وثيقة دي ميستورا للحل تقود إلى «تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات»

الموفد الدولي أكد أن جولة المفاوضات الجديدة في 9 أبريل.. وسيدا لـ «الشرق الأوسط»: ثمة رغبة دولية جدية للتوصل إلى حل سياسي

المبعوث الدولي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا يحمل وثيقة تتضمن الحل السياسي للأزمة السورية  خلال مؤتمر صحافي في ختام محادثات السلام في فيينا أمس (رويترز)
المبعوث الدولي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا يحمل وثيقة تتضمن الحل السياسي للأزمة السورية خلال مؤتمر صحافي في ختام محادثات السلام في فيينا أمس (رويترز)
TT

وثيقة دي ميستورا للحل تقود إلى «تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات»

المبعوث الدولي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا يحمل وثيقة تتضمن الحل السياسي للأزمة السورية  خلال مؤتمر صحافي في ختام محادثات السلام في فيينا أمس (رويترز)
المبعوث الدولي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا يحمل وثيقة تتضمن الحل السياسي للأزمة السورية خلال مؤتمر صحافي في ختام محادثات السلام في فيينا أمس (رويترز)

أعلن المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، أمس، تفاصيل خطته للحل الشامل في سوريا، كاشفا عن وثيقة من 12 بندا تحدد المبادئ الأساسية للحل تتضمن «عملية انتقالية سياسية» بكامل الصلاحيات، وتم تسليمها لوفدي النظام والمعارضة. وقال المبعوث الدولي إن «أحدا لم يعترض عليها».
ويحتوي ملخص للوثيقة على بنود تشمل إصلاح مؤسسات الدولة وفقا للمعايير الدولية، ورفض الإرهاب، وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم «2254» الذي يضمن انتقالا سياسيا. وتنص الوثيقة أيضا على إعادة بناء الجيش السوري على أساس وطني، وضمان قيام دولة ديمقراطية غير طائفية، والحفاظ على حقوق المرأة في التمثيل العادل.
وأعلن دي ميستورا أمس أنه سيدعو لجولة جديدة من المفاوضات تعقد في 9 أبريل (نيسان) المقبل، على الرغم من أن وفد نظام بشار الأسد أعلن في وقت سابق أنه لن يشارك في أي اجتماعات قبل الانتخابات البرلمانية التي دعا إليها النظام في 13 أبريل المقبل. وقالت المعارضة السورية إنها تعتقد أنه جرى الآن وضع أساس لمحادثات سلام جوهرية. وقالت بسمة قضماني، العضو بوفد المعارضة، بعدما اختتمت الهيئة العليا للمفاوضات التابعة للمعارضة محادثاتها مع مبعوث الأمم المتحدة: «نخرج من هذين الأسبوعين ولدينا شعور بأننا وضعنا على الأرجح الأساس لمحادثات جوهرية في الجولة التالية».
وقال دي ميستورا للصحافيين في مؤتمر صحافي عقده في ختام الجولة الراهنة من المحادثات غير المباشرة حول سوريا في مقر الأمم المتحدة في جنيف: «سنبدأ المحادثات والاجتماعات في الموعد الذي حددناه بأنفسنا والذي لا يمكن أن يتأخر عن التاسع أو العاشر من أبريل»، مضيفا أنه بإمكان الوفود التي لن يصل بعضها حتى منتصف الشهر المقبل، أن تنضم تباعا.
وأضاف ردا على سؤال حول طلب دمشق تأخير استئناف المفاوضات حتى إنجاز الانتخابات التشريعية في 13 أبريل: «الانتخابات الوحيدة التي أشعر أنني مخول بالتعليق عليها.. هي تلك الانتخابات التي ستشرف عليها الأمم المتحدة. وأي انتخابات أخرى لن أعلق عليها». ويحدد القرار الدولي رقم «2254» خريطة طريق تتضمن مفاوضات بين النظام والمعارضة، ووقفا لإطلاق النار، وتشكيل حكومة انتقالية في غضون ستة أشهر، وتنظيم انتخابات خلال 18 شهرا.
وقال دي ميستورا للصحافيين إن «واحدة من أهم صفات المحادثات غير المباشرة أنها توفر مرونة إلى حد كبير» في إشارة إلى إمكانية وصول الوفود في مواعيد مختلفة. واختتم دي ميستورا أمس جولة من المحادثات غير المباشرة حول سوريا، تزامنا مع عقد وزير الخارجية الأميركي جون كيري لقاء مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو بهدف تقريب مواقف البلدين من تسوية النزاع السوري ومستقبل بشار الأسد الذي يعد أبرز نقاط الخلاف في مفاوضات جنيف.
من جهتها أعلنت المعارضة السورية أمس أنها تعتقد أنه «جرى الآن وضع أساس لمحادثات سلام جوهرية» عندما تلتقي أطراف الصراع مجددًا في أبريل (نيسان) المقبل، بما في ذلك المضي قدمًا بشأن قضية الانتقال السياسي الخلافية. وبالتزامن، أكدت نائب رئيس «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» سميرة المسالمة أن وفد الشعب السوري أعد رؤية شاملة حول المرحلة الانتقالية في سوريا وعملية الانتقال السياسي، مؤكدة على ثوابت الثورة بتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات.
تصريحات المسالمة، من جنيف، جاءت بعد الإعلان عن «وضع مبادئ أساسية» للجولة المقبلة من المفاوضات في جنيف، المزمع عقدها في أبريل المقبل، وسط معلومات عن أن الجولة المقبلة من المفاوضات «سيبحث فيها الطرفان جوهر الانتقال السياسي وليس المبادئ». وأشارت نائب رئيس «الائتلاف» إلى أن الوفد المفاوض تعامل بجدية مطلقة تجاه العملية التفاوضية، انطلاقًا من تحملها المسؤولية الكاملة تجاه الشعب السوري في تحقيق تطلعاته إلى الحرية ودولة الديمقراطية التي تنهي عهد الاستبداد والديكتاتورية.
وقالت المسالمة في تصريح خاص من جنيف إن رؤية وفد الثورة السورية «تؤهل الواقع السوري لوضع دستور جديد وإجراء انتخابات شاملة»، مؤكدة أن هذه الرؤية «تضعنا في الطريق الصحيح لبناء سوريا الجديدة التي تضمن حقوق متساوية للشعب السوري بمكوناته كافة». وأكدت أن «بعثة الهيئة العليا للمفاوضات استمدت قوتها من الحراك المدني الحقيقي الذي رافق فترة المفاوضات، وكان يعبر عن استمرار الثورة ودعمه للعملية التفاوضية التي تحقق العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب».
وفي السياق نفسه، رأى البعض في المعارضة أن ما تحقق يمثل تطورًا استراتيجيًا لجهة إحضار النظام للتفاوض على الانتقال السياسي، بعدما ظل رافضًا لهذه النقطة. ورأى القيادي في المعارضة عبد الباسط سيدا أن إحضار النظام إلى طاولة التفاوض على الانتقال السياسي «يؤكد أن هناك رغبة دولية لوضع قطار الحل السياسي على السكة، حيث بات هناك إطار مشترك، ونقاط عامة يمكن أن تمثل النقاط الأساسية في جدول أعمال جلسات المباحثات المقبلة». وأكد سيدا، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «من المبكر الحكم على نتائج المفاوضات»، لافتًا إلى أن «الخروج بهذه التوافقات والمبادئ العامة التي ستشكل محور المفاوضات، لا تزال في مرحلة العموميات»، مشددًا على أن «المفاوضات عادة تحتاج إلى جدية من الطرفين وإيمانهما بضرورة الوصول إلى حل، ولذلك يتوقف نجاح المفاوضات على موقف النظام في المرحلة المقبلة».
وأشار سيدا إلى أن النظام اليوم «على اطلاع بأن هناك رغبة دولية جادة أكثر من جنيف 2 لمحاولة إيجاد حل للأزمة، وخصوصًا بعد تفجيرات أوروبا وانتشار الإرهاب، وبات هناك رغبة عارمة بضرورة معالجة الوضع وإنهاء الصراع عن طريق الوصول إلى حل سياسي يرتقي إلى مستوى تطلعات الشعب السوري وآماله». وأضاف: «أمام هذه الوقائع الدولية، بات النظام يدرك أن أوراقه التي تحدث عنها حول وجود مؤامرة ضده، باتت مكشوفة كما يعرف أن وضعه بات أصعب».
حقًا، تضاعفت المؤشرات على أن الجولة المقبلة تحمل إشارات إيجابية، إذ أعلنت بسمة قضماني، عضو وفد المعارضة، بعدما اختتمت الهيئة العليا للمفاوضات التابعة للمعارضة محادثاتها مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص ستيفان دي ميستورا: «نخرج من هذين الأسبوعين ولدينا شعور بأننا وضعنا على الأرجح الأساس لمحادثات جوهرية في الجولة التالية». وأضافت: «لم نعقد مثل هذه المحادثات الجوهرية»، مشيرة إلى أن «دي ميستورا قدم وثيقة بناءة تتضمن فهمه لنقاط الالتقاء بين كل الأطراف».

من جهتها, عبرت مصادر دبلوماسية غربية رافقت محادثات جنيف حول سوريا طيلة فترة انعقادها عن «رضاها» عن النص الذي توصل إليه المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا مع انتهاء الجولة الثانية، معتبرة أنه «يأتي على مجموعة من المبادئ» التي جمعها وتحظى بموافقة الطرفين، أي وفد النظام ووفد الهيئة العليا للمفاوضات. وكشفت هذه المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أن وفد الهيئة العليا «رفض» في آخر لقاء له مع المبعوث الدولي أن تنقل «ورقة بنود التسوية» إلى مجلس الأمن، وأن تعتبر مرجعية جدية للمفاوضات التي يريد الوفد أن تبدأ بأسرع وقت مشدّدة على أنها «ليست أكثر من إطار» ينصّ على المبادئ العامة وبالتالي لن «تكون لها أي قيمة قانونية ملزمة».
هذا، ورغم أن المبعوث الدولي أشار في مؤتمره الصحافي إلى أن «الورقة» تحظى بقبول الطرفين، فإن قول بشار الجعفري، رئيس وفد النظام، إنه «سينقل النص إلى دمشق» يثير بعض المخاوف لدى الدبلوماسيين الغربيين ولدى المعارضة من أن يكون ذلك «أول خطوة تراجعية» عن القبول بها.
من جانبه، حرص دي ميستورا في مؤتمر الصحافي النهائي مساء أمس على القول إن الورقة «تتضمن نقاطا جيدة للوصول إلى أرضية مشتركة»، مضيفا أنها «ليست وسيلة لقرار دولي جديد في مجلس الأمن بل هي مجرد فهمي للعملية السياسية وكيفية السير بها». وتضيف المصادر الغربية أن دي ميستورا «فهم أنه لن يكون بوسعه الذهاب أبعد مما ذهب إليه» في الخلاصات التي توصل إليها وأن هذه الورقة «ستشكل المنطلق الذي يرغب الانطلاق منه إلى الجولة القادمة آملا ألا يغرقه وفد النظام بموضوع المبادئ والمماطلة وإضاعة الوقت».
بيد أن المصادر المشار إليها أفادت أن للمعارضة وللأطراف الداعمة تحفظات على «نقطة أو نقطتين»، أحدها الفقرة الخاصة بعملية الانتقال السياسي التي دأب دي ميستورا على التركيز عليها منذ بداية انطلاق الجولة الثانية بحيث اعتبر أن تحقيق تقدم بشأنها هو «الضامن» للاستمرار في احترام وقف الهدنة التي بدأت في 27 فبراير (شباط) الماضي، ومن إيصال المساعدات الإنسانية خاصة للمناطق التي لم تصلها بعد. والحال، أن الوسيط الدولي اعتمد الغموض في صياغة الفقرة الخاصة بعملية الانتقال السياسي إذ لم يشر إلى «تشكيل هيئة انتقال سياسي بالتوافق وتتمتع بكافة الصلاحيات التنفيذية..». بل إنه اعتمد القول التالي، وفقا للترجمة العربية: طبقا لقرار مجلس الأمن 2254 يشمل الانتقال السياسي في سوريا آليات حكم ذات مصداقية وغير قائم على الطائفية، ويشمل جدولاً زمنيًا لإعداد دستور وتنظيم انتخابات حرة نزيهة. وبذلك يكون دي ميستورا قد «شق التفاحة نصفين» بحيث لم يرض أيًا من الطرفين تمامًا ولم يغظهما تمامًا.
من جهة ثانية، ترى المصادر الغربية أن المبعوث الدولي الذي «كان يراعي مواقف النظام في الفترة السابقة» التزم مواقف «أكثر حيادية» من خلال تركيزه على العملية التفاوضية ورفضه الحديث عن وجود وفود كثيرة من المعارضة رغم التقائه بـ«مجموعة موسكو» و«مجموعة القاهرة» و«المعارضة الداخلية» ناهيك عن «مجلس النساء السوريات» وشخصيات من المجتمع المدني السوري.
كذلك بيّن دي ميستورا، وفق المصادر نفسها عن «براعة دبلوماسية» حين لم يخضع لضغوط وفد النظام الذي طالب باستئناف المحادثات بعد الانتخابات البرلمانية التي يعدّ لها النظام السوري بينما أراد هو - أي دي ميستورا - بداية أن تستأنف في الثامن من أبريل (نيسان) القادم. وجاء «الإخراج» بأن قرر بدء المشاورات في التاسع من أبريل «بمن حضر» على أن تستأنف رسميا بعد وصول كل الأطراف.
يبقى السؤال الرئيسي الذي تطرحه هذه المصادر ويتناول «منهج» دي ميستورا الذي يتعين عليه أن يدخل في الجولة الثانية في صلب العملية وطرح الأسئلة الصعبة. وبالطبع، ستكون له الفرصة للتفكير في ذلك مع فريقه خلال الأسبوعين اللذين يفصلانه عن العودة إلى قصر الأمم في جنيف.



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended