«كانت الاستخبارات البلجيكية لديها كل المعلومات حول البلجيكيين الذين شاركوا في تفجيرات باريس، ولكن لم يكن لديها المعلومات التي يمكن من خلالها أن تساهم في تفادي وقوع الهجمات في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي». هذا ما جاء في تقرير اللجنة البرلمانية المكلفة مراقبة عمل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في البرلمان البلجيكي، وصدر أمس.
وأشار التقرير، الذي نشرته وسائل الإعلام في بروكسل، إلى أن أجهزة الاستخبارات العسكرية، وجهاز أمن الدولة البلجيكي، والاستخبارات الأمنية الداخلية، لم يكن لديها أي معلومات تشير إلى قرب وقوع هجمات في باريس، «ولهذا لا يمكن أن نقول أيا منها قد ارتكب خطأ في هذا الصدد، بل إن الأجهزة لديها معلومات عن البلجيكيين الذين شاركوا في التفجيرات، وقامت بتبادل تلك المعلومات مع الأجهزة المعنية، سواء داخل بلجيكا أو خارجها».
وجاء في التقرير أن هناك معلومات تتعلق بالمطلوب الأمني صلاح عبد السلام، وأيضا بلال حدفي الذي فجر نفسه في هجمات باريس، وكذلك محمد ابريني، وعبد الحميد أباعود، وجرى توزيع تلك المعلومات في أكثر من تقرير أمني منذ 2012. وأشار التقرير إلى أن اسم عبد الحميد أباعود، مهندس تفجيرات باريس، ورد في تقرير لأجهزة الاستخبارات 600 مرة، وجرى تبادل المعلومات التي تضمنها هذا التقرير مع أكثر من جهة أمنية في داخل بلجيكا وخارجها، وجرى تحديث المعلومات حول هؤلاء الأشخاص خلال السنوات الماضية.
وتضمن التقرير الإشارة إلى أن أباعود، كان محل اهتمام السلطات، منذ إحباط مخطط إرهابي في فرفييه (شرق بلجيكا) في يناير (كانون الثاني) 2015، وقالت السلطات الأمنية إن أباعود هو العقل المدبر له، ولم تتوفر أي معلومات عن بقائه في بلجيكا بعده، ورجحت السلطات أنه سافر إلى سوريا بعده، خصوصا أنه لم تتوفر أي معلومات تشير إلى أنه وصل إلى أوروبا في هذه الفترة، وحتى جرت مداهمة الشقة التي كان يوجد بها في حي سانت دوني، ومقتله أثناء عملية الاقتحام، وذلك بعد أيام من وقوع هجمات باريس.
ولمح التقرير إلى أن أحد الدروس المستفادة من هجمات باريس، هو إعطاء مزيد من الاهتمام لما يعرف بـ«المصدر البشري» سواء في الأماكن التي تشهد وجودا لأشخاص يشتبه في تأثرهم بالفكر المتشدد في أحياء بروكسل، وكذلك لمن توجهوا إلى مناطق الصراعات مثل سوريا.
وتطرق التقرير كذلك إلى مسألة وجود عدد من المشتبه بهم يجب التقدم بطلبات لتوقيفهم دوليا.
هذا ومن المقرر أن يبدأ البرلمان مناقشة تفاصيل التقرير في 8 مارس (آذار) المقبل. وفي مطلع الشهر الحالي أعرب كل من رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال، والفرنسي مانويل فالس، عن تصميم بلديهما على العمل جنبًا إلى جنب من أجل محاربة التعصب والإرهاب. جاء هذا الموقف في مؤتمر صحافي مشترك عقده المسؤولان في أعقاب القمة الثنائية، التي استضافتها بروكسل.
وشدد المسؤولان على ضرورة تعزيز العمل على تشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد، وأجمع كل من ميشال وفالس على أن خطر التعرض لهجمات جديدة لا يزال جاثمًا على كل الدول الأوروبية.. «بالطبع لا تزال هناك مجموعات وخلايا إرهابية تتربص بنا، يجب علينا التعامل مع هذا الأمر، مع الحفاظ على قيمنا وأسلوب عيشنا ودون الاستسلام للرعب»، حسب كلام شارل ميشال. وعدّ المسؤولان أن فرنسا وبلجيكا تواجهان الخطر نفسه، خصوصا من قبل ما يعرف بتنظيم داعش وغيره من المنظمات.. «نحن في حالة حرب من نوع جديد»، وفق كلامهما. وعدّ رئيس الوزراء الفرنسي أن الإشكالية تتمثل في طريقة التعامل مع حالة «الحرب على الإرهاب»، بالتوازي مع الحفاظ على القيم الأوروبية، منوهًا بأن هذا الأمر قد يدوم فترة طويلة. وحول الاتهامات التي وُجهت لبلاده بالإهمال والتغاضي عن نمو المجموعات الإرهابية، دافع رئيس الوزراء البلجيكي عن بلاده بالتأكيد على أن مشكلات تنامي التطرف ليست موجودة في بروكسل فقط، بل في فرنسا، التي أتت منها معظم الانتقادات بعد هجمات باريس في 13 نوفمبر الماضي.. «اتخذنا حزمة إجراءات قانونية وقضائية وأمنية، ونحن جميعًا نواجه إرهابيين استفادوا من فشلنا في المراحل السابقة» وفق كلامه. وشدد شارل ميشال على تصميمه على الوقوف في وجه الاتهامات والمبالغات والخطابات المتسرعة بحق بلاده، وهو الأمر الذي سانده فيه نظيره الفرنسي، الذي أكد على ضرورة عدم توجيه اللوم لأي بلد.. «علينا حشد الجهد على المستوى الثنائي والأوروبي»، وفق كلامه.
وتوافق الطرفان على تعزيز التعاون الثنائي وعمليات تبادل المعلومات وتسجيلها في قواعد البيانات التابعة لنظام «شينغن»، وتكثيف العمل مع كل من وكالة الشرطة الأوروبية «يوروبول»، ونظيرتها الدولية «إنتربول». وشددا على ضرورة استخدام الوسائل التقنية الحديثة من أجل الكشف عن الوثائق المزورة التي أصبحت مسألة رائجة أكثر من أي وقت مضى ويستخدمها الإرهابيون للعبور بين الدول. كما تم الاتفاق على تعزيز وجود ضباط الاتصال من كل بلد لدى الطرف الآخر، وعلى التعاون أكثر في التحقيقات المتصلة بالشبكات الإرهابية والتجارة غير القانونية للأسلحة.
وفي وقت سابق، وافق مجلس الوزراء البلجيكي على مقترحات جديدة لتشريعات تعزز الجهود الحالية لمكافحة الإرهاب، ومنها استحداث قاعدة بيانات جديدة بشأن من يسافر للخارج للمشاركة في العمليات القتالية، وأيضا تمديد عمليات الاعتقال على خلفية التحقيق والتحري إلى 72 ساعة بدلا من 24 ساعة. وكانت بلجيكا قد شددت من إجراءاتها الأمنية في أعقاب تفكيك خلية إرهابية وقتل اثنين من أعضائها بداية عام 2015، في مدينة فرفييه شرق البلاد، كما خصصت مبلغا يصل إلى مائتي مليون يورو لتعزيز محاربة الإرهاب.
ثم عادت وفرضت إجراءات جديدة عقب تفجيرات باريس في نوفمبر الماضي، حيث قررت الحكومة البلجيكية، تخصيص 400 مليون يورو إضافية لموازنة 2016 لتعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب، وشملت الإجراءات رفع موازنة الأمن، وتعزيز مراقبة الحدود الخارجية، ونشر 520 عسكريا لتعزيز الأمن في الداخل، وإعادة النظر في قوانين الإجراءات الجنائية لتسهيل حصول أجهزة الاستخبارات الأمنية على التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك التعرف على الأصوات، وتوسيع نطاق التنصت على الهواتف، لتشمل أيضا جرائم الاتجار بالسلاح، إلى جانب إجراء يتعلق بوضع العائدين من القتال في سوريا في السجن. وأيضا إنشاء آلية لتسجيل الركاب والمسافرين على الخطوط الجوية والقطارات السريعة. ولن تنتظر بلجيكا الخطوات الأوروبية الموحدة في هذا الصدد. كذلك ستكون هناك إجراءات حازمة ضد دعاة الكراهية؛ ومنها الإقامة الجبرية وتقييد حريته أو ترحيله خارج البلاد، وكذلك إغلاق كل أماكن العبادة غير القانونية من مساجد وكنائس.. وغيرهما، التي تدعو إلى المشاركة في العمليات القتالية ضمن صوف المتطرفين.





