صمت الحداثة.. الأدب وضجيج التشدد

«ملتقى النص» يتمحور حول فترة مهمة في التاريخ الثقافي السعودي

إحدى جلسات ملتقى النص في نادي جدة الأدبي
إحدى جلسات ملتقى النص في نادي جدة الأدبي
TT

صمت الحداثة.. الأدب وضجيج التشدد

إحدى جلسات ملتقى النص في نادي جدة الأدبي
إحدى جلسات ملتقى النص في نادي جدة الأدبي

كان أدب الثمانينات الحداثي في فوهة المواجهة مع تشدد ثقافي وأدبي عبرت عنه كتب وخطب وأشرطة كاسيت استهدفت عملية التحديث الشاملة للبلاد ككل، ومن ضمنها التحديث الأدبي.
شهدت فترة الثمانينات من القرن الماضي ظاهرة في الأدب السعودي تسترعي الانتباه. إنها ظاهرة الصمت، أو تواتر الإشارة إليه وتوظيفه سواء في النصوص أو في عناوين المجاميع الشعرية والقصصية. وأظن أن السؤال عن السبب سيفضي بسرعة إلى قلق وخوف اجتاحا الكتاب والنصوص في تلك المرحلة المهمة بالقدر الذي يجعل تلك الظاهرة مفتاحًا للعودة إلى ما أنتجته المرحلة، لا لنفهم جزءًا من التاريخ الأدبي فحسب وإنما لنفهم الحاضر أيضًا، الحاضر الذي لم يخرج تمامًا عن القلق والخوف اللذين انتشرا قبل نحو ثلاثة عقود. ويأتي انعقاد ملتقى النص بنادي جدة الأدبي الثقافي أخيرا وتمحوره حول الثمانينات مناسبة مهمة لتلك العودة التي تأتي هذه الملاحظات في سياقها. وفي ما يلي مقدمة لتلك الملاحظات تمهيدًا لتناول نصين يمثلان الظاهرة المشار إليها.
حين نعود إلى القلق والخوف في صمت الحداثة الأدبية ونسأل عن مبرراتهما فسنجد كثيرا، لكن أبرز ما سيطالعنا دون شك هو موجة التشدد الديني الذي تحول إلى ما نسميه اليوم «الإرهاب». يكفي أن نتذكر تلك الموجة التي أعقبت اقتحام الحرم في نهاية السبعينات على يد جهيمان ومن معه وما أدت إليه من التراجع عن كثير من الخطوات التحديثية في التعليم والإعلام، بل والحياة الاجتماعية والثقافية بصورة عامة. كان أدب الثمانينات الحداثي في فوهة المواجهة مع تشدد ثقافي وأدبي عبرت عنه كتب وخطب وأشرطة كاسيت استهدفت عملية التحديث الشاملة للبلاد ككل، ومن ضمنها التحديث الأدبي. لقد كانت الثمانينات فترة تشدد اجتماعي وثقافي بقدر ما كانت فترة انفتاح أدبي، ويصعب فهم ذلك الانفتاح أو السعي إليه دون فهم السياق الذي أحاط به وتفاعل معه، ما أسميه «ضجيج التشدد».
كانت الإشارة إلى الصمت تعبيرًا عن مخاوف المواجهة مع ذلك الضجيج، وما يمكن أن تؤدي إليه. والمقصود بالصمت هنا ليس بالتأكيد غياب التعبير أو خفوته بقدر ما كان إعلانا عن حاجة الكاتب أو المبدع إلى مساحات أوسع من القول لا يجد منفذًا إلى الإشارة إليها إلا باستحضار الصمت بوصفه دالاً على ما يشبه الغياب. ومن الطبيعي أن تتحول الإشارة إلى الصمت في تلك الحالة إلى نطق، إلى تعبير، بحد ذاتها، إلى استدعاء لغوي لحالة لم تتحقق فعلاً وإنما تحققت جزئيًا على الأقل. فالصامت الحقيقي لا يقول شيئًا، ولكنه حين يقول إنني صامت فهو يحول صمته إلى لون من النطق، أي أنه لم يصمت فعلاً وإنما يذكرنا بما أسكتته العوائق عن قوله.
هذه الدلالة السوسيو – والسياسي - ثقافية تجاور الدلالة الأخرى التي لا تقل أهمية، أي الدلالة الجمالية للصمت، فما الكتابة سوى اكتشاف لغياب الكتابة، للفجوات الكبيرة في التعبير، لمتعاليات لا يفضي إليها إلى الإيحاء حيث لا يسمع إلا «موسيقى الصمت»، كما يقول محمود درويش في نصه البديع «في حضرة الغياب»، الموسيقى التي تقع في ما وراء الرؤيا، كما يقول. هذه الدلالة أو هذا البعد حاضر أيضًا في الغياب الذي يشير إليه صمت الكتاب حين يقول أحدهم وهو عبد الله الصيخان:

بكيت على باب مكة
فتشت أركانها الأربعة
وفي فمي معزف كسرته الليالي
وأمحت ترانيمه الزوبعة
أو حين يشير محمد الثبيتي إلى صمت مبدع بقوله في قصيدة:
من شفاهي تقطر الشمس
وصمتي لغة شاهقة تتلو أسارير البلاد
لكن هذا البعد الشعري / الجمالي لم يكن الأكثر إلحاحًا فيما يبدو لي في سياق من التوتر الثقافي الاجتماعي الذي وقف فيه الحداثيون موقف المدافع عن نفسه، المناضل ضد سيول التهم الموجهة ضده، المترافع من أجل وجوده. كان ذلك السياق محتشدًا بتشدد ديني وتأزم اجتماعي جعل النص الأدبي متهمًا في شرعية وجوده نفسها كما في نيات كتابه ومحللي ذلك النص المنافحين عنه. كان لا بد للجمالي أن يتراجع أمام سطوة الواقعي، الشاعري الإيحائي أمام صرامة الفعلي الذي كان يفرز كتبًا مثل «الحداثة في ميزان الإسلام» أو «جناية الشعر الحر»، إلى جانب سيل من أشرطة الكاسيت وخطب الجمعة وهدير الدعاة في المجالس وحفلات الأعراس، كلها تقول: اقبضوا على هذا الشاعر، أحرقوا تلك القصة.
لذا كان طبيعيًا أن نقرأ عناوين مثل «الخبز والصمت» و«الصمت والجدران» و«بين الصمت والجنون» و«قراءة في السر لتاريخ الصمت العربي»، لمحمد علي علوان وسباعي عثمان ومحمد جبر الحربي وفوزية أبو خالد، على التوالي. الصمت المعلن في تلك الأعمال هو صمت فني بالطبع، لكنه احتجاج الكلام على منعه عن أن يكون كلامًا. ولعل عنوان مجموعة فوزية أبو خالد «قراءة في السر» أنموذج واضح لذلك النوع الفني من الاحتجاج، فإعلان السرية فضح لها وإبراز الصمت كسر له، لكن الفضح والكسر يظلان في حدود المناوشة أو المناورة، اختراق الحدود ثم الانسحاب، التذكير بما يمكن أن يقال ثم التوقف عن قوله كاملاً. قول نصف القول. وقد تطور هذا اللون من التكنيك لدى كتاب السرد فظهرت أعمال تحاكي الأعمال الممنوعة، أي تتمثل النص الذي لا يسمح به وإن لم تكن هي النص تمامًا. فهي أعمال سردية تذكرنا باستمرار وعلى نحو معلن بمقص الرقيب وصرامة المنع. ومن الأمثلة الحديثة رواية العراقي سنان أنطون «إعجام»، التي تُقدَّم كما لو كانت مذكرات كتبها صاحبها في السجن وبطريقة يصعب على الرقيب قراءتها لأنها معجمة، أي بلا نقاط، لكن الرقيب اشتغل عليها وفك رموزها ومنعها لتجد طريقها بعد ذلك.
في أدب الحداثة السعودي بعض ما يشبه ذلك في تواتر الإعلان عن الصمت وفي نصوص تشير إلى ما لم يمكن قوله، مع أنه يقال لكن بطريقة أشبه بالإعجام. المنطلق هي أطروحة تقول إن النص الخارج من سياق القيود الخطابية نص مثقل بما بين السطور من دلالات أو إشارات وأنه لذلك يستدعي قارئًا أو متلقيًا فطنًا، لأن القارئ مثل الكاتب والنص خارج من السياق ذاته. نقد التلقي واستجابة القارئ، لا سيما عند فولفغانغ أيزر، هو من لفت الانتباه إلى دور القارئ، على النحو المعروف، لكن ذلك النقد لم يولِ اهتماما لجانب الضغوط المختلفة التي تقع على الكاتب والنص لتنتج أو تستدعي من ثم قارئًا محددًا، قارئًا فطنًا، كما يقول الفيلسوف الألماني ليو شتراوس في دراسته للعلاقة بين الكتابة والاضطهاد ضمن كتاب «الاضطهاد وفن الكتابة» (1952). نقد التلقي بتعبير آخر لم يعنَ بظروف ثقافية تكون فيها الكتابة مضطرة إلى شكل من أشكال الصمت والإحالة إلى دلالات مضمرة لتستدعي نوعًا مختلفًا من القراءة يتجاوز القراءة العادية في إيلائه اهتماما بجوانب ليست ذات أهمية في سياقات ثقافية أخرى. ما أحاوله هنا هو ربط ما طرحه نقد التلقي مع أطروحة ليو شتراوس في الخروج برؤية تضيف إلى نقد التلقي واستجابة القارئ بابًا آخر من خلال التأمل في دلالات الصمت، لكن الملاحظات التالية ليست سوى ملاحظات أولية توحي بما يمكن عمله أكثر مما تحققه فعليًا.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.