حفيدة آخر بايات تونس: محمد الأمين باي كان سيعلن النظام الجمهوري قبل بورقيبة بثلاثة أشهر

قالت في حوار مع {الشرق الأوسط} إن عائلتها لا تريد العودة إلى السلطة

سلوى باي مع حفيدها
سلوى باي مع حفيدها
TT

حفيدة آخر بايات تونس: محمد الأمين باي كان سيعلن النظام الجمهوري قبل بورقيبة بثلاثة أشهر

سلوى باي مع حفيدها
سلوى باي مع حفيدها

في عام 1705، بدأ حكم العائلة الحسينية في تونس بقيادة الحسين بن علي، واستمر حكمها حتى عام 1957 حين أعلن الحبيب بورقيبة الرئيس التونسي الأسبق النظام الجمهوري، وأزاح تلك العائلة القادمة من مدينة إسطنبول التركية في نطاق الخلافة، وأبعدها نهائيا عن حكم تونس. بعد مرور أكثر من 57 سنة على استقلال تونس، التقت «الشرق الأوسط» في العاصمة التونسية، سلوى باي حفيدة محمد الأمين باي آخر البايات الذين حكموا تونس، واسترجعت معها مجموعة من الذكريات، وتحدثت عن موقف عائلتها المبعدة عن الحكم، من الحبيب بورقيبة ومن النظام السابق، وأيضا من الحكومات التي تلت ثورة 2011.
وقالت سلوى باي إن جدها محمد الأمين باي كان سيعلن النظام الجمهوري في تونس قبل إعلان بورقيبة القرار نفسه بثلاثة أشهر، ولكن هذا الأخير هدده بالقتل، مشيرة إلى أن عائلتها تبحث اليوم عن رد الاعتبار كما حصل لعائلة الملك إدريس السنوسي في ليبيا، وأنها لا تطلب العودة إلى الحكم. وفيما يلي نص الحوار.
* ما الذي تذكرينه عن فترة إزاحة جدك الأمين باي عن الحكم، وكيف وصل لكم خبر إزاحته، وماذا كان رد فعل أفراد العائلة؟
- كان عمري آنذاك 16 سنة حين أمر الحبيب بورقيبة بإخراج العائلة من القصر. ففي 25 يوليو (تموز) 1957، قدم إلينا وزير ومعتمد (سلطة محلية) لم أعد أذكر اسميهما، وطلبا منا مغادرة القصر بأمر مباشر من بورقيبة. وأذكر أنني كنت أنتعل حذاء جديدا حين خرجت من القصر، فما كان من الوزير إلا أن طلب مني خلع الحذاء لأنه من الأملاك المصادرة، فامتثلت للأمر وخرجت حافية القدمين. بيد أن عسكريا رق لحالي وجلب لي حذاء بلاستيكيا. وفي نفس ساعة خروجنا من القصر، رأيت بأم عيني وسيلة بورقيبة زوجة الرئيس الأسبق ومعها شقيقتها نائلة بن عمار وامرأة ثالثة لا أعرفها، وقد هجمن على مجوهرات وحلي العائلة واستولين عليه.
* أين ذهبت العائلة بعد إخراجها من القصر؟
- لم يسمح لنا بحمل أي شيء، والأكثر حظا منا كان من خرج ومعه بعض الأغراض البسيطة. وتوجهنا إلى حي بوشوشة القريب من منطقة باردو. وأحجم التونسيون عن تأجير بيوت لنا، إلا أن مواطنا مالطيا اسمه «كاملاري» مكننا من مسكن متواضع كان عبارة عن «سقف وقاعة» كما نقول في تونس أي غير مؤثت، ولقضاء تلك الليلة اضطر أحد أفراد العائلة للتوجه إلى أحد المتاجر لجلب الورق المقوى للنوم عليه.
* وماذا صار بعد الليلة الأولى؟
- بعد أيام قلائل، تبرع لنا بعض السكان بأثاث وطاولة وكرسي وجهاز طبخ بسيط، وبدأنا إعادة ترتيب حياتنا من جديد.
* وماذا كان مصير محمد الأمين باي (جدك) وبقية العائلة خاصة من الرجال؟
- سجنه بورقيبة في سجن النساء بمنوبة، وتركه مرتديا جبة ومن دون ملابس من يوليو إلى نوفمبر (تشرين الثاني). وكان الباي ينفق على نفسه من مبلغ قدره 500 دينار كان قد احتفظ به لنفسه. فلما انتهى المبلغ بقي ثلاثة أيام من دون طعام. وبعد مرور فترة قليلة، توفي عن عمر يناهز 82 سنة وكان ذلك عام 1962.
كما سجن بورقيبة والدي صلاح الدين باي من 1957الى 1959 وتركه في سجن انفرادي بالعاصمة التونسية. وأذكر أنه لما سجنه بورقيبة كان بيده ساعة غالية السعر وخاتم زواج، لكن إدارة السجن لم ترجعهما له بعد الإفراج عنه.
* هل كان بورقيبة يخاف تعاطف التونسيين مع محمد الأمين باي؟
- لا أعتقد ذلك. لكن بورقيبة كان لا يحب غير نفسه ولا ينظر لغير نفسه ويرى بقية التونسيين مثل الغبار الذي لا قيمة له.
* هل تقولين هذا الكلام لأن بورقيبة أزاح عائلتك من الحكم؟
- هذا غير صحيح، فبورقيبة كان يعيش بيننا في القصر الملكي. وكنت أناديه عمي. وكان يداعب الأمين باي ويقول له في لهجة أخوية: «يا وجه النور لولاك لما نلنا الاستقلال». كما أن رموز الاستقلال في تونس كانوا كلهم يترددون على القصر، وهذا الأمر يشمل الزعيم النقابي فرحات حشاد والمنجي سليم. وأذكر أنهم كانوا يأتون متنكرين حتى لا ينكشف أمرهم وأمر الباي أمام السلطات الفرنسية.
* إذا كان الباي على هذه الدرجة من الوطنية، وكانت له علاقة جيدة مع بورقيبة، فلماذا إذن انقلب عليه وأعلن الجمهورية؟
- سأفاجئك بأمر قد لا يخطر على بال، وهذا لم أقله في السابق. محمد الأمين باي كان سيعلن النظام الجمهوري قبل ثلاثة أشهر من تاريخ 25يوليو 1957. وقرر في حينها أن يستدعي كل وسائل الإعلام الدولية ويعلن نظاما جمهوريا وينصب بورقيبة أول رئيس لتلك الجمهورية، ويبقي على العائلة المالكة في نظام شبيه بالنظام الملكي البريطاني. ولكن هناك من أوصل الأمر إلى الحبيب بورقيبة، فما كان منه إلا أن هدد جدي وكافة أفراد عائلته بالقتل إن تجرأ على إعلان النظام الجمهوري.
* لكن، لم تكن هناك من دلائل تاريخية على هذا التوجه الجمهوري في نظام البايات؟
- هذا الأمر فيه الكثير من التجني على عائلة محمد الأمين باي، ففي الثامن من يوليو 1956 عقد المجلس التأسيسي (البرلمان) أول جلسة له تحت حكم الباي، وكانت هناك لجنة مكونة من 40 شخصية سياسية ونقابية تدير شؤون البلاد، وتبدي آراءها في كل الملفات ومن بينهم الحبيب بورقيبة نفسه.
* هل تكره عائلة الباي الآن كل ما يمت بصلة إلى الحبيب بورقيبة؟
- لدينا إحساس بالظلم والقهر مما حصل لنا. فعائلة الأمين باي المكونة من ثلاث بنات وثلاثة رجال لا تستحق ذاك المصير.
* ألا تعتقدين أن طيبة محمد الأمين باي هي التي أدت إلى إزاحته عن الحكم؟
- هذا كلام فيه جانب كبير من الصحة؛ فمحمد الأمين باي الذي كان عمره 75 سنة، وكان قريبا من التونسيين، ودفع نحو حصول البلاد على الاستقلال، لم يكن يدري أن بورقيبة سيحكم عليه ذاك الحكم القاسي. وأعتقد جازمة أن بورقيبة خلال تلك الفترة كان لا يحب غير نفسه، وكان متعطشا للحكم، ولم يكن يرى شيئا يمكن أن يقف في طريقه، وحادثة اغتيال صالح بن يوسف رفيقه في الحركة الوطنية يؤكد ما أقول.
*وكيف أمكن للعائلة إعادة بناء نفسها والانخراط من جديد في الحياة العامة والقبول بالواقع الجديد؟
- تسلحنا بالعلم والعمل وحصل أغلبنا على شهادات علمية مميزة في الهندسة وغيرها من الاختصاصات، وبنينا حياتنا من جديد من دون ضجيج.
* وكيف تعامل معكم نظام زين العابدين بن علي؟
- لا شيء يذكر خلال فترة حكم الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي. ولم نتمكن سوى من الإدلاء بالقليل من الكلام حول بعض الحقائق التاريخية. وقد راسلت الرئيس بن علي شخصيا عام 2006، وطلبت منه إنصافنا، بيد أن شيئا من ذلك لم يحصل.
* وبعد ثورة 2011، هل حدث تغيير في نظرة السلطة إلى عائلتك؟
- بعد الثورة، كنا نتوقع الكثير من رد الاعتبار لعائلة وطنية خدمت تونس طوال أكثر من قرنين ونصف القرن. ولكن النتائج حتى حد الآن ضئيلة، ونحن لا نريد تمكيننا من ثروة وأموال، فالبايات كانوا مثل بقية التونسيين يحتكمون على القليل من المال، ولكننا نطلب أن يشمل قانون العدالة الانتقالية عائلة محمد الأمين باي.
إذ لدينا ما يثبت أن جدي اشترى من ماله الخاص مبنى «بيت الحكمة» الحالي في منطقة قرطاج، وهو مبنى اشتراه من أحد اليهود التونسيين اسمه «بسيس». أما بالنسبة للوثائق التي تثبت حقوق العائلة، فهي تمتد على طول 53 كيلومترا في الأرشيف التونسي، وكل المشتريات التي عقدها الباي موثقة حتى أقلام الرصاص.
* وهل تطالبون الدولة التونسية بإرجاع ممتلكات عائلتكم؟
- لا بد من الإشارة إلى أن عائلتنا لم تكن غنية كما ادعى بورقيبة في خطبه الرامية إلى تشويه تاريخ العائلة. ولكن لدينا حقوق ثابتة سنواصل المطالبة بها مثل كل التونسيين، وقد توجهنا إلى إدارة الملكية العقارية للحصول على المؤيدات القانونية.
* وهل العودة إلى حكم تونس من بين تلك الحقوق الثابتة؟
- بالتأكيد لا، فعائلتي لا تريد استرجاع الحكم، ولو أعطونا السلطة اليوم فلن نقبل. نحن نريد رد الاعتبار لعائلتنا كما فعلت جارتنا ليبيا مع عائلة الملك إدريس السنوسي، وهذا ليس مستحيلا. كما نطلب إنصافنا في البرامج التربوية، والنأي عن تشويه تاريخ العائلة الحسينية. وفي النهاية، أقول إن عائلتي بإمكانها أن تقر عينا بعد ما شاهدته من نهب وظلم واستيلاء على الثروات في عهد بن علي.



الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

بين مدينتين تفصل بينهما خطوط النار جنوب غربي اليمن، تتجلى مفارقة معاكسة للمنطق التقليدي للحروب؛ حيث تحولت «التربة»، المدينة الخاضعة للسيطرة العسكرية الكاملة للحوثيين، إلى مساحة من الجمود والمقاطعة غير المعلنة، في حين تعيش تعز، المدينة الأخرى المحاصرة، حياة تقاوم كل الصعوبات.

ويعكس التباين بين مدينتي تعز التي يحاصرها الحوثيون من كل الاتجاهات، والتربة التي خضعت لسيطرة الجماعة منذ نحو شهر، مشهداً معقداً يلخص طبيعة الحرب والمقاومة المجتمعية؛ حيث يتجلى واقع اقتصادي واجتماعي متناقض تماماً بين المدينتين.

ففي مدينة التربة، يسود مشهد من الجمود الاقتصادي والرفض المجتمعي الحاد؛ ويرفض السكان المحليون تطبيع الأوضاع مع سلطة الجماعة، ما أدى إلى حالة مقاطعة شبه كاملة تجلّت في ركود غير مسبوق بالأسواق، وتراجع كبير في الحركة خلال ساعات النهار، والتي تتوقف تماماً خلال الليل، ليسود مكانها صمت مطبق.

وتلخص رحلة أحمد، وهو اسم مستعار لموظف عمومي يتنقل أسبوعياً بين تعز والتربة، هذا التناقض الحاد في المعيشة؛ حيث بات يعيش هاجس الخوف على أمنه الشخصي بمجرد مغادرته تعز، في حين ينهشه القلق الدائم على عائلته المستقرة تحت سلطة الحوثيين في التربة.

مدينة التربة تعيش حالة من الركود بعد نحو شهر من سيطرة الحوثيين عليها (فيسبوك)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الوضع يدفعه بجدية للتفكير في خيار نقل عائلته إلى تعز المحاصرة إذا ما طال أمد السيطرة الحوثية، مفضلاً قسوة الحصار المعيشي على العيش تحت وطأة القبضة الأمنية والجدار المجتمعي العازل هناك.

وفي حديثه عن تفاصيل هذا التحول، يروي كيف تبدلت ملامح إجازته الأسبوعية التي كان يقضيها برفقة عائلته وأصدقائه، «فالمنزل يغرق في توتر مستمر، وأطفاله الثلاثة باتوا محرومين من ارتياد مدارسهم، ويواجهون مستقبلاً تعليمياً مجهولاً»، في حين تلاشت الأجواء التي كان يقضيها ليلاً مع أصدقائه، سواء في المنازل أو المقاهي، بتوقف الحركة تماماً مع ساعات المغيب.

حياة لا تتوقف

في ظل هذه التطورات، جدد مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز قراراً سابقاً بتعليق الدراسة في المدارس الحكومية والأهلية بالمديريات التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية، محمّلاً مديري إدارات التربية والتعليم ومديري المدارس مسؤولية مخالفة التعليمات، بالتزامن مع دعوة اللجنة التربوية المجتمعية في مديريات الريف أولياء الأمور والإدارات المدرسية إلى الالتزام بالقرار حفاظاً على سلامة الطلاب.

لم تتراجع مظاهر الحياة في مدينة تعز رغم الحصار الحوثي واستهداف الأحياء السكنية (أ.ف.ب)

وحذّرت اللجنة من مخاطر استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية كمخازن للأسلحة ومقار لتجمع ومبيت عناصر الجماعة، إلى جانب استقطاب الطلاب وتجنيدهم.

وعلى العكس تماماً، تبدي مدينة تعز المحاصرة مرونة استثنائية، واستمراراً لمظاهر الحياة اليومية، على الرغم من الحصار الخانق وأزمات السلع والخدمات، وضربات المدفعية والقنص اليومي التي تستهدف المدنيين، وتتحول إلى مركز جاذب يتحدى المخاطر الأمنية.

ويستغل كثير من سكان الأرياف توقف المعارك في بعض المنافذ للدخول إلى المدينة، على الرغم من المخاطر الشديدة التي تحيط بهم، في ظل سعي حوثي لخنق الحركة ودفع السكان لمغادرتها.

يقول صلاح أحمد غالب، مدير مكتب شؤون الحصار في تعز (هيئة حكومية) لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مدينة التربة وغيرها من المناطق التي وقعت مؤخراً تحت سيطرة الجماعة الحوثية يمارسون الاحتجاج المدني بالوسيلة التي يمتلكونها، وقد لجأوا إلى العصيان المدني غير المعلن.

حركة التنقل بين مدينة تعز وأريافها لم تتوقف رغم الحصار الحوثي وخنق الطرقات (أ.ف.ب)

وينوه في حديثه إلى أن كثيراً منهم أغلقوا محالهم أو أوقفوا أنشطتهم التجارية، خوفاً من تعرضهم للنهب وفرض الإتاوات من طرف الحوثيين، في حين لم تتأثر حركة التجارة والأسواق في مدينة تعز بسبب ثقة السكان بالدولة، رغم تراجع المعروض من السلع، وتأثر الأسعار بسبب الحصار.

تدابير حكومية

وتشهد مدينة تعز أنشطة مجتمعية متنوعة لمواجهة الحصار، يتجلّى أبرزها في المبادرات لتبادل وتشارك الأغذية والمنافع بين العائلات لتغطية النقص فيما بينها، ومساعدة العائلات التي لا تستطيع الحصول على الطعام.

ويؤكد عبد الرحمن القليعة، مدير «مكتب الصناعة والتجارة في تعز»، لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب والحصار تسببا في كارثة إنسانية حقيقية ونقص حاد في تدفق السلع والوقود نتيجة إغلاق طرق الإمداد، ما دفع قطاعاً واسعاً من التجار إلى خفض استثماراتهم واللجوء للادخار بدلاً من الاستيراد نتيجة المخاطر المرتفعة.

محطة خيرية لتوزيع المياه على سكان أحياء في تعز التي حرمها الحوثيون من الخدمات والسلع (أ.ف.ب)

وكشف عن أن المكتب استشعر خطورة الوضع منذ مايو (أيار) الماضي، بالتزامن مع التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز؛ حيث نجح بالتنسيق مع الغرفة التجارية وكبار التجار في تأمين مخزون سلعي يكفي لثلاثة أشهر، إلا أن الهلع الشعبي وإغلاق الحوثيين المنفذ الوحيد للمدينة استنزف 50 في المائة من هذا المخزون في أسبوع واحد.

وفرض المكتب حالة طوارئ استدعت تشكيل لجانٍ رقابية وغرفة عمليات على مدار الساعة لترشيد توزيع السلع بالأسعار الرسمية، وفقاً للمسؤول الحكومي، إلى جانب تعاون البيوت التجارية بضخ كميات غذائية إضافية عبر وكلائها، ما أعاد الاستقرار التمويني نسبياً للمدينة المحاصرة.

إلا أنه حذّر من أن كل هذه التدابير تظل مؤقتة وعاجزة عن تقديم حل مستدام ما لم يتم كسر الحصار الحوثي.

ويبدي السكان مخاوفهم من تصعيد الجماعة الحوثية إجراءاتها ضد المدينة، وتحويل المنافذ إلى مصائد لاختطاف المتنقلين عبرها.


550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
TT

550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)

صعّدت الميليشيات الحوثية حملات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس الأهلية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستغلة المؤسسات التعليمية لرفد جبهات القتال بمقاتلين جدد وتعويض خسائرها البشرية المتواصلة، عبر إجبار الطلبة على الالتحاق بالدورات العسكرية وتهديد إدارات المدارس بالإغلاق وفرض الغرامات والعقوبات.

وقالت مصادر تربوية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» التابعة للجماعة، بالتنسيق مع وزارة التربية في حكومتها غير المعترف بها، أطلقت خلال الأيام الأخيرة حملة تستهدف أكثر من 550 مدرسة أهلية بصنعاء وضواحيها، في تصعيد جديد لاستغلال القطاع التعليمي لأجندتها العسكرية والتعبوية.

وأضافت المصادر أن مشرفين حوثيين نفّذوا، منذ أيام، نزولات ميدانية إلى مدارس في عشر مديريات بصنعاء، وألزموا إداراتها باختيار خمسة طلاب من كل مدرسة وإلحاقهم بدورات عسكرية، ملوّحين بإغلاق المؤسسات التعليمية وفرض إجراءات عقابية وغرامات بحق الرافضين الانصياع للتوجيهات.

طفل يمني يحمل سلاحه خلال تجمع لمقاتلين جدد للحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

وأثار هذا الاستهداف الحوثي حالة من الغضب والقلق بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، الذين يرون ذلك امتداداً لسياسات الجماعة الرامية إلى تفريغ العملية التعليمية من مضمونها، بعد سنوات من إخضاع المناهج والأنشطة المدرسية للتعبئة الأيديولوجية وتسخير المؤسسات التعليمية لخدمة مشروعها العسكري.

دورات بالإكراه

قال أولياء أمور، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إن أبناءهم اقتيدوا من داخل الفصول الدراسية، من دون علم أسرهم، إلى مواقع غير معلومة، حيث يُخضعون لدورات تعبئة فكرية وتدريبات عسكرية، الأمر الذي عزز مخاوفهم من أن تكون هذه الأنشطة مقدمة لتجنيد الطلاب والزج بهم في الجبهات.

ودفعت هذه المخاوف أسراً إلى منع أبنائها من الذهاب إلى المدارس المستهدفة، خشية تعرضهم للاستقطاب القسري، بينما شهدت مدارس أهلية تراجعاً في الحضور، وسط قلق متصاعد من استمرار الضغوط والمداهمات الحوثية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى منافذ لتجنيد الطلاب بدلاً من تأهيلهم علمياً.

الحوثيون يدفعون العائلات للفخر بأبنائها بوصفهم مقاتلين أو ضحايا (غيتي)

ويقول عبد الله، وهو والد أربعة طلاب من منطقة معين وسط صنعاء، إنه اضطر إلى إبقاء اثنين من أبنائه، في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في المنزل خشية إخضاعهما للتجنيد، بعد أن فقد الثقة بقدرة إدارة المدرسة على حمايتهما من الضغوط الحوثية، ليجد نفسه أمام خيار قاسٍ بين حرمانهما من مواصلة التعليم أو المخاطرة باستقطابهما عسكرياً، مُشيراً إلى أن غالبية الأسر باتت تخشى إرسال أبنائها إلى المدارس بعدما تحولت، بحسب وصفه، إلى منافذ لاستقطاب الطلاب وإخضاعهم للتعبئة العسكرية.

وأضاف: «أرسلنا أبناءنا إلى المدارس ليتعلموا ويبْنوا مستقبلهم، لا ليُدفعوا إلى الدورات العسكرية وجبهات القتال»، مُبيناً أن سلوك الجماعة لم يعد يقتصر على فرض توجهاتها على المناهج والأنشطة المدرسية، بل امتد إلى الضغط على الإدارات لاختيار الطلاب وتسليمهم للجهات المشرفة على الدورات القتالية.

ضغوط على المدارس

يقول أحد المعلمين في مدرسة أهلية بمنطقة السبعين جنوب صنعاء، طالباً إخفاء اسمه، إن إدارات المدارس الخاصة بصنعاء وضواحيها تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة من مشرفي الجماعة الثقافيين لتنفيذ توجيهات تستقطب الطلاب وتُلحقهم في الدورات العسكرية، على حساب التحصيل العلمي.

وأضاف أن أنشطة التعبئة باتت تزاحم العملية التعليمية، بينما يتردد المعلمون في الاعتراض على هذه الممارسات خشية التعرض للتهديد أو العقوبات، في ظل إحكام الميليشيات قبضتها على المؤسسات التعليمية وإخضاع إداراتها لتوجيهاتها.

الميليشيات الحوثية ألزمت مدارس في صنعاء ببرامج طائفية والحشد للقتال (إكس)

وأكد أن المدارس التي يُفترض أن توفر بيئة آمنة للتعلم وبناء المستقبل أصبحت تواجه تدخلاً متزايداً في شؤونها، مع تصاعد الضغوط الرامية إلى انتزاع الطلاب من مقاعد الدراسة وإشراكهم في أنشطة لا تمت إلى التعليم بصلة.

وتزامنت هذه التحركات الحوثية مع استمرار تدهور العملية التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث يعاني عشرات الآلاف من المعلمين والتربويين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، في ظل سياسات فاقمت الأوضاع المعيشية وأضعفت قدرة المدارس على أداء دورها التعليمي والتربوي.


الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.