انسحاب موسكو من سوريا: «صفعة».. أم خطوة نحو الحل؟

6 أشهر من التدخل منعت سقوط النظام وجعلت من روسيا لاعبًا دوليًا أساسيًا

طيارون روس  لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)
طيارون روس لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)
TT

انسحاب موسكو من سوريا: «صفعة».. أم خطوة نحو الحل؟

طيارون روس  لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)
طيارون روس لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)

كما دخلت موسكو إلى سوريا بشكل مفاجئ تحت عنوان محاربة «داعش» بدأت بالانسحاب منها بعد نحو ستة أشهر من دون سابق إنذار، معلنة أنها أنجزت مهمّتها، رغم أن ضرباتها كانت قد تركزت بشكل أساسي على فصائل في المعارضة بدلا من أن تستهدف التنظيم. لكن وخلف هذا الهدف المعلن وفي وقت وجد البعض في هذه الخطوة تخلي موسكو عن حليفها، رأى فيها البعض الآخر خطوة إيجابية قد تمهّد الطريق أمام التسوية السياسية انطلاقا من مفاوضات جنيف، بعدما ساهمت في منع سقوط النظام السوري، وأثبتت نفسها في الوقت عينه لاعبا دوليا أساسيا، عسكريا وسياسيا. وأمام كل التحليلات التي رافقت هذا القرار، تعمّد بوتين وبعد ثلاثة أيام من بدء الانسحاب الجزئي، أن يرسل رسالة تهديد وطمأنة في الوقت عينه، الأولى للمجتمع الدولي، والثانية لرئيس النظام السوري بشار الأسد، بقوله: «نستطيع العودة خلال ساعات إذا استدعت الظروف»، مؤكدا كذلك أنه يدعم الحل السياسي.

وكان لافتا في تصريحات الرئيس الروسي إعلانه أن «الأسلحة الروسية الحديثة اختبرت بنجاح في ظروف القتال الحقيقي»، مشيرا إلى «أن هذه التجربة ستسمح لروسيا برفع فعالية وقدرات أسلحتها»، وهو ما سبق لمعارضين سوريين أن أشاروا إليه منذ بدء التدخل الروسي، معتبرين أن سوريا باتت «حقل تجارب» للأسلحة الروسية النوعية، لا سيما من القاذفات والصواريخ المجنحة إلى دبابات «تي 90 أ» والمدرعة «الروبوت».
وقد أوجز الكاتب الصحافي الروسي، يفجيني سيدروف، أسباب الانسحاب بقوله إن القرار الروسي يعود إلى أمور عدّة بينها «خلاف بين روسيا والنظام بسبب العملية السلمية خصوصًا بعد تصريحات الأسد بشأن رغبته في مواصلة الحرب، وهو ما لا تريده موسكو ووجود اتفاق سري روسي أميركي بشأن التسوية في سوريا، بالإضافة إلى نفقات الحرب التي لا يتحملها الاقتصاد الروسي، فضلا عن عدم التزام الأسد بتعهداته أمام بوتين».
وفي هذا الإطار، لفتت مصادر في المعارضة السورية، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، زار موسكو بعد تصريحات المعلم الأخيرة التي رفض خلالها البحث في الانتقال السياسي، ونقل حينها رسالة من موسكو إلى الأسد، طالبة فيها بإقالة وزير الخارجية السوري وليد المعلم من منصبه، فكانت نصيحة طهران بعدم الاستماع للطلبات الروسية. مع العلم أن المعلم كان قد رفض عشية انطلاق مفاوضات جنيف البحث في المرحلة الانتقالية، واعتبر أن الرئيس بشار الأسد «خط أحمر».
وقد تعكس لقطات عودة الطائرات المقاتلة الروسية من سوريا على شاشات التلفزيون انطباعا بأن الحرب التي وصفتها روسيا بـ«المقدسة» انتهت، لكن حسم هذا الأمر يبقى رهن المفاوضات التي تدور رحاها في جنيف بصعوبة بين النظام والمعارضة، في ضوء ما يحكى عن توافق أميركي - روسي قد يؤدي إلى إنهاء الأزمة. وهو ما أشار إليه بوتين أمام جنوده العائدين من سوريا بقوله: «ساعدنا الجيش السوري في تحقيق انتصارات مهمة، وشكلنا الظروف لبدء العملية السلمية، وأجرينا اتصالات إيجابية مع الولايات المتحدة ودول أخرى»، وقال في كلمة له بالكرملين بعد ثلاثة أيام من إعلان قرار الانسحاب: «متأكد من أننا سنشهد انتصارات جديدة ومهمة في القريب العاجل»، معربا عن أمله في أن تستعيد القوات الحكومية تدمر قريبا. ولفت إلى أنه إذا اقتضى الأمر ففي خلال ساعات تستطيع روسيا زيادة قوتها في المنطقة إلى حجم يتناسب مع تطورات الموقف هناك، واستخدام كل ترسانة القدرات المتاحة تحت تصرفنا.
وفي تحليله للانسحاب من سوريا، اعتبر الإعلام الروسي أن قرار بوتين هو انتصار سياسي بدل الغرق أكثر في مستنقع الحرب. وكتبت صحيفة «كومرسانت»: «موسكو لم تكن تهدف إلى تحرير كل الأراضي السورية، وهو ما يمكن أن يستغرق سنوات دون أي ضمانات بتحقيق نتيجة إيجابية»، مشيرة إلى أن موسكو وبفضل الحملة العسكرية في سوريا، نجحت في الخروج من العزلة الدولية التي فرضت عليها بسبب النزاع في أوكرانيا، مؤكدة في الوقت عينه، أنّ القرار بسحب القوات لم يكن من الممكن أن يتخذ دون اتفاق مع الولايات المتحدة. من جهتها، أوردت صحيفة «فيدوموستي» الليبرالية أن روسيا كانت بدأت حملتها ضد تنظيم داعش في سوريا، أساسا «بهدف التقارب مع الغرب أولا»، ولكن أيضا «بهدف إطلاق محادثات» السلام.
لكن واشنطن وبعدما كانت قد أعلنت أنه لم يكن لديها معرفة مسبقة بقرار بوتين، اعتبرت أنه من السابق لأوانه التنبؤ بمدى تأثير انسحاب روسيا الجزئي من سوريا على موقف النظام في مفاوضات جنيف، علما بأن مستشار بوتين، ديميتري بيسكوف، كان قد أعلن أن الانسحاب الروسي «سيعود بالفائدة على مرحلة المفاوضات بين النظام والمعارضة». وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش أرنست، إن «هناك دلائل على أن الجيش الروسي بدأ بسحب جزء من قواته في سوريا، لكن من السابق لأوانه استخلاص نتيجة واضحة بشأن مدى تأثير التغيير في الوضع العسكري في سوريا على موقف الأسد خلال المفاوضات الحالية في جنيف».
وغادرت 18 طائرة، أي ما يقدر بنحو ثلث عدد الطائرات العسكرية الروسية، خلال الأيام الثلاثة الأولى من القرار، فيما أبقت موسكو على بعثتها القتالية الدائمة التي تتألف بشكل أساسي من القوات وأنظمة الدفاع ومضادات الطائرات.
وكان مستشار الرئيس الروسي، ديميتري بيسكوف، أعلن أن «روسيا ستواصل أنشطتها العسكرية في قاعدتيها بمحافظة طرطوس، ومطار حميميم بمحافظة اللاذقية غربي سوريا»، مشددًا على أنهم سيحمون قواعدهم من البحر والبر والجو.
مع العلم بأن روسيا كانت قد فقدت في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إحدى طائراتها الحربية قرب الحدود مع سوريا في عملية نفذتها القوات التركية، ردًّا على ما قالت إنه اختراق لمجالها الجوي، لكن وزارة الدفاع الروسية أكدت أن طائرتها «كانت في المجال الجوي السوري حصرا».
وفي قراءة لقرار الانسحاب العسكري الروسي من سوريا، وصف مدير مركز الشرق للبحوث، سمير التقي، الخطوة بـ«الصفعة للأسد» التي أربكت النظام وبات غير قادر حتى على إطلاق المواقف «التكيفية» مع هذا القرار المفاجئ، فيما قال المحلّل الاستراتيجي، خطار بودياب: «كما كان مفاجئا التدخّل العسكري الروسي، يحاول بوتين القول، بقرار انسحابه، إنه صانع سلام ويريد إنجاح المفاوضات مع المحافظة على مصالحه بعدما رأى نفسه أمام حليف ضعيف».
ورأى بودياب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «قرار بوتين جاء ربما لتفادي نتائج فشل الحلّ السياسي، إذ إن حصوله سيؤدي إلى تصعيد عسكري يحاول عدم الانزلاق فيه، وفي الوقت عينه قد تكون رسالة للنظام السوري ليكون أكثر جدية في تعامله مع الحل السياسي». وأضاف: «إذا أكدت موسكو جديتها في هذا القرار فهو سيفتح الطريق أمام اتفاق روسي - أميركي يمنع تصعيد الوضع واستمرار الهدنة، في وقت لن يجرؤ النظام على المغامرة العسكرية في ظل غياب الغطاء العسكري». وفي حين استبعد بودياب قبول النظام المعروف بطبيعته الفردية والشمولية المشاركة في السلطة، لفت إلى أن موسكو بقرارها ستحاول المحافظة على دورها السياسي على الأقل حتى بدء عهد الإدارة الأميركية الجديد.
من جهته، قال التقي: «انطلاقا من الوقائع يمكن القول إن الانسحاب الروسي ولو كان جزئيا جاء ليؤكد أن روسيا غير قادرة على القيام بالحملات العسكرية الواسعة النطاق لتعزيز مواقع النظام. ما جرى كان كفيلا بكسر موازين القوى التي كانت قد تكرست في المرحلة الأخيرة».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «من خلال كل المستجدات الأخيرة يبدو واضحا أن هناك استياء روسيا من النظام السوري. كان يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على الأقل، الإعلان عن وقف الضربات الجوية، لكنه ذهب فورا إلى قرار الانسحاب، ما أوجد فراغا استراتيجيا وعسكريا وأعاد اللعبة إلى أيدي السوريين، في وقت لن يجرؤ الإيراني على قلب الطاولة، وإن كان يعمل على تشجيع النظام بعدم الخضوع للطلبات الروسية».
وأشار التقي إلى أنه كان هناك بعض الأمل لدى الأسد بأن يتدخل بوتين بريا في سوريا، ما قد يؤدي إلى فرض تبدل استراتيجي، لكن ومنذ التدخل الروسي لم يتمكن النظام من تحقيق أي إنجاز عسكري لافت على الأرض، وبالتالي فإن بوتين كان حذرا من خطوة كهذه، ولم يجد من يساومه عليها، في وقت لم يكن مستعدا للوصول إلى مرحلة النزيف على حساب جيشه. مضيفا: «لكن ورغم ذلك فسيدفع ثمن تدخله في سوريا، حيث صرف مليارات الدولارات، بعدما عمل على تعبئة الرأي العام الروسي تجاه تدخله في سوريا».
واعتبر التقي أن الانسحاب الروسي لن ينعكس فقط عسكريا إنما سياسيا أيضا، موضحا: «عندما كانت موسكو داخل سوريا لم تنجح في الضغط على الأسد الذي خذلها مرات عدّة ولم تتمكن من تحويل تعهداتها إلى فعل، وبالتالي فإنه ليس هناك مجال للعودة إلى الوراء». وحول مستقبل مفاوضات جنيف، رأى أنها ستّتم بمزيد من المراوغة من قبل النظام، وهي لن تصل إلى نتيجة إلا إذا حصل تطوّر كبير في دمشق، لجهة خطوة أو تحرك ما من قبل قوى موالية للنظام.
وفي تعليقه على قرار الانسحاب الروسي من سوريا، قال فواز جرجيس، بروفسور العلاقات الدولية بكلية لندن للاقتصاد، في حديث لقناة «سي إن إن»: «كان هذا الإعلان مفاجئا، وهو صفعة قوية على وجه النظام، إلى جانب التداعيات الكبيرة على مستقبل الأسد والعملية السياسية في سوريا». وأضاف: «الإعلان الروسي سيغير قواعد اللعبة، وسنسمع بالطبع الروس والسوريين يقولون إن هذا خطوة تم تنسيقها، ونحن على الصفحة ذاتها.. لكن من وجهة نظري فإن ما حصل سيغير من ديناميكيات محادثات السلام».
وعلى الصعيد الميداني، يؤكد الخبير في الشؤون السورية في جامعة أدنبرة، توماس بييريه، أن التدخل الروسي «أوقف تقدم الفصائل المقاتلة وسمح للنظام إلى جانب القوى التي وفرها مقاتلون شيعة باستعادة مناطق استراتيجية في حلب (شمال) واللاذقية (غرب) ودرعا (جنوب) ودمشق».
وفي بداية فبراير (شباط) الماضي، حققت قوات النظام الاختراق الأكثر الأهمية في حلب منذ عام 2012. وتمكن بغطاء جوي روسي مكثف من تضييق الخناق على الفصائل المعارضة في مدينة حلب، وكسر الحصار الذي فرضه مقاتلو المعارضة على قريتين على مدى نحو سنتين، واستعاد مواقع عدة.
وهنا يبقى السؤال المطروح هو حول قدرة النظام على المحافظة على الوضع الميداني الذي أرسته «العملية الروسية» في مواجهة المعارضة إذا سقطت الهدنة.
وفي هذا الإطار، يعد آرون لوند، الباحث غير المقيم في مركز «كارنيغي» للأبحاث ورئيس تحرير مجلة «سوريا في أزمة»، أن الأسد «في موقف أفضل بكثير، فيما فقد أعداؤه توازنهم، إلا أن ذلك لا يعني أن الحرب انتهت». ويضيف: «تمكنت روسيا خلال نحو ستة أشهر من تغيير الموازين على الأرض لصالح نظام الأسد».
ويرى مصدر ميداني سوري أن «وتيرة الهجوم الكبير في الشمال السوري قد تخف» بعد الانسحاب الروسي، «ولكن لن تعود الكفة لصالح المعارضة».
ويقول بييريه: «ستضغط الدول الغربية على الفصائل المقاتلة التي تدعمها لعدم استغلال الوضع، على الأقل طوال فترة المفاوضات» بين الحكومة والمعارضة التي بدأت في جنيف، لكن الأسئلة تطرح بقوة أكبر في مناطق التنظيمات التي لا تشملها الهدنة، مضيفا: «هؤلاء قد يسعون لـ(امتحان) الانسحاب الروسي»، بحسب تعبيره.
من جهته، يرى الخبير في الجغرافيا السورية، فابريس بالانش، أن الانسحاب الروسي قد يترك «وقعا نفسيا بالدرجة الأولى» على قوات النظام السوري، «وقد يراه البعض تخليا عن بشار الأسد». لكن عسكريا، يشير إلى أن النظام حصل على دبابات جديدة، ومن المفترض أن يحصل على طائرات ومروحيات أيضا «ما يمكنه من الحفاظ على تفوقه الجوي».
ووفق مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، فإن التدخل العسكري الروسي، قد حصّن مناطق النظام لا سيما حيث هناك احتكاك بينه وبين المعارضة، لكنها في الشمال، مكنته وحلفاءه من استعادة السيطرة على آلاف الكيلومترات وعلى أغلب المساحات في ريف اللاذقية بينها معقل المعارضة في جبلي التركمان والأكراد، فيما لا تزال المساحة المتبقية في عهدة المعارضة في اللاذقية «تقارب الـ150 كيلومترا مربعا، بينها جبل كتابة وهي المنطقة الفاصلة بين جبلي الأكراد والتركمان».
ولفت إلى أن «موسكو بدأت بالانسحاب بعد تأمين الحماية حول مدينة حلب، إثر السيطرة على مساحات في ريفها الشمالي وريفها الجنوبي، وريفها الشرقي»، واستعادت قوات النظام السيطرة على مطار كويرس وفتحت مناطق نفوذها في الريف الشمالي على الريف الشرقي الذي باتت تبعد عن أحد معاقله فيه (مدينة الباب) نحو 8 كيلومترات.
ورغم عدم تمكن النظام من التقدم في ريف حماه الشمالي وريف إدلب، فقد أدّت الضربات الروسية إلى وقف استنزاف قوات النظام. وهو الأمر الذي ينطبق على الغوطة الشرقية لدمشق، حيث «جرى تثبيت مناطق نفوذ النظام فيها، واستعادة السيطرة على مناطق محدودة على جبهة مرج السلطان»، وذلك بعد اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش.
وبينما لم تحقق قوات النظام أي تقدم استراتيجي في جنوب البلاد، باستثناء استعادة السيطرة على بلدة الشيخ مسكين في ريف درعا، منعت الضربات الروسية تنظيم داعش، في المقابل، من السيطرة على مدينة دير الزور (في شرق البلاد) إثر هجمات التنظيم، وهي المدينة الواحدة الباقية تحت سيطرة النظام في شرق البلاد.
لكن هذا الواقع الميداني، يرى مصدر في «الجيش الحر» أنه قابل للتبدّل بمجرّد سقوط الهدنة، قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «ما تبقى من قوات النظام أقصى ما يمكنها أن تفعله هو العودة إلى القرداحة، في غياب دعم الطيران الروسي».
ويقول آرون لوند، الباحث غير المقيم في مركز «كارنيغي» للأبحاث ورئيس تحرير مجلة «سوريا في أزمة»، إن «هناك كثيرا من المناطق التي يحتاج فيها الأسد إلى القوة الجوية الروسية حاليا، إن لم يكن في مواجهة الفصائل المقاتلة بسبب الهدنة، ففي مواجهة تنظيم داعش»، كما في تدمر مثلا في وسط البلاد. وتخوض قوات النظام معارك عنيفة مع المعارضين في محيط مدينة تدمر الأثرية في محافظة حمص.
ويرى بييريه بدوره أن «عملية تدمر ستكون صعبة على قوات النظام من دون الطيران الروسي» الذي كان مهد الطريق أمام قوات النظام في المنطقة، فاستعادت أراضي، وباتت على بعد ستة كيلومترات فقط من المدينة الأثرية.
أما على صعيد تكلفة الحرب الروسية في سوريا التي يشير بعض المراقبين إلى أنّها كانت أيضا حقل تجارب لبعض أنواع الأسلحة، فأعلن بوتين أن تمويل العملية العسكرية في سوريا نفذ بشكل رئيسي ضمن القدرات المالية لوزارة الدفاع الروسية. وقال: «بالطبع تطلبت العملية العسكرية في سوريا تكاليف معينة، ولكن معظمها تم توفيره من قبل وزارة الدفاع، من أموال وزارة الدفاع المدرجة في ميزانيتها لعام 2015 المخصصة لإجراء مناورات وتدريبات قتالية والبالغة نحو 33 مليار روبل (نحو 478 مليون دولار»، مؤكدا أن هذه التكاليف مبررة وضرورية.
وكانت روسيا قد أطلقت عمليتها الجوية في سوريا في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، وذلك بموجب طلب رسمي تقدمت به دمشق. وانطلاقا من التكلفة التي أعلنها الرئيس الروسي فإن التكلفة اليومية للعملية العسكرية التي استمرت 167 يوما تبلغ نحو 2.87 مليون دولار. مع العلم أن صحيفة «RBK Daily» الروسية رجحت، في وقت سابق، أن إنفاق روسيا على العملية العسكرية، حتى تاريخ 16 مارس (آذار)، بلغ 38 مليار روبل (نحو 550 مليون دولار).



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.