فانتهى تمرّد طوارق النيجر إلى اليوم.
الصراع مع عثمان
إلا أنه سرعان ما بدأت الخلافات تدب بين الرئيس المنتخب عثمان ورئيس وزرائه يوسوفو، فاستغل الجيش الصراع بين الرجلين ليدخل على الخط بحجة أن الخلاف بينهما عطّل عمل مؤسسات الدولة، وبالتالي، ظهر عقيد جديد اسمه إبراهيم باري مناصرة أزاح الرئيس وأطاح بالحكومة في يناير (كانون الثاني) من عام 1996. وأعلن جمهوريته الخاصة التي كانت الرابعة منذ استقلال النيجر عام 1960. وكان واضحًا منذ البداية أن العقيد باري يريد البقاء في الحكم حين دعا إلى انتخابات رئاسية وتشريعية بعد بضعة أشهر من انقلابه. وأثناء الانتخابات تدخل بشكل فج ليحلّ اللجنة المشرفة ويعيّن لجنة جديدة منحته الفوز في انتخابات أثارت سخرية العالم وأدخلت النيجر في دوامة من الأزمات والعزلة الدولية. هذا الوضع أجبر العقيد باري على البحث في جيوب العقيد الليبي معمر القذافي عن تمويلات بعدما نضبت خزائنه ورفض المموّلون الدوليون دعمه.
خلال «الحكم الحديدي» للعقيد باري كان يوسوفو يرأس البرلمان وينشط رفقة عدد من النواب في «الجبهة الوطنية من أجل إعادة التأسيس والدفاع عن الديمقراطية»، التي تهدف إلى مواجهة آلة قمع النظام العسكري الحاكم وتسعى إلى الخروج من مأزق العزلة الدولية المفروضة على النيجر، ولكنها في الوقت ذاته لم تكن بتلك القوة التي تزعج الحاكم العسكري الذي يرتدي ثوبًا ديمقراطيًا لم يخدع العالم الخارجي.
ثلاث سنوات كانت فترة حكم العقيد باري، انتهت مطلع شهر أبريل من عام 1999. بأول انقلاب دموي في النيجر قتل فيه العقيد باري وطويت بموته صفحة العزلة الدولية المفروضة على النيجر. وبعدها أعلن قادة الانقلاب عن بداية «الجمهورية الخامسة» وتشكيل المجلس الاستشاري الوطني الذي كان محمدو يوسفو عضوًا فيه، إلا أن ذلك لم يمنعه من الترشح للانتخابات الرئاسية التي نظمت العام نفسه تحت إشراف مراقبين دوليين شهدوا بنزاهتها، ولقد ذهبت إلى دورة ثانية بين الرئيس السابق مامادو تانجي ومحمدو يوسوفو، ليخسر الأخير السباق الرئاسي – مجددًا - بعد حصوله على نسبة 40 في المائة من أصوات الناخبين. غير أنه تُوّج بعدها مباشرة زعيمًا للمعارضة التي توحّدت في «منسقية القوى الديمقراطية»، وهي الصفة التي قاد بها المعارضة في الانتخابات الرئاسية عام 2004. ليخسر من جديد السباق في الدورة الثانية أمام الرئيس المنتهية ولايته مامادو تانجي.
زعيم المعارضة
خلال سنوات حكم تانجي ظل يوسوفو يكرس صورته كزعيم تقليدي للمعارضة في النيجر، فيما سعى تانجي إلى تغيير الدستور الذي يمنع ترشحه لفترة رئاسية ثالثة. إلا أن ذاكرة النيجر المليئة بالانقلابات استيقظت عام 2010 ليظهر عقيد جديد اسمه سالو جيبو، أزاح الرئيس وحل الحكومة وأسس «المجلس الأعلى لاستعادة الديمقراطية»، وأعلن عن الشروع في «الجمهورية السادسة». تلك الجمهورية التي بدا واضحًا أن يوسوفو هو المرشح الأوفر حظًا للفوز بها، وبالفعل أدى يوسوفو اليمين الدستورية مطلع شهر أبريل من عام 2011، كسادس رئيس للنيجر.
لقد تحوّل المعارض المخضرم إلى حاكم للبلاد، وعندها وجد نفسه أمام اختبار حقيقي للوفاء بالكثير من الوعود التي أطلقها على مدى عقدين من الزمن. وكانت صخرة الواقع صلبة لتتكسر عليها كل آمال الرجل الذي وجد أمامه وضعًا إقليميًا متأزمًا بعد انفجار الوضع في ليبيا وتحوّل منطقة الساحل الأفريقي إلى برميل بارود تلعب به الجماعات الإرهابية وعصابات التهريب والجريمة المنظمة. وهكذا تحوّل زعيم المعارضة الثائر إلى حليف قوي للغرب في الحرب ضد تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» وجماعة «بوكو حرام» المتطرفة.
يوسوفو يلقبه أنصاره بـ«زاكي»، أي الأسد بلغة الهاوسا، ويؤكدون أنه نجح في الحد من خطر الجماعات الإرهابية، وأنه رفع من نسبة النمو في البلاد خلال السنوات الأخيرة بالاعتماد على قطاع المعادن والنفط رغم تراجع أسعارها في الأسواق العالمية. ويقول المستشار الإعلامي في رئاسة الجمهورية بالنيجر عبد الرحمن محمد لـ«الشرق الأوسط» إن «الرهان في الفترة الرئاسية المقبلة على تنويع الاقتصاد من خلال تطوير قطاعات المناجم والنفط والزراعة، وزيادة نسبة النمو التي تعد الأعلى في الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا».
أما معارضوه فيصفونه بأنه «صناعة»، ويتهمونه بإدخال بلده الهش في صراعات إقليمية لا يقوى على الصمود فيها، ويدّعون أنه فشل في تحسين ظروف الصحة والتعليم والبنية التحتية خلال مأموريته الأولى؛ وأن مشاكل كبيرة تنتظره في فترته الثانية.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.