مصادر ليبية تروي لـ {الشرق الأوسط} تفاصيل اختطاف رئيس الحكومة من غرفة نومه

زيدان يصف خطفه بـ«المماحكات السياسية» > الخاطفون يتبادلون الاتهامات > اللجان الثورية تهدد باستعادة السلطة

رئيس الحكومة الانتقالية علي زيدان (وسط) عقب الإفراج عنه بعد احتجازه لعدة ساعات في طرابلس أمس (إ.ب.أ)
رئيس الحكومة الانتقالية علي زيدان (وسط) عقب الإفراج عنه بعد احتجازه لعدة ساعات في طرابلس أمس (إ.ب.أ)
TT

مصادر ليبية تروي لـ {الشرق الأوسط} تفاصيل اختطاف رئيس الحكومة من غرفة نومه

رئيس الحكومة الانتقالية علي زيدان (وسط) عقب الإفراج عنه بعد احتجازه لعدة ساعات في طرابلس أمس (إ.ب.أ)
رئيس الحكومة الانتقالية علي زيدان (وسط) عقب الإفراج عنه بعد احتجازه لعدة ساعات في طرابلس أمس (إ.ب.أ)

عاشت ليبيا أمس ساعات عصيبة وقف فيها الشارع الليبي والعالم بأكمله على أطراف أصابع قدميه، بعدما أقدم ثوار مسلحون في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ دولة عربية، على خطف رئيس الحكومة الانتقالية علي زيدان، بشأن التحقيق معه في عدة اتهامات من بينها قضايا تتعلق بفساد مالي وإداري.
وبعد نحو سبع ساعات من إقدام مسلحين على متن عشرات السيارات على اقتحام غرفة نومه بأحد فنادق العاصمة الليبية طرابلس، ظهر علي زيدان برفقة رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) نوري أبو سهمين وأعضاء الحكومة والبرلمان، ليوجه التحية لرئاسة الأركان العامة وضباط الجيش الوطني والشرطة وللأهالي على الجهود التي قاموا بها والتي أسهمت في إنهاء عملية اختطافه.
وتبادلت غرفة ثوار ليبيا ولجنة مكافحة الجريمة اللتان أعلنتا مسؤوليتهما المشتركة عن اعتقال زيدان بدعوى التحقيق معه في شكاوى قدمها ناشط حقوقي مجهول، الاتهامات حول دور كل منهما في عملية الخطف والاعتقال، علما أنهما يخضعان لمراقبة دقيقة من وزارتي الدفاع والداخلية إلا أنهما تتصرفان باستقلالية كبيرة.
واعتبر زيدان في كلمة مقتضبة ألقاها عقب وصوله إلى مكتبه على متن سيارة مصفحة محاطا بتدابير أمنية استثنائية، أن العملية جاءت ضمن ما وصفه بالمماحكات السياسية في ليبيا، وأنها لن تؤثر على الأمن فيها، داعيا الجميع إلى معالجة الأمر بمنتهى التعقل وبما تفرضه المصلحة الوطنية.
وحرص زيدان على طمأنة الأجانب والدبلوماسيين الموجودين في ليبيا على الحالة الأمنية في ليبيا، وأن الأجهزة الأمنية تقوم بعملها للحفاظ على أمن المواطنين والمقيمين على حد سواء. وعبر عن شكره وتقديره للاهتمام الكبير الذي أبداه المواطنون في كل أنحاء البلاد في المنطقة الشرقية والغربية والجنوب، مؤكدا أن هذا الاهتمام يعكس اللحمة الوطنية والحرص على أمن ليبيا واستقرارها ورفض أي عمل يقع خارج مؤسسات الدولة.
ونسبت إلى زيدان تصريحات عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، قال فيها إن «الخاطفين كانوا يريدونه أن يستقيل، وإن كانت عملية اختطافي لهدف تقديم استقالتي فلن أستقيل.. نسير بخطى بطيئة ولكن في الاتجاه الصحيح».
لكن مكتب زيدان سارع إلى نفي هذه التصريحات، كما نفى وجود أي حساب رسمي على «تويتر». وقبل وصول زيدان إلى مكتبه أعلن نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني، الإفراج عن زيدان، معتبرا أن خطفه صدر عن جهة أو عن أفراد لا يقدرون حجم مثل هذا الفعل ويعتبر خارج نطاق الشرعية وخارج سيادة القانون. وأضاف أنه مهما كانت وجهة نظر هؤلاء الأفراد أو المجموعات، فإن رئيس الوزراء أو أي مسؤول يعين أو ينتخب لا بد من اتباع الإجراءات القانونية السليمة معه. وشدد أبو سهمين على أنه لا يوجد أحد فوق القانون ابتداء من رئيس المؤتمر، إلى رئاسة المؤتمر، إلى أعضاء المؤتمر، إلى رئيس الوزراء، إلى الوزراء أو أي مسؤول في الدولة الليبية، فالكل يحكمه القانون الذي نستصدره بتشريعات تصدر عن المؤتمر الوطني.
وتابع: «نبرئ ذمتنا من أي تصرف خارج عن هذا القانون.. لم نبلغ من أي جهة بأن رئيس الحكومة مطلوب للتحقيق، ونحن من يملك محاكمة هذه الحكومة، ورئيسها معرض للمساءلة والاستجواب، وهو أبلغني أنه في حال استعداد دائم للمثول أمام المؤتمر الوطني في أي وقت».
وطبقا لبيان رسمي للحكومة الليبية، فإن زيدان اقتيد فجر أمس إلى جهة غير معلومة لأسباب غير معروفة من قبل مسلحين، ونفى بيان الحكومة رفع الحصانة عن رئيس الوزراء أو وجود أي أمر بإلقاء القبض عليه، مطالبا أي جهة لديها أي قرار بذلك بالتقدم به إلى الجهات المعنية.
ويمثل احتجاز زيدان قبل إطلاق سراحه، أحدث مؤشر إلى الفوضى التي تعيشها ليبيا منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي قبل عامين.
وبعدما أعلنت مسؤوليتها عن اعتقاله، تراجعت غرفة عمليات ثوار ليبيا (التي تعمل نظريا تحت أوامر وزارتي الداخلية والدفاع) ونفت عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» نفيا قاطعا وجود أي صلة لها بعملية اختطاف زيدان.
وقالت الغرفة إن «كل ما نشر في وسائل الإعلام من أخبار عن مسؤولية غرفة عمليات ثوار ليبيا عن الحادثة أخبار عارية عن الصحة، وسيتم مقاضاتهم بذلك قانونا لعدم إفصاحهم عن المصدر بالصوت والصورة أو الكتابة، وأنه ليس من أخلاق أو منهج ثوار الغرفة العمل بهذه الطريقة، وأن القانون هو منهجها الأساس لأي عمل، وأن مهمتها هي التأمين وليس مثل هذه الأفعال».
وكانت نفس الغرفة قد أصدرت بيانا قالت فيه إنه تم اعتقال زيدان وفق قانون العقوبات الليبي الكتاب الثاني الفصل الأول «الجنايات والجنح المضرة بكيان الدولة» وكذلك الفصل الثاني «الجنايات والجنح المضرة بأمن الدولة» بأمر من النيابة. وأوضحت لاحقا أن محضر جمع الاستدلالات للقضايا المعتقل بسببها زيدان فتح في يوليو (تموز) الماضي، بالإضافة إلى فتح ما وصفته بالقضايا المتعلقة بالفساد المالي والإداري أخيرا.
وقالت مصادر الغرفة، إن زيدان اعتقل بعد صدور أمر قبض عليه من قبل لجنة مكافحة الجريمة لاتهامه بأربع تهم، لافتة إلى أنه احتجز لدى هذه اللجنة بمشاركة قوة تابعة لغرفة ثوار ليبيا.
وأكد أحد عناصر اللجنة الذي شارك في عملية اختطاف زيدان، أنه بخير وصحة جيدة، مشيرا إلى أنه سمح له بإجراء اتصال هاتفي مع عائلته ومع رئاسة الوزراء أيضا.
وأعلن عبد الحكيم البلعزي المتحدث الرسمي باسم إدارة مكافحة الجريمة، أن زيدان محتجز لديها وذلك بموجب أمر قبض صادر عن الإدارة وغرفة ثوار ليبيا، مشيرا في تصريحات بثتها وكالة الأنباء المحلية إلى أن زيدان بصحة جيدة وأنه سيعامل معاملة حسنة لكونه مواطنا ليبيا. لكن النائب العام عبد القادر رضوان نفى إصداره أي أمر لاعتقال زيدان أو فتح أي تحقيقات رسمية معه. من جهته، قال صلاح الميرغني وزير العدل الليبي لـ«الشرق الأوسط» قبل إطلاق سراح زيدان في تصريحات خاصة من العاصمة طرابلس: «نحمل مسؤولية سلامة رئيس الوزراء لخاطفيه، وأي مساس به نفسيا أو جسديا سيعرضهم للمساءلة القانونية».
وفي سؤال حول تعرض زيدان للإهانة والضرب لدى اختطافه، قال الميرغني: «لم أر هذا طبعا تحديدا، ولا يوجد أي أمر لاعتقاله وقد اتصلت شخصيا بالنائب العام وقد نفى أي علاقة له بهذا الأمر، وبالتالي فهذا هجوم وهذا اختطاف غير قانوني وسلامته مسؤولية خاطفيه». وأضاف الميرغني: «لم نتلق أي اتصالات أو مطالب من خاطفي رئيس الوزراء».
في المقابل، روى هاشم بشر رئيس اللجنة الأمنية العليا بطرابلس لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل عملية الاختطاف، حيث أوضح أن مجموعة من غرفة عمليات ثوار ليبيا ذكروا للمجموعة التي تؤمن الفندق الذي يقيم فيه زيدان، أنهم تبع الغرفة ولديها شرعية من رئاسة المؤتمر الوطني العام (البرلمان). وأضاف: «قوة حراسة رئيس الحكومة لم يتمكنوا من رؤية أي أمر اعتقال»، مشيرا إلى أن هذه الغرفة لديها تكليف بحماية طرابلس وتحركها في العاصمة لا يدعو للريبة وفقا لقرار تكليفها.
وتابع: «قالوا له نريدك للاستجواب، فخرج معهم والحرس أرادوا المقاومة لكن زيدان أراد أن يخرج معهم، عرف أنهم مجموعة كبيرة، وهناك أجانب بالفندق فخرج معهم».
وقال بشر إن «هذه القوة تتبع رئاسة المؤتمر الوطني، لكن هل خرجوا بتعليمات من الرئاسة لاعتقال زيدان، لا أحد يعلم، لكنهم قالوا إنهم تحركوا بموجب مذكرة من النائب العام لكنه نفى القصة برمتها لاحقا».
ولفت إلى أن غرفة ثوار ليبيا أعطيت لها الصلاحيات كاملة في أغسطس (آب) الماضي للقيام بتأمين مدينة طرابلس.. «ونحن انضممنا لمديرية طرابلس، وحتى التقاطعات أصبحت موكلة لهذه الغرفة، وهي التي تسيطر على العاصمة طرابلس». ووصف بشر الغرفة بأنها عبارة عن مجموعة من الثوار تجمعوا وشكلوا غرفة منذ ثلاثة أشهر، مضيفا أنهم «يحاولون تجميع خمسة آلاف عنصر مسلحين بشكل قوي بطرابلس»، موضحا أن الاتهامات التي وجهت لزيدان خمس تهم على رأسها سوء استعمال السلطة والجنسية المزدوجة (حيث يشاع أن زيدان يحتفظ بجنسيته الألمانية) وإخفاء معلومات عن الدولة وفساد مالي وإداري.
واعتبر أن أمر الاعتقال غير قانوني، مضيفا أن «هذه الطريقة ليست طريقة مكتب النائب العام ولا أمره.. منذ متى الاعتقال يتم في الرابعة صباحا؟! ولا هكذا يعامل رئيس الوزراء وهو شخصية اعتبارية يمثل ليبيا ويعتبر أعلى رأس الهرم التنفيذي، والحقيقة أنها نكبة ثانية أصيبت بها ليبيا بعد اختطاف أبو أنس.. تلك ضربة للسيادة.. ضربة لهيبة الدولة». وقبيل عودته قالت الحكومة الليبية في بيان لها، إنها لن تخضع لأي ابتزاز من أي جهة كانت وإنها تستنكر وتستهجن وتدين هذه الأعمال الإجرامية، وإنها متضامنة ومتماسكة حرصا على مصلحة الوطن وأمنه واستقراره.
وجاء احتجاز زيدان فجر أمس بعد خمسة أيام من قيام قوة سرية خاصة أميركية باعتقال القيادي في «القاعدة» أبو أنس الليبي في طرابلس واقتياده إلى سفينة حربية أميركية خارج ليبيا، مما أثار استنكار الحكومة الليبية.
وبعد عامين على الثورة التي أطاحت بالقذافي، لا تزال السلطات الليبية الجديدة تصارع لإضعاف نفوذ الميليشيات القبلية ومجموعات المتمردين السابقين.
وكان زيدان الذي تم تعيينه رئيسا للوزراء في ليبيا قبل عام، قد أدان الثلاثاء الماضي اعتقال الولايات المتحدة للقيادي في «القاعدة» أبو أنس الليبي في طرابلس، مشددا على أن جميع الليبيين يجب أن يحاكموا على الأراضي الليبية. وطالب المؤتمر الوطني واشنطن بتسليم أبو أنس فورا إلى السلطات الليبية، معتبرا اعتقال أبو أنس انتهاكا فاضحا للسيادة الليبية.
وكان أبو أنس الليبي، واسمه الحقيقي نزيه عبد الحميد الرقيعي، على قائمة أبرز المطلوبين لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي، وتم تحديد جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يقدم معلومات تقود إلى اعتقال هذا القيادي المتهم بلعب دور رئيس في تفجيري سفارتي الولايات المتحدة في دار السلام ونيروبي عام 1998.
إلى ذلك، هددت حركة اللجان الثورية التي كانت تعتبر العمود الفقري لنظام القذافي قبل سقوطه ومقتله في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، بتحركها لإسقاط السلطة الرسمية في البلاد، وقالت في بيان لها: «.. وقد ملكنا زمام أمرنا نطلب منكم الرحيل كما جئتم خلال أسبوع بدءا من هذا اليوم وبمناسبة ذكرى غزو إيطاليا الفاشية لليبيا عام 1911».
وازداد الغضب الشعبي في ليبيا مع انتشار أعمال العنف في البلاد بما في ذلك عمليات اغتيال خصوصا في شرق البلاد. كذلك تعرضت بعثات أجنبية عدة في طرابلس وبنغازي (شرق) إلى هجمات، أبرزها الهجوم الذي أدى إلى مقتل أربعة أميركيين بينهم السفير كريستوفر ستيفنز في هجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي في 11 سبتمبر (أيلول) عام 2011.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.