ماربروك منتصرًا للكتاب المهاجرين: المؤسسة الثقافية البريطانية ما تزال تعاني من رهاب الآخر

روائي وشاعر أميركي يتهمها بالتمييز بسبب كاتب عراقي

جلول ماربروك   -  غلاف الكتاب
جلول ماربروك - غلاف الكتاب
TT

ماربروك منتصرًا للكتاب المهاجرين: المؤسسة الثقافية البريطانية ما تزال تعاني من رهاب الآخر

جلول ماربروك   -  غلاف الكتاب
جلول ماربروك - غلاف الكتاب

ما زال إقصاء الآخر وانعزال النخبة الثقافية والأكاديمية البريطانية، يرخيان بظلالهما على منهجية التعامل مع المبدع القادم من بحور ليست إنجليزية الجينات الموروثة من زمن الإمبراطورية، التي تغيب عنها الشمس اليوم أكثر من أي وقت مضى لإصرارها على الانفصام بين مؤسسات بنيتها الفوقية وبين شارعها، وبين احتضانها للآخر بشرط غير معلن يتجلى في عدم رفع الإصبع على مناطق ومساحات محرمة.
استفزتني مقالةٌ كتبها جلول ماربروك (أو مبروك) - وهو رئيس تحرير مجلة «الأرابيسك ريفيو»، وشاعر وروائي وصحافي أميركي حاصل على جوائز كثيرة في الشعر. وقد ولد في الجزائر عام 1934 لأب جزائري بدوي وأم رسامة أميركية - بشأن البرود اللامعقول الذي تعاملت به المؤسسة الثقافية البريطانية تجاه دراسة نقدية غير تقليدية لتراث الشاعر البريطاني المعروف فيليب لاركن الحائز على جائزة الملكة للشعر، وربما واحد من أهم شعراء بريطانيا في القرن العشرين كتبها ناقد عراقي مهاجر إلى المملكة المتحدة، معتبرًا أن هذه المؤسسة ما زالت تعاني من رهاب الآخر وتمارس سلوكًا شبه عنصري يكاد ينتمي إلى عصور الاستعمار والإمبراطورية - استفزتني المقالة، إذ أحسست دومًا بأننا نحن البريطانيين - المنحدرين من أصول عربية من المهاجرين وفي عصر العولمة والقرية العالمية - ما زلنا نواجه ما يشبه جدارًا عازلاً زجاجيًا في محاولتنا الدائمة للاندماج داخل المشهد الثقافي البريطاني. كنت أعتبر أنني ربما أميل للمبالغة بعض الشيء وكثيرًا ما اتهمت نفسي بالحساسية المفرطة تجاه أي سلوك عنصري. إلا أن مقالة ماربروك - التي انتصرت للناقد العراقي/ الشاعر والأديب فاضل السلطاني - قد أعادت تذكيرنا جميعًا بالواقع المظلم لحقيقة الاندماج الثقافي في المجتمع البريطاني عمومًا، والأجواء الثقافية خصوصًا. بالطبع، فإن هذا الشعور بالانفصال كما العزلة عن أبراج الثقافة البريطانية ليس مقتصرًا بحال على ذوي الأصول العربية، بل ويشترك فيه معنا مثقفون بريطانيون من أصول أجنبية ومهاجرون من أفريقيا والهند والكاريبي وأميركا الجنوبية. هل تذكرون صدمة الروائية البريطانية (من أم بريطانية ووالد سيراليوني) أميناتا فورنا عندما ألقت محاضرة في معقل الثقافة البريطانية في جامعة أكسفورد وأرادت أن تبحث عن روايتها في المكتبة هناك فوجدت أنها مصنفة تحت الأدب الأفريقي في قسم الدراسات الأفريقية فكتبت تتساءل في الـ«غارديان»: «كيف لا توجد نسخ من كتبي في مكتبة الجامعة العامة وأنا ولدت أحمل الجنسية البريطانية ولغتي الأم هي الإنجليزية؟».
لا شك بأن المجتمع البريطاني تغيّر خلال العقود الأخيرة، إذ أصبح أكثر تسامحًا وتقبلاً للثقافات الأخرى كما للفئات المختلفة. ويعود ذلك لأسباب كثيرة أقلها غلبة الثقافة المعولمة بفضل تطورات تكنولوجيا الاتصال وسهولة الانتقال عبر القارات، الأمر الذي فرض على معظم الشعوب الغربية بأن تشرع أبواب قلاعها المشيدة للثقافة الأميركية الناعمة ومعها تلوينات الثقافات الأخرى بوصفها جزءًا من التنوع الفلكلوري الذي يناسب حالة ما بعد الحداثة وعدالة الإمبراطورية الصاعدة. لكن رغم هذه الخطوات الملحوظة، فإن المؤسسة الثقافية والأكاديمية - في مجملها - ما زالت تعيش أجواء متأخرة بما لا يقاس وكأننا نتعاطى في عالم الأدب مع المندوب السامي المعين لإدارة شركة الهند الشرقية بكل ما في ذلك من رمزية.
هكذا يتخلى قطاع عريض من المثقفين والأكاديميين البريطانيين عن أدوارهم المفترضة في قيادة وتشكيل وعي الأكثرية، إذ يحيون - بوعي أو بلا وعي - أسوأ ما في التراث البريطاني من تصورات وآراء عن العالم الخارجي وعن الآخرين القادمين من هنالك عبر البحار، وكأنهم - كما وصفهم غرامشي - حراس وجهة نظر الطبقة المهيمنة على العالم في مواجهة رواية الطبقات والمجموعات الأخرى.
الخاسر هنا في النهاية هو الأدب والتجربة الإنسانية العالمية ومستقبل ثقافة الشعب البريطاني ذاته قبل أن تكون خسارة للسلطاني أو فورنا أو غيرهما من الكتاب والأدباء والشعراء الذين اقتحموا شواطئ الجزيرة البريطانية يحملون فكرًا وأقلامًا وتجارب إنسانية مختلفة.
السلطاني - وفق ماربروك - قدم أطروحة أكاديمية رصينة عن الشاعر لاركن اعتبرها قراءة استثنائية تقارب أعمال الشاعر من منظور مبتكر يتسم بالحرفية ويختلف عن القوالب والقراءات التي درجت الكتلة الثقافية البريطانية على استخدامها لتعريف لاركن وهو ما أشعرها بالارتباك فواجهته بالإهمال والتجاهل: «فكيف يجرؤ مهاجر عراقي أن تسول له نفسه بالاعتقاد بأنه يمكن أن يفسر شاعرًا بريطانيًا للبريطانيين!، ليس ذلك فحسب بل إنه يجعل من لاركن لا منتميًا وخارجًا عن اللغة والثقافة المحليّة رغم أنه - أي لاركن - يصنف، وفق التصور التقليدي السائد في الأوساط الثقافية البريطانية، عنصريًا وانعزاليًا في نظرته إلى الآخر.
ماربروك في مقالته الجريئة - وهو ذاته ضحية التصورات المسبقة بسبب انتسابه لأب جزائري وأم أميركية - يطرق الجدار العازل غير المرئي للمؤسسة الثقافية البريطانية في محاولة لتسمية الأسماء بمسمياتها، لكن تلك تبدو وكأنها صرخة ذئب منفرد أكثر من كونها اتجاهًا عامًا لبناء مقاربة أخرى في التعاطي مع الأعمال الأدبية دون النظر في هوية كاتبها.
هذا ما يثير قلقي كمعنية بالشأن الثقافي في هذا المجتمع، لأن ذلك يعني أن روح المحافظة والرغبة في الانعزال من منطلق عقدة التفوق - التي إن كانت مبررة عندما كانت إنجلترا نواة الإمبراطورية، أصبحت الآن تفتقد لأبسط مبررات الوجود بعد أن عادت مجرد جزيرة صغيرة على طرف أوروبا - هذه الروح ستكرس مناخًا يحاصر الإبداع ويقتل الاختلاف في الوقت الذي يتحول فيه العالم من حولنا إلى مسرح واحد - تقريبًا - تعيش على خشبته الإنسانية تجربتها الأعلى تاريخيًا، والشواهد كثيرة من حياتنا اليومية في بريطانيا: تولي المحافظين السلطة بالأغلبية، البطالة في أوساط البريطانيين الملونين، الحوادث العنصرية في المؤسسة الأمنية، الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي، الخوف الهستيري من تدفق اللاجئين إلى أوروبا والسقوف اللا مرئية لتقدم الأقليات والنساء والانقسام الطبقي، لا بل وإمكانية تبعثر اتحاد المملكة المتحدة نفسه بسبب تصاعد النزعات الاستقلالية في اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية. هذه ليست عوامل منعزلة كما يخشى كثير من المراقبين، بل هي حالة متكاملة ومناخات عامة من الانعزالية تستمر سلطات الثقافة والمثقفين في إعادة إنتاجها وتقديمها كأطباق باردة لجمهور يريد شيئًا جديدًا.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.