قبل زيارة كيري.. موسكو تحذر واشنطن من تأخرها في مناقشة ملف وقف إطلاق النار في سوريا

الولايات المتحدة تمتنع عن الرد .. والمعارضة السورية اعتبرت التحذير الروسي ذريعة لخرق الهدنة

رياض حجاب منسق الهيئة العليا للمفاوضات في المعارضة السورية أثناء وصوله أمس إلى جنيف حيث تجري محادثات السلام مع النظام (رويترز)
رياض حجاب منسق الهيئة العليا للمفاوضات في المعارضة السورية أثناء وصوله أمس إلى جنيف حيث تجري محادثات السلام مع النظام (رويترز)
TT

قبل زيارة كيري.. موسكو تحذر واشنطن من تأخرها في مناقشة ملف وقف إطلاق النار في سوريا

رياض حجاب منسق الهيئة العليا للمفاوضات في المعارضة السورية أثناء وصوله أمس إلى جنيف حيث تجري محادثات السلام مع النظام (رويترز)
رياض حجاب منسق الهيئة العليا للمفاوضات في المعارضة السورية أثناء وصوله أمس إلى جنيف حيث تجري محادثات السلام مع النظام (رويترز)

انضمت وزارة الخارجية الروسية إلى تحذيرات وزارة الدفاع، إلى واشنطن وذلك عبر بيان رسمي استهلته بالتعبير عن ارتياحها للتعاون مع الولايات المتحدة في مسائل ضمان وقف إطلاق النار في سوريا، لتقول بعد ذلك إن «نتائج المراقبة تدل على أن عددا من الفصائل المقاتلة التي تتهرب من وقف إطلاق النار، تقوم بانتهاكه، وعوضًا عن ابتعادهم عن (جبهة النصرة) المصنفة وفق الأمم المتحدة جماعة إرهابية، فإنهم يتعاونون معها». من ثم تعرض الخارجية الروسية جوهر المشكلة القائمة حاليا وتشير إلى أن الاتصالات مع الولايات المتحدة بهذا الصدد تجري منذ وقت بعيد، إلا أنها لم تؤد إلى التوافق بين روسيا والولايات المتحدة على آليات للكشف عن كل حالات انتهاك وقف إطلاق النار والحد منها، واعتبرت أن «المماطلة إلى ما لا نهاية في صياغة موقف مشترك في هذا المجال أمر خطير وغير بناء»، لتطلق بعد ذلك تحذيرات بأنها لا تستبعد أن تضطر القوات الروسية لأن ترد بشكل أحادي الجانب على ممارسات المقاتلين الذين لا يلتزمون بوقف إطلاق النار.
وفي أول رد فعل لواشنطن دعت إدارة الرئيس أوباما روسيا إلى الامتناع عن خطوات أحادية الجانب في سوريا، وفق ما نقلت وكالة «إنتر فاكس» عن متحدث من البيت الأبيض، الذي أكد أن بلاده تدعو موسكو للرد على الاقتراحات التي قدمتها الولايات المتحدة مقابل (رد على) الاقتراحات الروسية بشأن آليات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، مرجحًا عدم توفر اطلاع كافٍ على المعلومات لدى من أطلق مثل تلك التصريحات، ويقصد تحذيرات الخارجية والدفاع الروسيتين، ليؤكد بعد ذلك أن «هذه المسائل تم بحثها بالتفصيل، والنقاشات حولها بين روسيا والولايات المتحدة ما زالت جارية بأجواء بناءة». وأطلقت موسكو تحذيرات موجهة إلى واشنطن بأنها ستباشر من جانب واحد اعتبارا من اليوم 22 مارس (آذار) توجيه ضربات للمجموعات المسلحة التي تخرق وقف إطلاق النار بشكل ممنهج، ولن تراعي التزاماتها مع الجانب الأميركي المشترك لوقف الأعمال القتالية في سوريا.
وقالت وزارة الدفاع الروسية في بيان رسمي عرضه سيرغي رودسكوي رئيس دائرة العمليات في هيئة الأركان الروسية إنها وجهت يوم 25 نوفمبر (تشرين الثاني) عبر القنوات الدبلوماسية والعسكرية اقتراحات إلى ممثلي الولايات المتحدة حول ضمان الالتزام بوقف إطلاق النار في سوريا وآليات مراقبته، مشيرة إلى أن تلك الاقتراحات تتضمن آليات التشاور بين روسيا والولايات المتحدة في حال الحصول على معلومات بخرق نظام وقف الأعمال العدائية، فضلا عن إجراءات استخدام القوة العسكرية بحق التشكيلات التي تنتهك التزاماتها بوقف إطلاق النار بشكل مستمر، وترى وزارة الدفاع الروسية أن مثل هذه الإجراءات ستساعد على تشكيل آلية فعالة للمراقبة وردع الانتهاكات المحتملة لوقف إطلاق النار في سوريا.
والتحذير الروسي الموجه بصورة رئيسية إلى أميركا، جاء وفق وجهة النظر الروسية بعد مشاورات جرت مع ممثليها بتاريخ 18 مارس ليظهر الجانب الأميركي عدم جاهزية لمناقشة موسعة للاقتراحات الروسية بشأن آليات ضمان وقف إطلاق النار، والتوافق على نص الاتفاق بين الجانبين بهذا الصدد.
وعلى الرغم من أن الجانب الروسي كان قد عدل تلك الاقتراحات وأرسل نسخة تسوية من جديد إلى ممثلي الولايات المتحدة، واقترح عقد اجتماع في أقرب وقت ممكن بغية إجراء مشاورات بين الخبراء الروس والأميركيين للتوافق على نص مشروع الاقتراحات، وفق ما جاء في بيان وزارة الدفاع الروسية الذي اعتبر أن «المماطلة في دخول قواعد متفق عليها للرد على انتهاكات وقف إطلاق النار في سوريا حيز التنفيذ أمر غير مقبول؛ حيث يسقط كل يوم مدنيون هناك نتيجة الأعمال الاستفزازية والقصف».
وبعد أن كررت موسكو جاهزيتها للعمل مع ممثلي الولايات المتحدة بغية إنجاز وثيقة الاقتراحات حول إجراءات ضمان الالتزام بوقف إطلاق النار في أسرع وقت ممكن، واستعدادها لاستقبال وفد أميركي في موسكو أو أي مكان آخر يناسب الطرفين لعقد لقاء بينهما، حذرت من أنه «في حال عدم الرد من جانب الولايات المتحدة على هذه الاقتراحات، فإن روسيا الاتحادية ستباشر اعتبارا من 22 مارس وبشكل أحادي تطبيق القواعد التي تنص عليها الاتفاقية»، أي أنها ستقوم بتوجيه ضربات للمجموعات المسلحة التي تنتهك وقف إطلاق النار، مؤكدة في غضون ذلك أنها لن تفعل قبل الحصول على معلومات وأدلة موثوقة تؤكد واقعة الانتهاك الممنهج من جانب مجموعة محددة.
من جهتها، أشارت فصائل سورية معارضة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن البيان الروسي «خلق ذرائع لضرب المعارضة»، وفق ما قال عبد السلام عبد الرزاق، المتحدث الرسمي باسم حركة «نور الدين الزنكي»، معربا عن قناعته بأن روسيا لن تستطيع حتى الآن الابتعاد عن النظام أو مرجعًا لكل السوريين متسائلاً عما إذا كانت روسيا ستقوم أيضًا بتوجيه ضربات لتجمعات قوات النظام وميليشياته في حال خرقهم لهدنة وقف إطلاق النار.
وأكد عبد الرزاق، المتحدث باسم واحد من أكبر فصائل الجيش الحر في الشمال أن النظام والميليشيات التي تقاتل إلى جانبه اخترقوا وقف إطلاق النار على الخطوط مع حركة نور الدين الزنكي عشرات المرات، متسائلا عن الأسباب التي تجعل المركز الروسي في مطار حميميم لمراقبة وقف إطلاق النار تجاهل هذه الخروقات وغيرها من جانب النظام، مقابل تأكيد يومي بأن «فصائل محسوبة على الجيش الحر في سوريا تخترق وقف إطلاق النار».
وأكد عبد السلام عبد الرزاق أنهم مستعدون لتقديم وثائق عن انتهاكات قوات النظام والميليشيات الطائفية لوقف إطلاق النار، موضحًا بقوله: «لا تواصل حاليا مع مركز المراقبة الروسي، وندرس الآليات للقيام بذلك لكن ضمن مهمته بموجب البيان الأميركي - الروسي كجهة تراقب وقف إطلاق النار»، إلا أن الضابط في الجيش الحر شكك بقدرة الروس الوقوف على الحياد في المشهد السوري وقال إنهم «ما زالوا أقرب إلى النظام، ولا يمكن اعتبارهم راعيا محايدا للعملية السلمية».
في السياق ذاته، أكد المجلس المحلي لمدينة داريا أنهم أبلغوا الرعاة الدوليين، بخروقات لوقف إطلاق النار وإطلاق جيش النظام قذائف مدفعية وأسلحة الثقيلة باتجاه داريا، وذلك عبر ممثل المجلس في تركيا، إلا أنهم لم يجدوا ما يشير إلى هذه الانتهاكات في التقارير حول مراقبة وقف إطلاق النار في سوريا.
وتساءل عن الهدف الحقيقي الذي تسعى روسيا إلى تحقيقه من خلال بيانها التحذيري هذا، وإصرارها دوما على ذكر انتهاكات تتهم بها فصائل المعارضة، بينما تتجاهل كليا الانتهاكات الكثيرة من جانب النظام. في غضون ذلك يرى مراقبون أن روسيا تحاول عبر بيانها التحذيري ممارسة الضغط على الولايات المتحدة كي تواصل الثانية نشاطها في مجال التنسيق مع المركز الروسي، ومع روسيا في الشأن السوري بشكل عام، مرجحين أن تكون وزارة الدفاع الروسية إما أنها اختارت التوقيت بنفسها أو بالتنسيق مع الخارجية الروسية، التي قررت إصدار هذا البيان عشية زيارة يُتوقع أن تبدأ يوم غد لوزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى موسكو، حيث سيبحث الموضوع السوري مع نظيره الروسي سيرغي لافروف وربما مع الرئيس بوتين أيضًا. وعليه يقول المراقبون إن الهدف هو فرض هذا الملف على أجندة محادثات كيري - لافروف، وكيري - بوتين، كي تتم مناقشة الموضوع على أعلى مستويات، أملا باتخاذ القرارات التي ترغب بها روسيا على في أسرع وقت.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.