أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017.. طبق دسم بالشائعات والإبداعات

«ديور» متماسكة و«ستيلا ماكارتني» تنطلق.. و«هيرميس» تتأرجح بين العادي وغير العادي

من عرض «ديور»
من عرض «ديور»
TT

أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017.. طبق دسم بالشائعات والإبداعات

من عرض «ديور»
من عرض «ديور»

هل كان المصمم الأميركي ريك أوينز يعرف أننا سنعيش حالة من السريالية في باريس، عندما أخذ اسم لوحة شهيرة للفنان سالفادور دالي: «البجعات تعكس الفيلة» عنوانا لتشكيلته؟. ما بين الفراغات التي خلفها خروج مصممين من أمثال راف سيمونز من «ديور» وطرد ألبير إلباز من «لانفان» وتوقعات بخروج آخرين مثل هادي سليمان من «سان لوران»، فيبي فيلو من «سيلين»، كان الأسبوع ككل غريبا يتباين بين برودة الطقس وسخونة الشائعات. ما زاد من غرابته، التشديدات الأمنية والتفتيشات التي يخضع لها الحضور قبل الدخول إلى أي عرض في إشارة واضحة إلى أن فرنسا لم تنس بعد مذبحة باتلكان.
ولن نبالغ إن قلنا بأن أسبوع باريس هذا الموسم كان بمثابة مسرحية تجمع التراجيدي بالتشويقي. التراجيدي تمثل في الفراغ الذي خلفه غياب مصممين في بيوت أزياء مهمة مثل «ديور» و«لانفان» حيث عمل فريق كامل، تحت إشراف مدير أو مديرين فنيين مؤقتين لضمان الاستمرارية إلى حين تعيين مصمم دائم. أما التشويقي فكان ترقب أول عرض قدمه ديمنا فازاليا لـ«بالنسياجا»، وقراءة الأوضاع في «سان لوران»، وما إذا كان هادي سليمان قد قدم تشكيلة الوداع الأخير فيها يوم الاثنين، وهو الأرجح إلا إذا أثمرت مفاوضاته مع مجموعة «كيرينغ» على عقد جديد. عدم الإعلان عن أسماء خلفاء للمصممين الغائبين فتح الشهية للتأويلات والتكهنات، فهناك من يقول إنهم رأوا ألبير إلبيز، مصمم «لانفان» سابقا بصحبة سيدني توليدانو، الرئيس التنفيذي لـ«ديور» في عدة مناسبات، ما جعلهم يشكون في أنه قد يكون خليفة راف سيمونز. وهناك ما يجزم بأن أنتوني فاكاريللو، الذي قدم تشكيلة أنثوية أنيقة، ويصمم حاليا «فيرسيس» الخط الأصغر من «فيرساتشي»، سيأخذ مكان هادي سليمان. بل طالت الإشاعات حتى فيبي فيلو، مصممة دار «سيلين» على أساس أنها ستغادرها من أجل «عز الذين علايا»، الأمر الذي تم نفيه من الجهتين. ورغم قوة اللهجة التي نُفي بها هذا الخبر، فإن الكل يردد أنه ليس هناك دخان من دون نار، عدا أن عنصر الثقة مُفتقد في أوساط الموضة، بعد أن أكدت التجارب أن النفي لا يعني دائما الحقيقة، وأن كل ما في الأمر أن التوقيت غير مناسب للتصديق على الأخبار المتناقلة. لا يختلف اثنان أن هذه الريبة والشك أثرا على ثقة الحضور فيما سيرونه خلال الأسبوع من أزياء أيضا.
فالعالم الذي ظهر في عرض ريك أوينز مثلا جاء يعكس سريالية الموقف، رغم أنه تركز على البيئة وليس على الأوضاع السياسية أو التغييرات التي يشهدها العالم، بما فيه عالم الموضة. ترجمته كانت من خلال بنطلونات واسعة جدا، تستحضر شكل الفيلة، والكثير من الجاكيتات المصنوعة من الجلد، أغلبها قصير على شكل «بوليرو».
بيد أنه رغم فنية ريك أوينز ورغبته في فتح جدل فكري بين الحضور، فإن الأنظار كانت مصوبة نحو دار «ديور» طوال الأيام الأولى من الأسبوع. فهذه أول تشكيلة أزياء جاهزة ستقدمها، رغم افتقادها إلى مصمم فني يخلق لها رؤية واضحة وبعض الجلبة التي تحتاجها أي دار لكي تشد الانتباه وتحصل على تغطيات إعلامية. لكن «ديور» أكدت أنها لا تحتاج إلى ذلك وأنها تتوفر على قدر كاف من البهارات التي تجعل «الطبخة» مثيرة في كل الأحوال، وهو ما برهنت عليه من خلال الأزياء والديكورات المبتكرة التي أصبحت لصيقة بها. هذه المرة استغنت أيضا عن الورود التي كان راف سيمونز يعشق زرعها على الحيطان والأسقف بالآلاف، وتبنت ديكورا مستقبليا بمرايا دائرية ضخمة تدخل منها إلى سلالم تؤدي بك إلى ثلاث قاعات متفرقة غطيت جدرانها بالمخمل الأحمر القاني والفضي المطفي. عندما تدخلها، يغمرك إحساس بأنك في مركبة فضائية ستأخذك إلى عالم خيالي بعيد، وفي الوقت ذاته يخامرك إحساس بأنك في كاتدرائية معاصرة، لتقديس أنوثة المرأة وجمالها.
ما قالته الدار من خلال الديكور والعرض ككل، أن العرض يجب أن يستمر، ولتسد الطريق على المزيد من الشائعات، أعلنت قبله بقليل أن عرضها للـ«كروز» سيكون في قصر «بلاينهام» الذي شهد طفولة تشرشل وينستون، بالقرب من مدينة أكسفورد البريطانية. فسواء كان لديها مصمم فني أم لا، فإن عمليات الإبداع والإنتاج لن تتوقف ولن تقف على شخص واحد. وبالفعل نجحت يوم الجمعة الماضي، أن تقدم تشكيلة تزخر بالألوان والتطريزات والتصاميم المتنوعة التي تفتح النفس وتجعلها تتوق إلى كل قطعة أو حقيبة الآن وليس غدا، وهو ما سيصعب تحقيقه بالنظر إلى أن الفرنسيين يرفضون فكرة عرض الأزياء اليوم وتوفيرها في المحلات للبيع في اليوم الثاني، كما اقترحت «بيربري» البريطانية وغيرها، لأسباب فنية ولوجيستية. كما في عرض الدار للـ«هوت كوتير» الذي تابعناه في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أشرف على فريق التصميم الثنائي السويسري لوسي ماير وسيرج ريفيو، اللذان عملا في الدار منذ فترة، ما جعلهما يفهمان جيناتها من جهة، ويمنح العرض تماسكا ووضوحا في الرؤية من جهة ثانية. رموز الدار مثل الـ«بار جاكيت» والتنورة المستديرة كانت قوية في الكثير من الإطلالات العصرية للنهار والمساء على حد سواء. غياب الورود التي كان يعشقها السيد كريستيان ديور، واستعملها كل من تسلم قيادة الدار، شفعت له التطريزات والألوان الغنية، وطبعا التفصيل. افتتح العرض بمعاطف باللون الأسود ثم الأزرق ألغامق تلاها جاكيتات مطرزة مع تنورات وقمصان بألوان صارخة، مثل الأصفر والوردي الفوشيا، لتكسر صرامة الألوان الداكنة، بيد أن أجملها كانت مجموعة من الفساتين الموجهة لمناسبات الكوكتيل، وأخرى على شكل معاطف.
ما يُحسب للمصممين أنهما، إلى جانب احترامهما الرموز التقليدية، لم يحاولا إلغاء بصمات راف سيمونز، الذي يعود له الفضل في حقنها بجرعة قوية من الحداثة، جعلت الدار تحقق الأرباح حتى فيما يخص الـ«هوت كوتير» نظرا لسلاسة التصاميم ومواكبتها لإيقاع العصر ومتطلبات امرأة شابة. إذا كان هناك مأخذ على التشكيلة فهي بعض الأطوال الصعبة التي جعلت مجموعة قليلة من الفساتين والتايورات تبدو «دقة قديمة» وغير رحيمة بالجسم، خصوصا تلك التي جاءت منخفضة تتناقض مع رؤية السيد ديور التي كان يصر فيها على شد هذا الجزء من الجسم، لكي يظهر أنوثة الصدر وجماليات الخصر. لكن لا خوف على الدار، ففي حال لم ترق هذه المجموعة القليلة لزبوناتها، فهناك كم هائل من التصاميم الأنيقة إلى جانب حقائب يد من شأنها أن تجعلهن ينتظرن في طوابير طويلة للحصول عليها. فقد اقترحها الثنائي بكل الأشكال والألوان والترصيعات، وطبعا مع الكثير من الإبداع. وحتى يستعرضا هذا الإبداع ومدى تميز الحقائب من الخارج والداخل، تعمدا إرسال بعضها مفتوحا حتى نعاين حرفيتها وندخل منها إلى عالم «ديور» المترف. بالنسبة للأزياء، فإن الأقمشة الفاخرة، من الحرير والكشمير والفرو والموسلين، كانت هي البطل مع الكثير من التطريزات والتفاصيل التي تُذكر بأن الدار تتمتع بأفضل الخياطات والأنامل الناعمة التي تشرف على تنفيذ كل صغيرة وكبيرة، كما ظهر في الفيلم الوثائقي «أنا وديور» الذي تابع رحلة راف سيمونز القصيرة في الدار.
ولا شك أن توفر الدار على ورشاتها الخاصة في «افوني مونتين» يجعل مهمة أي مصمم سهلة، ومفروشة بالورود، مجازيا وحرفيا، لولا ضغوطات عدد التشكيلات المطلوب منه أن يقدمها، والتي تشمل حاليا الـ«هوت كوتير»، الأزياء الجاهزة و«الريزورت» والـ«بري فول» فضلا عن ضرورة وجده في الافتتاحات والمناسبات الكبيرة. ومع ذلك، أقنعتنا الدار الفرنسية في نهاية العرض بأن وجود مصمم فني يُمسك زمام الأمور بيده ويوجه الفريق ويجعل الرؤية أكثر وضوحا مهما، لكن عدم وجوده لن يُخل بتوازنها على المدى القريب على الأقل. فمن خلال تجاربهم السابقة، بات المسؤولون فيها يعرفون أن «في العجلة الندامة» وأنهم يتمتعون بترف الوقت للبحث عن المصمم المناسب.
من العروض الأخرى، التي أثارت الكثير من الانتباه أيضا، أول عرض قدمه الجيورجي ديمنا فازاليا لـ«بالنسياجا». فهذا المصمم بزغ نجمه بعد نجاح ماركة «فيتمون» التي كان يديرها بمساعدة فريق فني، قبل أن يتسلم المشعل في العام الماضي من الأميركي الكسندر وانغ. عدم قدرة هذا الأخير على وضع بصمة تُذكر على الدار طوال سنواته الثلاثة، ربما تكون في صالح ديمنا، لأنه حصل على ورقة بيضاء يمكنه أن يرسم عليها أي شيء على شرط أن لا ينسى أن مؤسسها هو كريستوبال بالنسياجا، الذي كان يعشق الأشكال المعمارية. وبالفعل اجتهد ديمنا في إعادة صياغة هذا الأسلوب وجسده في تصاميم هندسية تميل إلى المعمارية بأحجامها الكبيرة، مثل مجموعة من المعاطف المقببة. المعاطف التي كانت مخصصة لحفلات الأوبرا في الخمسينات تحولت في الأسبوع الماضي إلى جاكيتات منفوخة بلمسة «سبور»، انخفضت فيها الأكتاف بشكل واضح لتجتمع عند الظهر في خطوط غير متوازية أحيانا. ليست كل القطع، لا سيما التنورات، التي تركز على الأوراك، قد تناسب أو تروق لكل النساء، لكنها حتما تثير الأنظار تماما مثلما هو الحال بالنسبة للفساتين المطبوعة بالورود ونقشات الـ«بايزلي»، ليبقى السؤال ما إذا كانت ستترجم في المحلات في تصاميم تجارية معقولة. لم تكن كل قطعة في التشكيلة تثير الرغبة فيها، وجاء بعضها قويا وبعضها الآخر ضعيفا وباهتا، لكن الحكم على المصمم عموما في صالحه، لأنه على الأقل، لم يخف من التعامل مع إرث الدار وحاول صياغته بأسلوبه الخاص، وهذا بحد ذاته خطوة مهمة، يمكن أن تتطور بشكل أجمل في المواسم المقبلة.
في باليه غارنييه، قدمت ستيلا ماكارتني عرضا يمكن القول إنه درسا فنيا وتجاريا على حد سواء. فنيا لأن كل جزئية فيه كانت مبتكرة وتجارية لأنها كانت أيضا أنيقة وسهلة جدا، من حيث إن أي امرأة، أيا كان أسلوبها، يمكنها أن ترى نفسها فيها. من المعاطف الضخمة والطويلة إلى الفساتين التي تطغى عليها البليسهات الدقيقة والأطوال المختلفة والمتعددة في القطعة الواحدة، كانت التشكيلة ككل احتفالا بالأنوثة والأناقة اللامبالية مع لمسة ذكورية خفيفة جدا ظهرت في الأحجام الكبيرة والأقمشة الصوفية الخشنة وبعض التصاميم «السبور». ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن الذكوري بدوره اكتسب أنوثة لافتة لأنها نجحت في تنسيقه مع قطع جدا ناعمة بألوان هادئة تتخللها زخات من الذهبي أو درجات أخرى أكثر توهجا تعطي الانطباع بأن العارضة تلبس طبقات متعددة. إلى جانب أزياء النهار التي كانت قوية، كانت هناك أيضا فساتين للكوكتيل والمساء طويلة ببليسيهات رقيقة، وبنطلونات شفافة يظهر جزء بسيط منها من تحت فستان أو تنورة.
في دار «هيرميس» كانت المسؤولية كبيرة جدا على المصممة فانهي ناديج سيبولسكي. فكيف يمكنها أن تجدد أو تغير وصفة أكثر من ناجحة، تحقق الأرباح وتعتبر قمة الرقي؟. فأي تجديد جذري يمكن أن يهز أركانها ويؤثر على أساسياتها، لهذا ارتأت في ثالث تشكيلة لها للدار أن تلعب على المضمون لكن بنغمة أكثر هدوءا. وبما أن الدار دائما كانت تميل إلى الهدوء، فإن النغمة التي اختارتها لم تكن لتهز ساكنا ومالت إلى العادي، لولا حرفية الدار ومعرفتنا أن خلف العادي تكمن دقة لا يُعلى عليها. لكن تبقى الحقيقة أن التشكيلة ككل لم تكن مقنعة من الناحية الفنية، ولم تُثر العين أو الوجدان. فهذه ثالث تشكيلة تقدمها ناديج فانهي للدار، وبالتالي من المفترض أن تكون قد اكتسبت ثقة أكبر للتعامل مع رموز الدار وتربط معها علاقة دافئة، عوض أن تخاف منها وتقترب منها بحذر مبالغ فيه انعكس على الألوان والتصاميم باستثناء التصاميم الهندسية والقطع المفصلة التي ذكرتنا بأننا في عرض «هيرميس»، أهم بيت أزياء للمنتجات الفاخرة.



كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.


باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
TT

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

 

للموضة قدرة عجيبة على توقع الألوان، والتصاميم بسنوات، لكنها للأسف تفقد السيطرة أمام التحولات الاقتصادية، والسياسية، رغم أن تأثيراتها عليها تكون مباشرة، وأحياناً قاتلة.

اليوم تواجه صناعة الموضة تحديات خارجية متزايدة تفرض إعادة رسم قواعد اللعبة، بدءاً من التوترات التجارية، وارتفاع الرسوم الجمركية، إلى اضطراب سلاسل التوريد. حتى المستهلك أصبح يفرض شروطه الخاصة. المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير عكس هذا المزاج القلق، والمعطيات التي خرج بها ستُترجم، عاجلاً أو آجلاً، إلى تكاليف أعلى، أو تأخير في الإنتاج، وتغيير في خريطة الأسواق.

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما وفق ما قاله باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة «مجموعة شلهوب»، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

مايكل شلهوب، الابن، والذي تولى حديثاً منصبه باعتبار أنه رئيس تنفيذي لـ«مجموعة شلهوب» شرح أن الأوضاع الحالية تتطلب تغيير الأولويات: «يجب أن نضع المستهلك في المقدمة... ننصت له، ونفهم متطلباته، حتى نستطيع أن نقدم له منتجات تناسبه، وتلبي تطلعاته»، وهذا تحديداً ما تقوم به منطقة الشرق الأوسط حالياً، وتعلِّمه للغرب.

الشرق الأوسط... الأمل

تأسّست «ويلي شافاريا» عام 2015 على يد ويلي شافاريا وديفيد راميريز وتحوَلت سريعاً إلى واحدة من أكثر الأصوات أصالة في عالم الموضة (ويلي شافاريا)

فهذه المنطقة تبقى ضمن هذا المشهد، حسب الخبراء واستطلاعاتهم، بقعة ضوء، وملاذاً آمناً لصناع الموضة العالمية. دراسة أجرتها شركة «يورومونيتور إنترناشيونال» مثلاً تفيد بأن سوق الأزياء في المنطقة تواصل نموها بمعدل سنوي مستقر، فيما تظهر استطلاعات أخرى متخصصة مثل Bof Insightsأن شريحة واسعة من أصحاب الدخل المرتفع في الخليج لا تزال تنفق بسخاء على الموضة.

هذه القوة التي تتمتع بها الشرق الأوسط حالياً لم تأتِ صدفة، ولم تكن نتاج طفرة عابرة. هي نتاج مشروع طويل بُني على أسس واضحة، وشراكات مدروسة تقوم بها المملكة العربية السعودية في مجالات الترفيه، والثقافة، والإبداع، ودولة الإمارات، وغيرهما من دول الخليج في مجال الموضة.

نجاح من رحم الأزمات

صورة أرشيفية للأخوين باتريك وأنطوني شلهوب (مجموعة شلهوب)

هذا المشروع كانت «مجموعة شلهوب» طرفاً أساسياً فيه منذ سبعين عاماً. يمكن قراءة هذا المشروع لا بوصفه قصة نجاح تقليدية، بل إنه حالة تشكّلت أساساً في بيئات غير مستقرة سياسياً واقتصادياً، وتكيَفت معها. بدأت في دمشق عندما افتتح ميشال شلهوب، الأب، أول متجر لعلامة «كريستوفل» عام 1955. وفي عام 1965، اضطرت العائلة لنقل أنشطتها إلى بيروت بسبب الأحوال الاقتصادية المتذبذبة في سوريا، وفي عام 1975 وبعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، اضطرت المجموعة إلى الانتقال إلى الكويت. في عام 1990 أدى غزو الكويت إلى انتقالها من جديد إلى دبي. يقول باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي للمجموعة، إن هذا الانتقال كان مخططاً له مسبقاً، وكل ما في الأمر أن الغزو سرَّعه.

جاءت شراكة المجموعة مع ويلي شافاريا للتوسع في منطقة الشرق الأوسط (مجموعة شلهوب)

بحس تجاري، تحوّلت هذه التنقلات المفروضة إلى خبرة، واستراتيجيات عمل قائمة على استباق الأحداث، وترسيخ رؤى استشرافية لا تزال المجموعة تتمتع بها إلى اليوم. فالاستقرار بالنسبة لها ليس شرطاً للنجاح.

باتريك شلهوب واستراتيجيات توسعية

بالنسبة لباتريك شلهوب، الذي انضم إلى العمل العائلي أواخر السبعينات، لم تكن الموضة من أولوياته، ولم يفكر في دخولها قبل ذلك. كان شغوفاً بالرياضيات. لكن الحرب غيَرت اتجاهه، وأدخلته هذا العالم من بوابة الإدارة. كان طموحه كبيراً، إذ وضع نصب عينيه ألا تبقى المجموعة في موقع المتلقي، أو ردّ الفعل. سرعان ما حوّلها من مجرد موزع محلي إلى لاعب إقليمي بثقل دولي، حيث فتح مرحلة الشراكات الكبرى، والمشاريع المشتركة مع علامات كبيرة، مثل «لوي فويتون»، «ديور»، «فيرساتشي»، «فندي»، «جيمي تشو»، «جاكيموس»، «لوبوتان»، «بيرلوتي».

باتريك شلهوب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة في حذاء من «ليفل شوز» (ليفل شوز)

بعدها بدأ استراتيجية امتلاك وإطلاق علامات حصرية، أبرزها «ليفل شوز» و«ووجوه». هذا التوسع استدعى الاستثمار في الجانب الإنساني لأهميته. استثمر مبكراً في التعليم، والتدريب عبر إنشاء أكاديمية تحمل اسم العائلة لتنمية المواهب الشابة، والتعاون الأكاديمي مع الجامعة الأميركية في الشارقة.

السوق السعودية

مؤخراً فتح باتريك أبواب هذه الأكاديمية في السعودية. لم تفُته أهمية هذه السوق. صحيح أن علاقته بها بدأت منذ عقود بافتتاح أولى متاجرها عام 1991، لعلامات تجارية مثل «فيسز» و«تاناغرا» و«كريستوفل» و«غوالي»، لكنه طوَرها مؤخراً، تطوّرت، وافتتح محلات جديدة على شكل وجهات توفر تجارب غامرة. والأهم من هذا تأخذ بعين الاعتبار أن مستهلك اليوم مختلف. هو أكثر وعياً وانتقائية، وحساسية تجاه القيم التي تمثلها العلامات، وعلى رأسها الاستدامة.

تطمح «ويلي شافاريا» نحو التوسّع الدولي ودخول الأسواق الجديدة وتحقيق القيمة المستدامة (مجموعة شلهوب)

هذا المستهلك يُقسِمه باتريك شلهوب إلى ثلاث فئات رمزية تعكس اختلاف الدوافع والتطلعات. ما أسماه بالخيول وهم فئة تعشق الموضة وتبحث عن الاعتراف والمكانة الاجتماعية. وفئة الغزلان التي تتعامل معها كامتداد طبيعي لهويتهم، فيما تتميز فئة الصقور، بكونها أكثر جرأة، لأنها تبتعد عن المفهوم التقليدي وتبحث عن التجربة والتفرد والحرفية.

خلف هذا التصنيف تبرز حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن هذا المستهلك أصبح مُتطلَبا لا يتغاضى عن الاخطاء مهما كانت صغيرة، وأي قراءة خاطئة للسياق الثقافي قد تتحول إلى خسارة يصعب تعويضها.

من عرض ويلي شافاريا لربيع وصيف 2026 الذي قدم لأول مرة في باريس (مجموعة شلهوب)

وهذا ما أشار إليه في مؤتمر BoF VOICES 2025 السنوي، موضحاً أن لكل منطقة في العالم خصوصيتها الثقافية، والسيكولوجية، وبالتالي لا يمكن استنساخ تجربة معينة خارج هذا السياق. لا بد من ترجمتها بحس يُراعي البيئة، والجوهر، حتى لا تصطدم بحساسية المكان.

 

 

لم يكن حضور باتريك شلهوب في هذا المؤتمر إلى جانب قادة صناعة الرفاهية من مختلف أنحاء العالم شكلياً، أو لمجرد استكمال التمثيل، بل مشاركة فكرية حقيقية، تعكس التحول اللافت لمنطقة الشرق الأوسط باعتبار أنها لاعب مؤثر على الساحة.

ومع ذلك لا يتجاهل باتريك أن التباطؤ العالمي على صناعة الترف عموماً له تأثيرات قد تكون أقل على منطقة الشرق الأوسط عموماً، والسعودية خصوصاً، لكنها لا تعني انعدامها تماماً. فالقوة الشرائية وحدها لا تُفسر الاستقرار، والنمو. يقول في هذا الصدد: «إن دورنا يكمن في تكريم إرثنا، من خلال إعادة تصوّره بما ينسجم مع آفاق الغد. وهذا هو جوهر رؤية 2033: بوصلتنا الطموحة للعقد المقبل. رؤية تقوم على الانتقال من دور الشريك إلى تأسيس دار العلامات التجارية، لنصوغ وننمّي إبداعاتنا الخاصة، مع استمرارنا في تمثيل أكثر العلامات التجارية رفاهية، وإلهاماً في العالم. ومن هنا، نرسّخ جذورنا في الشرق الأوسط، موطننا، وننطلق للتوسّع عالمياً نحو أميركا اللاتينية، وأوروبا، والولايات المتحدة».

استحواذ واستثمار

ضمن هذا السياق، اتجهت مجموعة شلهوب تدريجياً إلى تنويع أدوارها. فإلى جانب الشراكات مع علامات عالمية كبيرة، كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستحواذها على حصة استراتيجية في دار الأزياء الأميركية «ويلي شافاريا»، بدأت تستثمر أيضاً في علامات خاصة، وإطلاقها، بهدف الانتقال من دور الوسيط إلى دور مؤثر في صناعة الموضة.

باتريك شلهوب وابنه مايكل الذي تسلم المشغل منه ليستمر إرث العائلة (ليفل شوز)

من هذه الرؤية وُلدت تجربة «ليفل شوز» التي انطلقت في دبي، وتستعد اليوم لدخول السوق الأميركية في إشارة إلى قدرة أول علامة تنشأ في المنطقة أن تنطلق إلى العالمية «ما دامت تستند إلى ثلاثة عوامل محورية هي: الذكاء الاصطناعي، والمواهب، والتميّز التشغيلي» وفق رأي باتريك.

هذه العوامل وفق رأيه لا تنسلخ عن التحولات البنيوية التي تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة، وتتجلى في الاستثمار في الصناعات الإبداعية، وفي مستهلك أصبح أكثر اطلاعاً، وتطلعاً للأحسن.