القوات اليمنية تواصل معركة تحرير تعز.. والآلاف يحتشدون للتنديد بجرائم الميليشيات

الوضع الصحي والإنساني في المدينة المحاصرة يزداد سوءًا

جانب من مظاهرة وسط تعز مناهضة لانقلاب ميليشيا الحوثي وصالح مطالبة الحكومة الشرعية بسرعة تطهير المدينة من المعتدين وعلاج الجرحى («الشرق الأوسط»)
جانب من مظاهرة وسط تعز مناهضة لانقلاب ميليشيا الحوثي وصالح مطالبة الحكومة الشرعية بسرعة تطهير المدينة من المعتدين وعلاج الجرحى («الشرق الأوسط»)
TT

القوات اليمنية تواصل معركة تحرير تعز.. والآلاف يحتشدون للتنديد بجرائم الميليشيات

جانب من مظاهرة وسط تعز مناهضة لانقلاب ميليشيا الحوثي وصالح مطالبة الحكومة الشرعية بسرعة تطهير المدينة من المعتدين وعلاج الجرحى («الشرق الأوسط»)
جانب من مظاهرة وسط تعز مناهضة لانقلاب ميليشيا الحوثي وصالح مطالبة الحكومة الشرعية بسرعة تطهير المدينة من المعتدين وعلاج الجرحى («الشرق الأوسط»)

احتشد الآلاف من أبناء محافظة تعز، أمام مبنى التربية وسط المدينة الواقعة إلى الجنوب من العاصمة صنعاء لدعم الحكومة اليمنية الشرعية ودفعها للوفاء بوعودها بتحرير المحافظة من ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح، وكذا مطالبة الحكومة بسرعة علاج الجرحى والعناية بأسر الشهداء.
وأكد المشاركون في المظاهرة على ضرورة استمرار المقاومة الشعبية كخيار حتمي. ويأتي ذلك في الوقت الذي اشتدت فيه المواجهات وبشكل عنيف في معظم جبهات القتال في محافظات تعز، بين قوات الشرعية وميليشيات الحوثي وصالح، سقط فيها قتلى وجرحى من الجانبين.
وامتدت الاشتباكات إلى مناطق متفرقة من أحياء تعز ثالثة كبرى المدن اليمنية والبالغ عدد سكانها أكثر من 3 ملايين نسمة، إثر هجوم قامت به الميليشيات الانقلابية على مواقع المقاومة، التي تمكنت من صد تلك الهجمات ومحاولات تسلل الانقلابيين إلى مواقعهم في وادي عيسى ومنطقة المهيأ وميلات في منطقة الضباب، غرب مدينة تعز، وأجبرت عناصر المقاومة الميليشيات على التراجع بعد مواجهات عنيفة.
وقال قيادي في المقاومة الشعبية في تعز لـ«الشرق الأوسط» إنه «سقط العشرات من الميليشيات بين قتيل وجريح في عمليات متفرقة في جبهات القتال، في الوقت الذي تواصل فيه الميليشيات قصفها العشوائي بمختلف أنواع الأسلحة المتوسطة والثقيلة على أحياء مدينة تعز وقرى صبر حيفان والوازعية وجبل حبشي والمواسط والشمايتين، من مواقع تمركزها مخلفة قتلى وجرحى مدنيين، بينهم نساء وأطفال».
وأضاف أن الميليشيات الانقلابية أحرقت منازل للمواطنين، بجوار مستشفى الثورة شرق المدينة، إضافة إلى قصفها مكتب الصحة، لتؤكد بذلك أنها ستواصل ارتكاب مجازرها الوحشية من خلال قصفها الأحياء السكنية والقرى.
وأكد القيادي ذاته أن «قوات المقاومة الشعبية والجيش الوطني وبمساندة طيران التحالف تمكنوا من السيطرة على تبة الديك وتبة القراض القريبتين من حصن المخعف والمطلة على طريق إمداد الميليشيات الانقلابية في الوقت الذي لا تزال المواجهات فيه تدور في عزلة الأقروض بمديرية المسراخ، جنوب تعز»، مشيرا إلى أن الميليشيات الانقلابية قامت «بزراعة كميات كبيرة من الألغام في مناطق عزلة الأقروض لإعاقة قوات الشرعية من التقدم إلى العزلة واستعادتها، كما حصل قبل أيام واستعادة مركز مديرية المسراخ الذي كان خاضعا لسيطرة الميليشيات».
وفي جبهة حيفان، جنوب تعز، تتواصل المواجهات بين المقاومة والميليشيات الانقلابية جراء هجوم شنته الميليشيات على جبل الحزن من جهتي ذؤاب والسويدان، ودفع الانقلابيين بتعزيزات إلى مواقعها التي تتمركز بها في محيط مديرية حيفان.
إلى ذلك، تعهدت قبائل ومشايخ مديرية جبل حبشي في محافظة تعز بالتصدي لخطر ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع الذي تقترب من قراهم وعزلهم. مؤكدين في اجتماع لهم، أمس، أنهم سيدافعون بقوة عن أعراضهم وأموالهم وأنفسهم من هذا الخطر الذي يتهدد أبناء المنطقة الرافضين لوجود الانقلابيين بينهم.
وعلى الجانب الميداني، سقط العشرات من ميليشيات الحوثي وصالح بين قتيل وجريح جراء غارات التحالف على مواقع وتجمعات الميليشيات في مناطق متفرقة من المدينة وأطرافها. وأفاد شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» أن غارات التحالف تركزت على مواقع مختلفة من بينها قاعدة طارق الجوية في مطار تعز، واستهدفت مخازن السلاح بالقاعدة، وغارات أخرى استهدفت اللواء 35 مدرع، غرب المدينة، وفي الجندية استهدفت محطة وقود ونقطة أمنية تتبع الميليشيات على الطريق بين مدينة القاعدة وتعز.
كما طالت غارات التحالف مزرعة القيادي الحوثي دماج البحر في منطقة حبيل الذرية في مديرية ماوية، شرق تعز، حيث تتجمع فيها الميلشيات، ومنزل قيادي حوثي آخر يدعى أمين هريش في مديرية ماوية، ومعسكر اللواء 22 بالجند، شرق تعز، وتجمعات للميليشيات في منطقة المبهأ في الضباب، غرب المدينة.
من جهة ثانية لا تزال مدينة تعز، تشهد كارثة إنسانية وصحية كبيرة تسببت في تفاقم الوضع الإنساني جراء استمرار ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع علي عبد الله صالح حصارها على جميع منافذ المدينة منذ عشرة أشهر، وتمنع عنهم دخول المواد الغذائية والطبية ومياه الشرب وأسطوانات الأكسجين الخاصة بالمستشفيات والمشتقات النفطية وجميع المستلزمات، علاوة على قصفها المستمر على أحياء المدينة والمستشفيات، ما يشير إلى أن الوضع الإنساني أصبح على حافة الهاوية.
وبسبب تفاقم الوضع الإنساني في مدينة تعز وتوقف الحياة فيها بشكل شبه كامل جراء توقف المياه وانقطاع الكهرباء وانعدام الغاز المنزلي وإغلاق المرافق الحكومية والصحية، العيادات والصيدليات والمستشفيات والمدارس والجامعات، وغيرها الكثير، نزح أكثر من 70 في المائة من سكان تعز إلى القرى والمحافظات المجاورة، وظل في المدينة من ليس له مكان غير البقاء تحت قصف الميليشيات الانقلابية، ومع ذلك، فقد أصبح، أيضا، وضع النازحين لا يحسد عليه وأصبح مأساويا في أي محافظة أو قرية ينزحون إليها بسبب الوضع الذي تشهده البلاد عامة.
وقال مطهر البذيجي، منسق التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «جرائم الميليشيات الانقلابية تنوعت بين القتل واتخاذ المعتقلين دروعا بشرية والتعذيب حتى الموت، والاعتقالات التعسفية التي طالت المدنيين والسياسيين والناشطين وغيرهم، منذ أن بدأت تلك الميليشيات الصراع المسلح».
وأضاف أن «تقرير عام من الانتهاكات في اليمن الذي أصدره التحالف وهو التقرير الثاني ويغطي الفترة من 1 ديسمبر (كانون الأول) 2014 إلى 31 ديسمبر 2015. يرصد ويوثق الكثير من الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن من قبل ميليشيات الحوثي وصالح عبر راصدين ميدانيين في 17 محافظة يمنية تتنوع الانتهاكات كالقتل خارج نطاق القانون والاختطافات والاختفاء القسري وحصار المدن وتفجير المنازل والقصف العشوائي وكذا إغلاق الصحف والقنوات وخطف الصحافيين وحجب المواقع الإلكترونية».
وذكر البذيجي أنه «سقط 8202 قتيل بينهم 476 امرأة و508 أطفال خلال الفترة التي يغطيها التقرير وبلغ عدد المصابين 19882 جريحا بينهم 1927 امرأة و2296 طفلا، بحسب ما تم رصده عبر 30 راصدا وراصدة».
وأشار إلى أن الحصار الجماعي الذي تفرضه الميليشيات «أخذ أشكالا متعددة، وتركز تحديدا حول منع إدخال المواد الأساسية والضرورية والحاجات اليومية لحياة السكان المدنيين التي لا يمكن الاستغناء عنها والعيش من دونها كمنع دخول المياه الصالحة للشرب والمواد الغذائية وأسطوانات الغاز، معونات الإغاثة الإنسانية ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية وأسطوانات الأكسجين. وتسبب الحصار في إغلاق وتوقف كافة مستشفيات مدينة تعز عدا (3) مستشفيات تعمل بشكل جزئي من أصل (37) مستشفى وإغلاق (65) مستوصفا ومركزا طبيا وأكثر من (43) صيدلية».
في المقابل، تزايدت حالات الوفاة، إما برصاص وقذائف ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح أو بسبب انعدام المواد الطبية والأدوية وأسطوانات الأكسجين أو جوعا، فقد توفي، أيضا، العشرات من أهالي مدينة تعز بسبب خطر الإصابة بالأوبئة وحمى الضنك الفتاك الذي سجلت آخر إحصائية له بحسب ما صرح به الدكتور أحمد الدميني، رئيس قسم وحدة حمى الضنك في مستشفى الثورة الحكومي بتعز لـ«الشرق الأوسط» إلى «أكثر من 15 ألف حالة إصابة مؤكدة بالضنك».
ويأتي انتشار الأوبئة في مدينة تعز بسبب تزايد القمامة في أحياء المدينة منذ دخول الميليشيات الانقلابية إلى المدينة، بل إن الأمر وصل إلى أن تزحف هذه القمامة نحو منازل المواطنين، وكل ذلك يعود بحسب ما أفاد به مواطنون لـ«الشرق الأوسط» إلى «رفض الميليشيات الانقلابية وصول قلابات القمامة إلى المقلب الرئيسي الذي يخضع لسيطرة ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح، في حين خرجت في وقت سابق عدد من قلابات القمامة إلى المقلب الرئيسي ولم تُعد، وتم نهبها من قبل الميليشيات».
من جانبها، كشفت منظمة «شهود»، منظمة مجتمع مدني غير حكومية في تعز، عن (31) حالة وفاة بسبب منع الميليشيات دخول أسطوانات الأكسجين إلى مستشفيات تعز. وقال بشير المصباحي، رئيس منظمة رصد لـ«الشرق الأوسط»: «لقد وثقنا ضحايا نقص الأكسجين في مدينة تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة وقامت المنظمة برصد الحالات وبموجب النتائج التي توصل إليها فريق المنظمة فإن 27 حالة وفاة كانت بسبب مباشر لانعدام الأكسجين في المستشفيات والأسواق داخل المدينة، كما وثقنا أيضا أربع حالات وفاة أخرى بسبب مضاعفات انعدام الأكسجين، بالإضافة إلى زيارتنا إلى ستة مستشفيات داخل المدينة لرصد بيانات المرضى الذين فارقوا الحياة بسبب أزمة الأكسجين ومضاعفاتها».
إلى ذلك، قال نجيب السعدي، رئيس منظمة وثاق للتوجه المدني، في ورقته التي قدمها في ندوة حول حالة حقوق الإنسان في اليمن نظمها التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان في مقر مجلس حقوق الإنسان في جنيف، على هامش فعاليات أعمال الدورة الـ31 لمجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة التي بدأت في 29 فبراير (شباط) المنصرم وتتواصل حتى 19 من شهر مارس (آذار) الحالي، أن «ما تم توثيقه من انتهاكات طالت المدنيين خلال الفترة من 15 مارس 2015 وحتى فبراير (شباط) 2016 بلغت (43195) حالة انتهاك ضد المدنيين».
وحذرت منظمات الإغاثة من تدهور الوضع الإنساني في تعز المحاصرة من عدة شهور بالإضافة إلى صعوبة إيصال المساعدات إلى سكانها الذين أصبحوا مضطرين للسير لمسافات طويلة عبر طرق ودروب جبلية وعرة وشديدة الانحدار لنقل مواد غذائية وتموينية. وبحسب تصنيف الأمن الغذائي تصل تعز وتسع محافظات يمنية أخرى إلى مستوى الطوارئ الذي يقل عن حد المجاعة بدرجة واحدة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.