الصحافة الإيرانية.. قراءة ما بين السطور

أجهزة الإعلام التي تطورت على أيدي الملالي يصعب إدراك فحواها بالطرق التقليدية

الصحافة الإيرانية.. قراءة ما بين السطور
TT

الصحافة الإيرانية.. قراءة ما بين السطور

الصحافة الإيرانية.. قراءة ما بين السطور

بعد فترة وجيزة من «تحرير» العراق في عام 2003، أقامت الاستخبارات المركزية الأميركية «محطة للتنصت» في دبي مع بعثة مرافقة لمراقبة البث الإذاعي والتلفزيوني الوارد من الجمهورية الإسلامية وقراءة الصحف الصادرة في إيران. ولخدمة هذا الغرض قاموا بتوظيف مجموعة من الصحافيين الشبان من داخل إيران نفسها، وعهدوا إليهم بالعمل بعد تلقيهم قدرا من التدريب على ذلك في لندن.
وما لم يعلمه الجانب الأميركي حينئذ أن الصحافيين الذين جندوهم للعمل في تلك المهام في الجمهورية الإسلامية كانت قد تشكلت ثقافتهم بالأساس على أن الصحافة تدور حول إخفاء الأمور أو كشفها فحسب. كما لم يعلم الجانب الأميركي كذلك أنه إذا ما أردت قراءة صحيفة «جمهوري إسلامي» الإيرانية، على سبيل المثال، بالطريقة نفسها التي تقرأ بها صحيفة «واشنطن بوست»، فسوف ينتهي بك الأمر إلى حيرة بالغة.
فالصحافة الإيرانية التي تطورت على أيدي الملالي يصعب إدراك فحواها بالطرق التقليدية المستخدمة في المجتمعات «الحرة» أو «غير الحرة».
ففي المجتمعات الحرة التي تبلغ فيها حرية الصحافة حد التقديس، رغم أنها حرية غير محترمة على الدوام، تنقسم الصحافة وفق الحساسيات السياسية والمصالح الاجتماعية الاقتصادية المعتبرة ضمن ثنائية اليمين واليسار الكلاسيكية.
وبالتالي، تعد صحيفة «نيويورك تايمز»، على سبيل المثال، بالنسبة لكثير من المواطنين الأميركيين صحيفة «تيار اليسار»، بسبب تأييدها المستمر للحزب الديمقراطي. ومع ذلك، وبالنسبة إلى مواطني أوروبا الغربية، فإن الصحيفة نفسها تعامل معاملة لسان حال التيار اليميني المعبر عن النخبة الرأسمالية الأميركية.
وعلى الطرف الآخر من الطيف، وخلال أيام التألق السوفياتية، لم يكن من الصعب معرفة أن صحيفة «البرافدا» هي لسان حال الحزب الشيوعي الحاكم في موسكو.
وعندما نتحدث عن الصحافة الإيرانية، رغم ذلك، فإن أيا من تلك القواعد الكلاسيكية يعد معتبرا أو معمولا به. لا يمكن توصيف إيران بأنها «مجتمع حر» إذا كان منتقدو النظام الحاكم، حتى من بين النخبة الحاكمة، يواجهون خطر الإعدام أو السجن على أقل تقدير. كما لا يمكننا اعتبار إيران مجتمعا شموليا مثل الاتحاد السوفياتي القديم أو كوبا اليوم. فليس هناك حكم الحزب الواحد، حيث لا وجود للأحزاب السياسية بالأساس في إيران، وبالتالي ليس هناك ما يُعرف بلسان حال اللجنة المركزية للحزب. بدلا من ذلك، لدينا ما يمكن للمرء وصفه بأنه نظام آيديولوجي تتصارع فيه كثير من الفصائل على السلطة تصارع كثير من سمك «الباراكودا» على التهام الطعم في بركة السمك.
يتحد زعماء الإقطاع الآيديولوجي في الجمهورية الإسلامية على حماية النظام الحاكم والحيلولة دون ظهور التعددية الحزبية في إيران. وليس من أحد في إيران مستعد للسماح للغرباء، الذين تصفهم اللغة الفارسية باسم «جاهير - خودي»، بالحصول على أي نصيب في عملية صناعة القرار السياسي في البلاد. ولكن «الغرباء» الداخليين لدينا يتمتعون بدرجة من الحرية لا يمكن تصورها في أكثر الأنظمة الشمولية الحالية مثل كوريا الشمالية أو زيمبابوي أو جمهورية الصين الشعبية. مع الأخذ في الاعتبار كذلك أساليب مثل «التقية»، و«الكتمان»، و«الاستتار»، و«الحيلة»، التي يمارسها ويعزز من وجودها الملالي عبر أكثر من 500 سنة من عمر الزمان، وسوف يكون للقارئ العادي ما يحتاجه من التدريب الخاص في قراءة الصحف الإيرانية على النحو الصادرة به تحت مظلة الآيديولوجية الخمينية.
يجب على القارئ الإيراني أن يتعلم قراءة ما بين السطور.
على سبيل المثال، انظروا إلى هذه السطور من صحيفة «رسالات» اليومية الإيرانية الصادرة الخميس الماضي: «كان العام (الإيراني) الذي يقترب من نهايته عاما من الركود، والبطالة، ونقص التحسينات في مناخ المشاريع والأعمال. ومع ذلك، يكمن الأمل في أن (الرئيس) حسن روحاني سوف يفي بوعوده خلال العام المتبقي من ولايته الرئاسية».
وفي اليوم نفسه خصصت صحيفة «كيهان»، التي تشتهر بنقل وجهات نظر المرشد الإيراني الأعلى، مقالتها الافتتاحية إلى ما زعمت بأنه «فشل سياسة روحاني الاقتصادية». ومضت الصحيفة في مزاعمها بالتكهن أن روحاني قد يضطر إلى «تسليم الرئاسة» خلال انتخابات العام المقبل.
وعرجت صحيفة «وطن امروز» اليومية على الموضوع نفسه في مقالتها الافتتاحية، حيث قالت إن «الميزانية العمومية الاقتصادية لحكومة الرئيس روحاني تتسم بالبساطة: فهي تعكس بوضوح حالة عدم التخطيط، والفوضى، وكثيرا من الزوايا الغامضة والمشبوهة».
يمكن للقارئ الإيراني العادي أن يلحظ على الفور أن الصحف الإيرانية الثلاث لا تستشهد إحداها بدليل واحد على الفشل الاقتصادي للرئيس حسن روحاني. والواضح أن الصحف الثلاث تحاول تهيئة الرأي العام الداخلي لمحاولة الإطاحة بالرجل من منصبه. والسبب؟ مرة أخرى، من خلال قراءة ما بين السطور، هو أن الملا المبتسم قد أدى الدور المفترض منه أن يؤديه من خلال المراوغة فيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني بمساعدة إدارة أوباما في واشنطن.
ومن باب تمهيد الأجواء للإطاحة بروحاني إلى الكواليس الخلفية، فإن صحيفة «جاوان» اليومية الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني، تخبر قراءها بأن «خريطة طريق الجمهورية الإسلامية خلال السنوات المقبلة» سوف يكشف عنها المرشد الأعلى علي خامنئي خلال خطاب عيد النيروز المقبل الذي يلقيه الرجل من داخل ضريح الإمام الرضا في مدينة مشهد.
وقراءة ما بين السطور بشأن تلك الرسالة يفيد بأن روحاني ليس إلا ممثلا يقوم بدور الرئيس، والسلطة الفعلية في أيدي المرشد الأعلى للبلاد.
والصحف اليومية التي يسيطر عليها الفصيل الموالي لرفسنجاني، الذي يعد روحاني أحد أهم أضلاعه، لا يمكنها مضارعة هذا التحليل علانية. وكل ما يمكنهم فعله هو تذكير الجميع بأن فصيل رفسنجاني - روحاني تعززت أصوله بنتائج الانتخابات الأخيرة التي منحت ذلك الفصيل مكانة رفيعة داخل مجلس الخبراء ومجلس الشورى الإسلامي الإيراني.
وهكذا، تنقل صحيفة «اعتماد» اليومية الموالية لرفسنجاني، على سبيل المثال، تحذير الرجل بأن تجاهل إرادة الشعب سوف تلقى عواقب وخيمة. لكن الصحيفة لم تخبر القارئ من الذي يتجاهل إرادة الشعب، أو ما تلك العواقب الوخيمة التي ينتظرها. وعلى القارئ قراءة ما بين السطور، لكي يدرك أن الرسالة موجهة إلى خامنئي ذاته، وتحمل التهديد بالاضطرابات الاجتماعية.
وبعيدا عن قراءة ما بين السطور، يحتاج القارئ الإيراني إلى أن يتعلم المفردات الخاصة لفك شفرات اللغة الصحافية. فعلى سبيل المثال، يجب على القارئ أن يتعلم أن عبارة «قادة الفتنة» تشير إلى الرئيس السابق محمد خاتمي ورئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي. وهناك حظر سياسي على ذكر أي منهما باسمه الشخصي في الصحف الإيرانية.
وأن عبارة «فتيان نيويورك» تشير إلى محمد نهاونديان كبير موظفي الرئاسة الإيرانية الموالي للرئيس روحاني، وتلميذه النجيب وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وتقول التقارير الإخبارية المختلفة إن وزير الخارجية الإيراني، إلى جانب كثير من كبار المسؤولين الآخرين، لديهم حق الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة الأميركية.
وعلى الطرف الآخر من الطيف، فإن قراء صحيفة «إيران» اليومية، وهي الصحيفة الحكومية الرسمية والخاضعة حاليا لسيطرة الرئيس روحاني، تعلموا أن إشارة الرئيس إلى «الأثرياء الجدد»، و«الكاذببن المحترفين»، و«المنحرفين عن الطريق»، و«الباحثين عن المغامرة»، تعني تحديدا مختلف قادة الفصائل المتناحرة في الداخل الإيراني.
وفي حين أنه غير مسموح للصحف الإيرانية بتغطية القصص الإخبارية الرئيسية من تلقاء أنفسهم وبصورة مستقلة، فإنهم مخولون بتقديم الإصدارات المتنافسة التي تقدم ما هو أكثر قليلا من مجرد الرؤية الماثلة للقضايا ذات الحساسية والأهمية. على سبيل المثال، تمت تغطية الخلاف الدائر بين مختلف التيارات الإيرانية بشأن الاتفاق النووي الإيراني رغم عدم الاقتراب تماما من الاتفاق النووي نفسه!
ويصح الشيء نفسه على القضايا الرئيسية مثل السياسة الداخلية والخارجية، فعلى سبيل المثال، المعركة القائمة حول تعريف الجرائم السياسية، ومن أصدر أمر الإقامة الجبرية بحق موسوي ورئيس مجلس الشورى الأسبق مهدي كروبي، ومن قرر حظر أصوات النساء في الأماكن العامة، ولماذا تستمر إيران في تكبد هذا القدر من الخسائر والضحايا في سوريا من دون أي فائدة تعود على المصلحة القومية الإيرانية من جراء تلك الحرب، ولماذا تنفق إيران هذا الكم الهائل من الأموال على شراء نظم الأسلحة شبه البالية من روسيا.
ومن خلال قراءة ما بين السطور، فإن المهم بالنسبة للنخبة الإيرانية الحاكمة في طهران اليوم هو الاستمرار في سدة الحكم والسلطة لأطول فترة ممكنة، والحيلولة دون حصول المنافسين على قطعة أكبر من الكعكة.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.