مصممات شابات يفضلن الاستقلالية على الانتشار السريع

يرفضن الانضمام لمجموعات كبيرة تتحكم في أفكارهن وتقيد حريتهن

فاليري ميسيكا
فاليري ميسيكا
TT

مصممات شابات يفضلن الاستقلالية على الانتشار السريع

فاليري ميسيكا
فاليري ميسيكا

قبل نهاية العام الماضي، احتفلت مصممة المجوهرات الشابة جيا ريبوسي بانضمامها لمجموعة «إل في آم آش» الفرنسية، ملتحقة ببيوت أزياء ومجوهرات مثل «ديور»، «لويس فويتون»، «بولغاري» وغيرها ممن تملكها المجموعة. وإذا كانت جيا قد أعربت عن سعادتها بالأمر لما سيفتحه أمامها من فرص توسع في كل أنحاء العالم، فإن مصممات كثيرات غيرها، ومن بنات جيلها، يفضلن الاستقلالية على الانضمام لأي مجموعة مهما كان حجمها. واللافت أن هذه الشريحة من المصممات لا تنتمي لثقافة معينة أو جنسية محددة، بل هن متواجدات في لوس أنجليس ولندن وأمستردام كما في بيروت وهونغ كونغ. ما يشجعهن على هذا أنهن حققن نجاحا ملموسا لحد الآن من دون دعم رغم أن أغلبهن في عمر الزهور. سر نجاحهن يعود إلى أنهن فهمن بنات جنسهن أكثر من المصممين الرجال، الذين احتكروا مجال المجوهرات لقرون، فضلا عن أن الكثيرات منهن يتمتعن بخلفيات فنية أو معمارية تُحفزهن على ابتكار قطع أقرب إلى التحف منها إلى تصاميم عادية. ومع ذلك لا يمكن تجاهل حقيقة أن نجاحهن تزامن مع ظهور شريحة جديدة من الزبونات الشابات اللواتي لا ينتظرن هدايا من أزواجهن أو من أفراد عائلتهن، بل يتمتعن بقدرات شرائية تتيح لهن شراء ما يروق لهن ويعبر عن أسلوبهن الخاص من دون تردد، ووجدن ضالتهن في تصاميم هؤلاء المصممات.
هذا العام مثلا يشهد مرور 25 عاما على انطلاق ماركة سولانج أزاغوري بارتريدج، المصممة التي دخلت في شراكات باءت كلها بالفشل سابقا ما جعلها تصر حاليا على الاستقلالية. وقد صرحت في إحدى المقابلات بأنها تفضل هذا الأمر للتعبير عن أسلوبها من دون تدخلات خارجية، مؤكدة أن «مع الاستقلالية تأتي الحرية». قصتها مع التصميم طريفة، بدأت بخاتم زواج. فحين خُطبت لم ترق لها أي من التصاميم المطروحة في السوق آنذاك، ما دفعها لتصميم خاتمها الخاص. نال إعجاب كل من رآه، ما شجعها على أن تستمر، وفي عام 1990 أطلقت ماركتها الخاصة، وفي عام 2002. أثارت انتباه توم فورد الذي رشحها لدار «بوشرون» بباريس كمصممة فنية.
يوجد لها حاليا محلان، واحد في نيويورك والثاني في باريس، بالإضافة إلى محلها الرئيسي بمايفير لندن، يجذب زبونات مهمات تغريهن ألوان الأحجار المتوهجة والتصاميم المرحة التي تصوغها بأسلوب حداثي. ورغم أن بعض الأشكال تغلب عليها الفانتازية، فإن الكثير من التصاميم تتضمن قصصا مثيرة، تفتح في كل مرة حوارا فنيا وفكريا. ولا شك أن عملها سابقا مع «بوشرون» كان له تأثير على أسلوبها واستعمالها أشكال حيوانات في تصاميمها، وإن نسي أغلبية الناس البدايات ولا يذكرون سوى نجاحها الشخصي في الحاضر. لا تنوي سولانج التوسع بافتتاح محلات كثيرة، بقدر ما تبحث عن طرق موازية لبيع منتجاتها، كان آخرها التعاون مع موقع «أمازون» البريطاني طرحت فيه تصاميم بالفضة والسلك بسعر معقول جدا لا يتعدى الـ104 دولارات أميركية، وهو عبارة عن خاتم استنسخته من خاتم من الذهب كانت قد طرحته أول مرة في عام 2005 ويباع بـ2.300 دولار أميركي.
كارولينا بوتشي مصممة أخرى من أصول إيطالية استقرت في لندن وتجرب طرقا جديدة لاختراق السوق. بدأت قصتها منذ نحو 15 سنة من خلال جمعها بين التقنيات التي تعلمتها في طفولتها، وتحديدا في ورشات عائلتها، التي تعمل في مجال المجوهرات منذ عام 1885، وتلك التي درستها في نيويورك، لتأتي النتيجة تصاميم عصرية تنبض بالحيوية وتحمل بين خطوطها وخيوطها وأحجارها الكثير من المفاجآت. فما قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه مجرد خيوط مذهبة بألوان مختلفة، هو في الحقيقة أسلاك من الذهب طوعتها بشكل مدهش لتكون برقة الخيوط ومرونتها. في عام 2016. تنوي أن تطرح ماركة جديدة باسم «كارو» تعتمد على الفضة، ويتوقع أن تتراوح أسعارها ما بين 150 و2.500 دولار أميركي، بينما تقدر أسعار تصاميمها المصنوعة من الذهب ما بين 950 و100.000 دولار أميركي. مثل سولانج أزاغوري، لا تنوي كارولينا بوتشي، أن تتوسع بشكل كبير، ولا تحلم بأكثر من «أربعة أو خمسة محلات تحافظ على تفردها وفخامتها» حسب قولها. «كارو» في المقابل سيكون خطا يمكن طرحه في محلات التجزئة الكبيرة من دون أن يؤثر على خطها الأصلي، الذي رغم ترفه وأسعاره العالية يبدو كأنه مجرد إكسسوارات أنيقة. وهذا هو عز الطلب بالنسبة لها ولزبوناتها النخبويات. فهذه الشريحة تريد أن تستمتع بالتصاميم المبتكرة وبخامات غالية في كل الأوقات من دون بهرجة أو استعراض. تشرح كارولينا أنها نفسها جربت هذا الإحساس في صباها حيث كانت محرومة من ارتداء الإكسسوارات الرخيصة، وفي الوقت ذاته كانت تجد المجوهرات المتاحة لها تقليدية ومبالغا فيها، لهذا عندما بدأت التصميم وضعت نصبت أعينها أن تحترم تقاليد صناعة المجوهرات كما تعلمتها في بيت العائلة مع تطعيمها بلمسة مرح تعكس حياتها وإيقاعات العصر.
في لندن أيضا، وتحديدا في شارع «ديفيز ستريت» المواجه لفندق «كلارديجز» يوجد محل فريد من نوعه، يبدو للوهلة الأولى وكأنه «غاليري» فني نظرا للوحاته ومنحوتاته التي تشكل خلفية لجواهر في غاية الابتكار. المحل هو «بلماكس» لصاحبته جوليا موغنبورغ. وإذا عرف سبب هذا التزاوج بطل العجب، فهذه المصممة دخلت عالم المجوهرات من باب الرسم والنحت، وبالتالي تتعامل مع موادها وخاماتها من منطلق فني بحت، وهو ما تعترف فيه بقولها بأنها تتنفس الفن منذ صغرها. بين الفينة والأخرى تقيم معارض لفنانين تؤمن بهم، لتعيدنا إلى الزمن الجميل، حين كان مصممو الأزياء من أمثال كريستيان ديور وإلسا سكياباريللي وكوكو شانيل، يصاحبون فنانين عالميين أو يدعمون فنانين شبابا.
لكن اللافت عند دخول المحل أن هذه اللوحات والمنحوتات، لا تسرق الأضواء من إبداعاتها التي تتمثل في مجوهرات مبتكرة بمواد غريبة أحيانا تمزجها مع أخرى مترفة لتحول القطعة إلى فن ملبوس. ورغم أن جوليا تميل إلى مزج الذهب واللؤلؤ وأحيانا الزمرد الذي يتناغم لونه الأخضر العميق مع لون الذهب الأصفر، حسب قولها، فإنها تستعمل أيضا مواد أخرى مثل العقيق والعاج والأبنوس عندما يتطلب التصميم ذلك. لكن تبقى المعادن والأحجار سوى أدوات تمكنها من صياغة أشكال فريدة تعبر عن شخصيتها وفنيتها كما عن طموحات المرأة العصرية. لا تمانع جوليا موغنبورغ أن تنمو «بيلماكس» وتصبح عالمية، على شرط أن تحافظ على قيمها والأسس التي قامت عليها. حتى عندما دخلت مجال التجميل في عام 2007. بطرحها ظلال عيون وأحمر شفاه، فإن فكرتها كانت تقديم منتج خاص ومختلف يعكس الجمال من منظورها الفني، وهو ما ترجمته باستعمال مواد مثل اللؤلؤ والذهب، تماما كما كان يفعل القدامى.
من لندن ننتقل إلى هونغ كونغ، حيث يوجد المقر الرئيسي الجديد لسيندي تشاو. مصممة تايوانية شابة لا تريد أن تُفرط في استقلاليتها، خصوصا أنها تعرف مسبقا أن طريقتها في العمل، والتي تعتمد على الكيف وليس الكم، لن تروق للمجموعات الكبيرة، التي لها استراتيجيات مختلفة تماما. تباع تصاميمها
بالملايين في المزادات العالمية، وتبرر ذلك بقولها أن كل قطعة تصوغها تضع فيها كل ما تملكه من طاقة لتأتي وكأنها تحفة فنية تستلهمها في الغالب من الطبيعة وكائناتها الحية. تبدأ بنحتها على الشمع ثم تنفذها بالذهب أو التيتانيوم وترصعها بالأحجار الكريمة في مشاغلها في كل من جنيف وباريس وليون الفرنسية، حيث لا يتوقف العمل، رغم أنها لا تطرح سوى قطع معدودات تتراوح ما بين 12 إلى 20 قطعة في العام. فبروش من مجموعتها «بلاك لايبل ماستربيس نمبر II، مثلا، استغرق ثلاث سنوات لتنفيذه، نظرا لحجمه وطريقة صف الزمرد فيه إلى جانب 5000 ماسة وحجر سفير، علما بأن أغلبية القطع من هذه المجموعة تُقدر بنحو 10 ملايين دولار أميركي. وتعتبر آسيا سوقها الأولى، والشرق الأوسط سوقها الثانية لتأتي بعدهما أسواق الولايات المتحدة وأوروبا. افتتحت مؤخرا محلا رئيسيا في هونغ كونغ، وهو ما تراه طبيعيا بحكم أن 65 في المائة من زبائنها من آسيا، الذين لم تؤثر عليهم الأزمة الاقتصادية، لأنهم، حسب قولها، مقتنون يبحثون عن كل ما هو فريد ومتميز بغض النظر عن السعر. مثل بنات جيلها، ترحب بفكرة التوسع والانتشار، لكن ليس على حساب الإبداع وخلق تصاميم رائعة.
فاليري ميسيكا، اسم آخر يتردد منذ نحو عشر سنوات. لا تزعم أنها فنانة، لكنها تعترف بأنها تتمتع بحس فني وتجاري على حد سواء. أكبر دليل على نجاحها أن تصاميمها تُقلد في كل أنحاء العالم، وهو ما تنوي التصدي له مستقبلا لحماية حقوقها الفنية. فبعد أن كانت ترى تقليدها في بداية مشوارها شهادة لها، تراه الآن خطرا يهدد مستقبلها. افتتحت مؤخرا محلا ضخما وفاخرا بشارع سانت هونوريه في باريس، أتبعته بورشة خاصة لصناعة المجوهرات الرفيعة.
مثل جيا ريبوسي وكارولينا بوتشي، عاشت فاليري في وسط يضج ببريق الماس والأحجار الكريمة، فوالدها أندريه ميسيكا من كبار تجار الماس في فرنسا. البداية كانت بأحجار ماس صغيرة جدا، تحصل عليها من والدها لأن كبار المصممين لم يكونوا يرغبون فيها، لتعمل على صياغتها بأشكال عصرية تعتمد فيها على تقنيات عالية تمنحها مرونة وحركة، وفي الوقت ذاته تمنح المرأة حرية في استعمالها. من أشهر ما قدمته لحد الآن، سوار «سكيني» الذي تطلب عاما كاملا لتنفيذه بالشكل الذي تصورته وكأنه وشم يحيط بالمعصم، إضافة إلى عقد «سيلك» وغيرهما من التصاميم التي تخاطب بنات جيلها. فهؤلاء لا يردن أطقما فخمة وجامدة يتزين بها في المناسبات الكبيرة فقط، بل «مجوهرات أنيقة بأسعار معقولة يمكن لهن استغلالها كإكسسوارات، نهارا ومساء» حسب رأيها.
الآن، وبعد أكثر من 10 سنوات في السوق، لا تزال ملكا عائليا وتتواجد في أكثر من 40 دولة، منها منطقة الشرق الأوسط، حلمها أن تتوسع بشكل عضوي وباستقلالية، على الأقل في الوقت الحالي. احتفالا بمرور 10 سنوات على بدايتها، لم تفكر بافتتاح محل جديد، وافتتحت في المقابل مشغلا في قلب باريس، يجسد بديكوراته شخصيتها، حيث مزجت فيه العصري بالتقليدي. في هذا المشغل تنوي أن تصمم قطعا فريدة لا مثيل لها تحت إشراف حرفيين مهرة وضعت أمام أيديهم كل ما يتوفر في السوق من تقنيات وإمكانيات للإبداع والإتقان. فبعد أن أصبحت ملكة المجوهرات المتحركة والمرنة، تريد أن تحافظ على هذه السمعة والبناء عليها.
بالنسبة للمصممة دينا كمال، فهي عصامية بدأت من دون دعم عائلي، وبشكل عضوي ومدروس. في أول خطوة لها، ركزت على خاتم الخنصر، الذي لعبت على موروثاته وإيحاءاته القديمة لتضفي عليه صبغة عصرية. مع الوقت توسعت إلى قطع أخرى لا تقل حداثة وجمالا رغم لمسة الـ«فينتاج» التي تطبعها. وهذا ما جعل محلات مهمة مثل «دوفر ستريت» بلندن «كوليت» بباريس وحتى طوكيو، تتهافت عليها. تعترف دينا أنها لا تجري وراء الانتشار، بل ولا تريد أن تتوفر تصاميمها بكميات كبيرة في كل مكان، لأن هذا سيفقدها خصوصيتها وتفردها، فضلا عن أن عملية الإنتاج بكميات كبيرة أمر صعب بالنسبة لها حاليا، لهذا تعمل أن تمشي بخطى حثيثة لكن واثقة. فهي لا تزال تمتهن الهندسة وفن العمارة لكي تمول عشقها لصناعة المجوهرات، مستمتعة باستقلاليتها وحريتها. طرحت مؤخرا مجموعة مستوحاة من الورود بعيدة كل البعد عن التقليدي، الذي يطرحه كبار الصاغة، وتذكرنا كل استدارة أو انحناءة فيها بأنها مهندسة معمارية قبل أن تكون مصممة مجوهرات. تقول إنها استوحتها من العصر الجيورجي، وهو ما تجسد في خواتم تتوسطها حجرة بلون وتحيط بها أحجار، إما من الماس أو اللؤلؤ، على شكل بتلات تتباين بين المستدير والمربع، دائما بأحجام ناعمة تناسب الخنصر.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.