على وقع الاعتقالات.. الإيرانيون يختارون ممثليهم في البرلمان ومجلس الخبراء

مشاركة ضعيفة.. وتغطية وسائل الإعلام الأجنبية اقتصرت على نقاط حددتها الحكومة وتسجيل مخالفات وخلل في الإنترنت

ايرانيات يملأن بطاقات الاقتراع في مركز اقتراع في مسجد ارشاد بطهران أمس (إ.ب.أ)
ايرانيات يملأن بطاقات الاقتراع في مركز اقتراع في مسجد ارشاد بطهران أمس (إ.ب.أ)
TT

على وقع الاعتقالات.. الإيرانيون يختارون ممثليهم في البرلمان ومجلس الخبراء

ايرانيات يملأن بطاقات الاقتراع في مركز اقتراع في مسجد ارشاد بطهران أمس (إ.ب.أ)
ايرانيات يملأن بطاقات الاقتراع في مركز اقتراع في مسجد ارشاد بطهران أمس (إ.ب.أ)

وسط اعتقالات طالت المئات شهدت إيران أمس انتخابات مجلس خبراء القيادة والبرلمان، وأدلى الإيرانيون بأصواتهم في 52 ألف دائرة انتخابية، فيما أشارت التقارير إلى مشاركة ضعيفة وسط مقاطعة من الأقاليم ذات الأقليات، وجماعات ممن يطلق عليهم «الإصلاحيون».
وأفادت وكالة «فارس» التابعة للحرس الثوري نقلا عن مصدر حكومي مطلع أن عدد المشاركين في مراكز طهران الانتخابية بلغ مليونين و600 ألف، حتى الساعة السابعة والنصف بالتوقيت المحلي، من جملة 8 ملايين يسمح لهم بالمشاركة. وكانت أول إحصائية ذكرتها فارس أظهرت مشاركة مليون و500 ألف حتى الساعة الرابعة. وأعلنت اللجنة المركزية للانتخابات تمديد ساعات التصويت من السابعة إلى التاسعة، فيما أشارت وزارة الداخلية قبل يومين من موعد التصويت إلى أن 8 ملايين و475 ألف شخص في طهران يمكنهم التصويت في الانتخابات.
وفي أول إحصائية غير رسمية أظهرت تقارير وسائل الإعلام اعتقال 186 شخصا بسبب تجاوزات انتخابية، فضلا عن احتجاز مخابرات الحرس الثوري 16 حافلة مع ركابها في محافظة جيلان (شمال إيران) كانت تنقل الناخبين للتصويت في دائرة انتخابية ثانية، كما ذكرت تقارير أن السلطات اعتقلت مجموعة من الناشطين في محافظة خراسان الشمالية عقب تسريب رسائل سرية حول الانتخابات، كما أشارت إلى انفجار قنابل صوتية في محافظة مازندران.
ومن المقرر أن تعلن النتائج بعد ساعات من انتهاء التصويت في عموم إيران بينما تعلن النتائج النهائية في العاصمة بعد مضي ثلاثة أيام. وكان المرشد الأعلى علي خامنئي، من بين أول المسؤولين الذين أدلوا بصوتهم، ودعا خامنئي الإيرانيين إلى «التسابق» في الوصول إلى صناديق الاقتراع. وبدوره، أدلى حسن روحاني بصوته في مقر وزارة الداخلية ضمن جولة تفقدية اطلع خلالها على مسار العملية الانتخابية في اللجنة المركزية للانتخابات.
وتنافس أمس 4844 مرشحا على 290 مقعدا برلمانيا، بينما بموازاة ذلك يتنافس 161 على 88 مقعدا في مجلس خبراء القيادة، وتعد أول استحقاقين انتخابيين بعد التوصل إلى اتفاق نووي في يوليو (تموز) الماضي، وسبق ذلك شهور من الجدل حول الانتخابات وهوية المرشحين ودخول البلاد في الأجواء الانتخابیة مبكرا، مما وضع إيران على وشك أزمة سياسية حادة تمثلت بتصريحات كبار المسؤولين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي الذي شهدت خطاباته تحولات بانورامية تحذر من «الغزو الأجنبي» و«النيتو الثقافي» و«التغلغل» و«الاقتصاد المقاوم» واتهام الغربيين بالموافقة على اتفاق نووي مع إيران على أمل تغيير مسار النظام.
وتركز حضور وسائل الإعلام وخاصة الأجنبية تحت حراسة مشددة من قوات الأمن على الدوائر الانتخابية المقربة من المراكز الحكومية والعسكرية وأبرزها الدائرتان في وسط العاصمة طهران، حسينية «الإرشاد» القريبة من مقر إقامة خامنئي والحكومة الإيرانية والوزارات السيادية، وهي الحسينية التي يلقي فيها خامنئي غالبية خطاباته، وفي المقابل الدائرة الثانية تمثلت بمعقل الخميني في منطقة جماران التي اعتبرت في الآونة الأخيرة مركزا للتيار المقابل لخامنئي، وكان أبرز المصوتين بحسينية «جماران» الثلاثي البارز حفيد الخميني، حسن الخميني، ورئيس تشخيص مصلحة النـظام، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، ورئيس الجمهورية السابق، محمد خاتمي، فضلا عن وزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي فضل الأداء بصوته في «جماران»، بعد توجه غالبية وزراء الحكومة وعلى رأسهم الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى حسينية «الإرشاد»، وسيطرت تقارير وصول المسؤولين والقادة العسكريين للمشاركة في الانتخابات على وسائل الإعلام.
وفي إطار ذلك، تشهد إيران صعود تشكيلة جديدة من الانقسامات السياسية في تحول للتشكيلة التقليدية من الإصلاحيين وأصوليين إلى أنصار للخميني وآخرين لخامنئي، وهو ما يعتبر خلاصة الصراع بين خامنئي ورفسنجاني والتيارات والدوائر التابعة لهم على السلطة، وكان هاشمي رفسنجاني لعب دورا كبيرا في تغلب خامنئي على منافسيه في تقلد منصب الولي الفقيه بعد وفاة الخميني، ومنذ تقلده المنصب أقدم خامنئي على تغييرات دستورية لتتسع صلاحياته وتتغير ولاية الفقيه من النسبية إلى المطلقة. ومع تصاعد الخلافات بين الشريكين الأساسيين في النظام، خاصة بعد دعم خامنئي المطلق للرئيس السابق، محمود أحمدي نجاد، اتجه رفسنجاني وجماعته إلى إحياء ذكرى الخميني والتقرب من حفيده، في محاولة للضغط على خامنئي، وهو ما اعتبره خامنئي في يونيو (حزيران) الماضي محاولات لتحريف صورة الخميني.
وأظهرت مقاطع الفيديو التي نشرها ناشطون في طهران ترديد شعارات تشيد بمحمد خاتمي ومير حسين موسوي ومهدي كروبي، وعلى الصعيد ذاته أكدت وكالات الأنباء الحكومية مشاركة مهدي كروبي المرشح الرئاسي الذي تفرض عليه السلطات الإقامة الجبرية بعد احتجاجات الانتخابات الرئاسية في 2009، وانقسم الإيرانيون حول مشاركة كروبي واعتبرها أنصار خامنئي، تراجعا عن مواقفه السابقة واعترافا بنزاهة الانتخابات، فيما اعتبر مناصروه المشاركة طريقة ذكية منه لكسر حاجز الإقامة الجبرية. وعلى الصعيد ذاته قال موقع «مشرق نيوز» التابع لمخابرات الحرس الثوري إن مير حسين موسوي وزوجته زهرا رهنود رفضا الإدلاء بصوتيهما في مقر إقامتهما الجبرية، ونفى من جانبه موقع «كلمة» المقرب من مكتب مير حسين موسوي صحة ما تناقلته مواقع الحرس الثوري، وأضاف أن موسوي وزوجته «تقدما الأسبوع الماضي بطلب إلى السجان لتمكينهما من المشاركة في الانتخابات».
في غضون ذلك، شدد هاشمي رفسنجاني على أهمية الانتخابات البرلمانية ومجلس خبراء القيادة وتأثيرهما على مستقبل البلاد في السنوات المقبلة، في إشارة ضمنية إلى انتخاب خليفة خامنئي في الفترة المقبلة. وفي إشارة واضحة إلى خلفية التلاعب بنتائج الانتخابات سابقا قال رفسنجاني إن «أسوأ الذنوب خيانة الأمانة».
من جهته، دافع عضو مجلس صيانة الدستور، محمد يزدي، عن رفض أهلية المرشحين في البرلمان ومجلس خبراء القيادة، قائلا إنه أبعد «المترفين» من الانتخابات. وكان مجلس صيانة الدستور أبعد حفيد الخميني وعددا كبيرا من المرشحين من خوض الاستحقاقين الانتخابيين في إيران. وأكد آية الله يزدي لدى الإدلاء بصوته أمس في قم أنه «يتعذر» عليه كشف المزيد من التفاصيل حول إقصاء المرشحين. ونقلت وكالة تسنيم عن يزدي قوله إن أغلب المرفوضة طلبات ترشحيهم «من بين الأشخاص الذين يفكرون بمصالح شخصية».
واحتدم النقاش حول الانتخابات بعد إبعاد عدد كبير من المرشحين لانتخابات البرلمان ومجلس خبراء القيادة من قبل مجلس صيانة الدستور، ووافق المجلس على أهلية ثلاثة في المائة فقط من المرشحين الإصلاحيين، قبل أن يتراجع ويوافق على عودة نسبة قليلة منهم إلى المعركة الانتخابية.



واشنطن تلجأ لـ«الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران

الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)
الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تلجأ لـ«الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران

الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)
الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عبر منصته «تروث سوشيال»، نشر تصريحات وزير الخزانة سكوت بيسنت لشبكة «نيوزماكس»، في إشارة سياسية واضحة إلى تبنيه التهديد الذي أطلقه الوزير بفرض إجراءات على إيران قال إنها ستكون غير مسبوقة في تاريخ العزل الاقتصادي للدول.

من جانبه، قال نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، إن الأولوية الرئيسية للولايات المتحدة في الحرب ضد إيران هي الحفاظ على أسعار النفط منخفضة للأميركيين، فيما تأتي مسألة منع طهران من حيازة سلاح نووي في المرتبة الثانية.

وتتباين هذه التعليقات مع تصريحات ترمب السابقة التي كرر فيها أن الهدف الوحيد من دخول الحرب هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، حتى لو تطلب ذلك تضحيات اقتصادية قصيرة الأجل من الأميركيين.

كما أكدت تعليقات فانس على حقيقة أن الحرب تتمحور الآن حول السيطرة على مضيق هرمز، وهي القضية التي فرضتها إيران على رأس جدول أعمال المفاوضات.

وأضاف فانس في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «أعلم أن أسعار النفط منخفضة هذه الأيام، وأكثر انخفاضاً من المستويات المرتفعة التي سجلتها في الأيام الأولى للنزاع»، متابعاً: «هذا هو الهدف الأول؛ الحفاظ على أسعار رخيصة للنفط والغاز للأميركيين في جميع أنحاء بلادنا». وأردف: «وبعد ذلك من الواضح أن الهدف الثاني هو ضمان ألا تحصل إيران أبداً على سلاح نووي».

النهج الأكثر حذراً

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» تَعبر بحر العرب في وقت سابق ضمن دعمها الحصار الأميركي المفروض على إيران (سنتكوم)

وكان نائب الرئيس من بين أعضاء الإدارة الأميركية الأكثر تشكيكاً في جدوى الهجوم ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

غير أن تصريحاته الأخيرة تبدو وكأنها تؤكد النهج الأكثر حذراً الذي يفضله الرئيس الأميركي حالياً، والقائم على مواصلة الضغط الاقتصادي القوي على إيران في ظل استمرار المواجهة العسكرية في مضيق هرمز.

وقال فانس أيضاً: «في بعض الأحيان نركز على الجانب المتعلق بالطاقة لأننا نريد أن يكون الأميركيون قادرين على تحمل أسعار النفط والغاز. وفي أحيان أخرى، نركز بوضوح على الجانب العسكري... وعلى البرنامج النووي».

وأكد فانس أن ترمب هو «في ذروة سلطته ويمتلك أدوات عديدة؛ دبلوماسية وعسكرية واقتصادية».

ويأتي قرار التركيز على الضغط الاقتصادي في وقت يبدو فيه المسار الدبلوماسي مسدوداً؛ حيث تتمسك كل من واشنطن وطهران بشروطهما الخاصة بإعادة فتح المضيق.

وفيما يتعلق بالخيارات العسكرية، تشير تقارير إعلامية أميركية إلى أن ترمب يواجه تحدي النفاد السريع لمخزونات معينة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

خنق القنوات المالية

مبنى بنك تضرر جراء حريق خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في طهران يناير الماضي (إ.ب.أ)

ولم يكشف بيسنت تفاصيل الحزمة الجديدة التي قال إنها ستُعلن الأسبوع المقبل، لكنه رسم ملامح استراتيجية تتجاوز جولة تقليدية من العقوبات، تقوم على الجمع بين خنق القنوات المالية الإيرانية واستمرار الحصار البحري، بما يجعل المال والتجارة والطاقة أجزاء من جبهة ضغط، ما يشير إلى أن واشنطن قررت اللجوء إلى «الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران.

وتتركز الأنظار في واشنطن حالياً على مدى استعداد إدارة ترمب للذهاب بالعقوبات إلى الحلقة الأكثر حساسية: المؤسسات المالية الصينية التي تمر عبرها أموال النفط الإيراني. فإذا أقدمت واشنطن على استهدافها، ستكون إدارة ترمب قد انتقلت عملياً من سياسة «الضغط الأقصى» التي اتبعها ترمب خلال ولايته الأولى إلى ما يمكن وصفه بـ«العزل الأقصى».

أما إذا اقتصرت الإجراءات الجديدة على ناقلات النفط وشركات الصرافة والمحافظ الرقمية وشبكات الوساطة، فقد تكون الحزمة مؤلمة لطهران، لكنها لن ترقى بالضرورة إلى مستوى «العزل غير المسبوق» الذي وعد به بيسنت.

«المعادل المالي» للعمليات العسكرية

وكان بيسنت قد قال، على قناة «نيوزماكس»، إنه سيعلن رسمياً الأسبوع المقبل استراتيجية جديدة تقوم على نهج مزدوج يجمع بين «عزلة اقتصادية غير مسبوقة» وحصار بحري مستمر عبر مضيق هرمز.

وأوضح أن الهدف من الضغوط المالية والبحرية هو منع دخول البضائع والشحنات التجارية إلى الموانئ الإيرانية أو خروجها منها، واصفاً التصعيد الاقتصادي المرتقب بأنه «المعادل المالي» للعمليات العسكرية.

وكشف بيسنت أن وزارة الخزانة أبلغت شركات ودولاً بأن شراء النفط الإيراني أو الاحتفاظ بأموال إيرانية في مصارفها قد يعرّضها لعقوبات ثانوية أميركية. كما قال إن مصارف صينية تلقت بالفعل رسائل تحذير مباشرة من واشنطن، وإن الولايات المتحدة مستعدة لفرض عقوبات ثانوية عليها إذا ثبت مرور أموال إيرانية عبر حساباتها.

وتشير هذه التصريحات إلى أن الحزمة المنتظرة قد تتحرك عبر دوائر متصاعدة تبدأ بالنفط الإيراني ومشتريه، مروراً بـ«أسطول الظل» الذي ينقله، وشركات التأمين والموانئ والوسطاء، وصولاً إلى شبكات الصرافة والبنوك الموازية والعملات المشفرة، ثم، في الدائرة الأكثر حساسية، المؤسسات المالية الأجنبية التي تسمح بتسوية المدفوعات.

وقد تمتد الإجراءات أيضاً إلى شبكات شراء المكونات العسكرية في الصين وهونغ كونغ.

خمس جبهات للعقوبات

وتشير مؤشرات عدة إلى خمسة مجالات رئيسية قد تستهدفها الحزمة الجديدة في إطار حملة وزارة الخزانة التي تحمل اسم «الغضب المالي».

أولاً: النفط الإيراني إلى الصين. ويبدو هذا القطاع الأكثر أهمية؛ إذ قد تضع واشنطن المؤسسات المالية والبنوك الصينية التي تموّل مشتريات النفط الإيراني أمام خيار صعب: الاستمرار في تسهيل التجارة مع طهران، أو المخاطرة بفقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

ثانياً: أسطول الظل والشحن والتأمين. ومن المتوقع أن توسع وزارة الخزانة العقوبات المفروضة على شبكات نقل النفط الإيراني. وكانت واشنطن قد استهدفت شبكة مرتبطة بحسن شمخاني، شملت أكثر من 50 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بتجارة النفط والشحن. وقد تمتد الجولة المقبلة إلى ملاك السفن وشركات التصنيف والتأمين وإعادة التأمين والموانئ والوسطاء الذين يتيحون استمرار حركة «أسطول الظل».

ثالثاً: البنوك الموازية وشبكات تحويل الأموال. وترى واشنطن أن إيران طورت شبكة واسعة من الشركات الموازية وشركات الصرافة لتجاوز النظام المصرفي التقليدي. وقالت وزارة الخزانة إن بعض هذه الشبكات تنقل مليارات الدولارات من العملات الأجنبية سنوياً. ولذلك قد تتجه العقوبات إلى الأطراف الأجنبية التي تستضيف الحسابات أو تتولى تحويل الأموال، وليس إلى الشركات الإيرانية وحدها.

رابعاً: العملات المشفرة والذهب. وتتحرك الخزانة الأميركية بالفعل في هذا الاتجاه منذ فترة. فقد استهدفت في يونيو (حزيران) الماضي منصة «نوبيتكس»، التي تعد أكبر بورصة للأصول الرقمية في إيران، إلى جانب ثلاث بورصات أخرى. ومن المتوقع أن تتوسع الإجراءات لتشمل الذهب والأحجار الكريمة والأصول الرقمية، باعتبارها وسائل بديلة لنقل الأموال خارج النظام المصرفي التقليدي.

خامساً: شبكات المشتريات العسكرية في الصين وهونغ كونغ. وقد سبق لوزارة الخزانة أن فرضت عقوبات على شركات في الصين وهونغ كونغ بتهمة مساعدة «الحرس الثوري» ووزارة الدفاع الإيرانية في الحصول على مكونات عسكرية. ومن المرجح أن تتوسع الإجراءات لتشمل شبكات شراء مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من المعدات العسكرية.

الصين... الحلقة الحاسمة

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي قبيل اجتماعهما في بكين يوم 6 مايو 2026 (أ.ب)

لكن الصين تبقى الحلقة الحاسمة والأكثر خطورة في استراتيجية «العزل الأقصى».

فقد أثبتت إيران قدرتها على التعايش مع العقوبات ما دام النفط يجد طريقه إلى السوق الصينية، التي تستوعب نسبة كبيرة من صادراتها، عبر مصافٍ مستقلة وشركات وسيطة وشبكات معقدة للشحن والتمويل. ولذلك يرى خبراء أن استهداف الناقلات وشركات الواجهة يرفع كلفة الالتفاف على العقوبات، لكنه لا يغلق الشريان المالي الإيراني. أما الوصول إلى البنوك الصينية التي تسوّي مدفوعات النفط، فقد يغيّر المعادلة جذرياً.

وسبق لواشنطن أن فرضت عقوبات على شركة «هينغلي بتروكيميكال» الصينية وعشرات الشركات والناقلات المرتبطة بالنفط الإيراني. وردت بكين باستخدام قانونها لمكافحة العقوبات، بما يكشف المعضلة التي يواجهها بيسنت: فكلما أصبحت العقوبات على طهران أكثر فاعلية، اقتربت واشنطن أكثر من مواجهة اقتصادية مع الصين.

ويحذر دانيال بيكارد، المتخصص في العقوبات، من التداعيات الدبلوماسية والاقتصادية للعقوبات الثانوية، خصوصاً على الصين، في ظل التوترات التجارية القائمة بين واشنطن وبكين.

في المقابل، يرى برايان بانر، المحقق السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، أن الولايات المتحدة تستطيع خفض صادرات إيران النفطية، لكن من الصعب عليها تصفيرها بالكامل.

الاختبار الحقيقي لبيسنت

وفي هذا السياق، يرى خبراء أن لائحة أسماء الشركات والكيانات المستهدفة في الحزمة الجديدة ستكون أهم من حجمها أو عدد العقوبات التي ستتضمنها.

فإذا شملت العقوبات مؤسسة مالية صينية ذات وزن، فسيكون ذلك مؤشراً إلى أن إدارة ترمب مستعدة للمخاطرة بمواجهة مع بكين في سبيل ضرب الشريان المالي الإيراني. أما إذا بقيت البنوك الصينية الكبرى خارج القائمة، فسيكون البيت الأبيض قد احتفظ بأقوى أوراقه لاستخدامها في المساومة لاحقاً.

وفي الحالتين، لا يكمن الاختبار الحقيقي لسياسة بيسنت في قدرته على إلحاق الضرر بالاقتصاد الإيراني فحسب، بل في قدرته على تحويل هذا الألم الاقتصادي إلى تنازل سياسي من طهران، من دون أن ترتد كلفة «العزل الأقصى» على أسعار النفط، أو العلاقة مع الصين، أو الحسابات السياسية لإدارة ترمب في الداخل الأميركي.


ترمب: سنضرب إيران اقتصادياً بقوة... وسأعلن قريباً أن «هرمز» بات تابعاً لأميركا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: سنضرب إيران اقتصادياً بقوة... وسأعلن قريباً أن «هرمز» بات تابعاً لأميركا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

نقلت محطة ​«فوكس نيوز» عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قوله إن الولايات المتحدة ‌ستضرب إيران اقتصادياً ‌بقوة، ​وذلك ‌في ⁠وقت ​تواجه فيه ⁠الدولتان صعوبات جمة في سبيل التوصل لاتفاق لإنهاء الحرب ⁠الدائرة بينهما ‌منذ ‌نحو ​ستة ‌أشهر.

وقال ترمب، ‌الجمعة، ‌إنه ​سيعلن ‌قريباً ⁠جداً ​أن مضيق هرمز ⁠بات تابعاً للأراضي الأميركية. ويشكل ⁠ذلك ‌تصعيداً للتصريحات ‌الحادة ​المتبادلة ‌بشأن ‌السيطرة على المضيق الذي تمر ‌عبره حصة كبيرة من ⁠إمدادات ⁠النفط من الشرق الأوسط للأسواق العالمية.

وبدا أن حركة العبور عبر مضيق هرمز توقفت تقريباً، الجمعة، بعد تعرض سفينتين أخريين لهجمات هناك، بينما قالت الولايات المتحدة إنها قد تُبقي حصاراً بحرياً على إيران إلى أجل غير مسمى.

ونقلت وكالة «رويترز» للأنباء عن مصدر إيراني كبير قوله، الأربعاء، أن المحادثات الرامية إلى البناء على اتفاق يونيو (حزيران) لإنهاء الحرب لم تُحرز تقدماً.

وبعد تمديد وقف إطلاق النار ثم انهياره، استأنفت إيران الهجمات على سفن تتهمها بمحاولة عبور المضيق دون إذن منها.

وأفادت «وكالة أنباء الإمارات الرسمية» بأن سفينتين تابعتين لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) تعرضتا لهجوم في أثناء عبورهما المضيق، مساء الخميس. وأشارت حكومة الإمارات بأصابع الاتهام إلى إيران التي لم تُصدر تعليقاً حتى الآن.

مصدر نفوذ رئيسي

ووفقاً لبيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن، عبرت 9 سفن الممر المائي عند مدخل الخليج، الخميس، ارتفاعاً من 5 سفن يوم الأربعاء، لكنها ظلت دون المتوسط المسجل في أغسطس (آب) البالغ 12 سفينة.

ولم تظهر بيانات تتبع السفن عمليات عبور يمكن رصدها في الساعات الأولى من اليوم الجمعة.

وربما تعبر بعض السفن دون رصدها مع إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال بها، لكن هذه الأرقام لا تقترب مطلقاً من معدل تجاوز 130 سفينة كانت تعبر مضيق هرمز يومياً قبل الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في فبراير (شباط).

وقال توربيورن سولفيدت كبير محللي شؤون الشرق الأوسط لدى شركة «فيريسك ميبلكروفت» المتخصصة في استخبارات المخاطر: «إلى جانب التهديد الذي تتعرض له البنية التحتية للطاقة في المنطقة، فإن قدرة إيران على تقييد حركة الشحن عبر المضيق تمثل مصدر نفوذها الرئيسي في المفاوضات».

توعد بإجراءات جديدة

وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث للصحافيين إن جيش بلاده قادر على الإبقاء على وجود بحري في المنطقة لمواصلة الحصار على إيران الذي ألحق أضراراً اقتصادية جسيمة بإيران.

وأضاف هيغسيث للصحافيين خلال زيارة إلى بنما: «يمكن للبحرية الأميركية مواصلة فرض حصار كهذا إلى أجل غير مسمى؛ لأننا سنقوم بعملية تناوب بين السفن داخل وخارج المنطقة، كما فعلنا من قبل، وسنواصل القيام بذلك».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الخميس، إن الولايات المتحدة تعتزم إلحاق المزيد من الضرر المالي بإيران.

وأضاف في مقابلة مع برنامج «روب شميت تونايت» على محطة «نيوزماكس»: «ترقبوا المزيد من القرارات الأسبوع المقبل، لأننا سنطبق إجراءات لم يسبق لها مثيل في تاريخ العزلة الاقتصادية لأي دولة».

ويتعرض الرئيس دونالد ترمب لضغوط داخلية لإنهاء حرب يعارضها معظم الأميركيين. ويتسبب ارتفاع أسعار الوقود في انخفاض معدل تأييده وهو ما قد يقوض فرص الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالأغلبية في الكونغرس عند إجراء انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

حظر عبور

وزاد اعتماد الهند على النفط الخام الروسي إلى مستوى قياسي في يوليو (تموز).

وقال ترمب مراراً إن الولايات المتحدة لديها «سيطرة كاملة» على المضيق، الذي كان يمر عبره 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية قبل اندلاع الحرب، وهو ما تنفيه إيران.

وقالت طهران إنها لن تسمح بإعادة فتح الممر المائي حتى تتم تلبية شروطها. وتشمل هذه الشروط رفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.

ووافقت لجنة برلمانية إيرانية على خطة بشأن المضيق. وقالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن الخطة تشمل بنداً يحظر عبور الأصول والمعدات التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل ودول «معادية» أخرى.

ورفعت الولايات المتحدة حصارها عن الشحنات والموانئ الإيرانية لمدة شهر في منتصف يونيو، لكنها أعادت فرضه لاحقاً مما قطع مصدر طهران الرئيسي للعملة الصعبة وزاد من الخسائر السابقة الناجمة عن الضربات التي تعرضت لها بنيتها التحتية للطاقة خلال الحرب.

وذكرت واشنطن في وقت سابق أنها سترفع الحصار بمجرد توصل إيران وعمان، الواقعة على الجانب الآخر من المضيق، إلى اتفاق لاستئناف الملاحة التجارية.

تهديد وإحجام

هدد ترمب مراراً بتصعيد العمليات العسكرية و«ضرب إيران بقوة» رغم أنه يحجم حتى الآن عن نشر قوات برية والسيطرة على الجزر الاستراتيجية، وقصف محطات تحلية المياه.

وفي وقت سابق من الأسبوع، أشار ترمب إلى أنه سيعتمد على الضغط الاقتصادي بدلاً من العمل العسكري.

وشددت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية على إيران وأفراد وكيانات أخرى تقول إنهم يساعدون طهران في الحصول على أسلحة، لكن حملة الضغط أخفقت حتى الآن في إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات.

وتوقع خبراء الاقتصاد انخفاضاً حاداً في النمو العالمي ودخول بعض الدول في حالة ركود، محذرين من أن التأثير سيتفاقم إذا لم تنته الحرب قريباً.


كوشنر في المنطقة... اختبار أميركي لنتنياهو بين غزة والضفة والانتخابات

جاريد كوشنر يتحدث في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)
جاريد كوشنر يتحدث في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)
TT

كوشنر في المنطقة... اختبار أميركي لنتنياهو بين غزة والضفة والانتخابات

جاريد كوشنر يتحدث في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)
جاريد كوشنر يتحدث في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)

لا تبدو زيارة المفاوض الأميركي، جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترمب، إلى إسرائيل ومصر، الأسبوع المقبل، مجرد جولة جديدة لإنعاش خطة متعثرة في غزة. فالوفد الذي يضم الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وعضو مجلسه التنفيذي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، يصل في لحظة يتسع فيها التباعد بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وتدخل فيها حسابات الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) على خط الملفات الإقليمية.

وفي موازاة الخلاف حول نزع سلاح «حماس» والانسحاب الإسرائيلي، تحولت اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية إلى اختبار آخر لقدرة حكومة نتنياهو والجيش الإسرائيلي على ضبط الأرض والاستجابة لمطالب واشنطن.

تفاهم قبل التنفيذ

ومن المقرر أن يصل كوشنر وملادينوف وبلير إلى إسرائيل، الأحد، قبل الانتقال إلى القاهرة، وفق ما أفادت به وكالة «أسوشييتد برس». وفي إسرائيل، سيجري الوفد محادثات مع نتنياهو ومسؤولين كبار، فيما تشمل لقاءات القاهرة وسطاء من مصر وقطر وتركيا، بالتوازي مع الاجتماعات التي تعقدها المجموعة الفلسطينية التكنوقراطية المرشحة لتولي إدارة غزة.

ترمب مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ونيكولاي ملادينوف في دافوس (أرشيفية - رويترز)

الهدف المباشر هو إيجاد صيغة تسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية من خطة ترمب: نزع سلاح «حماس» والفصائل الأخرى، ونقل الإدارة المدنية والأمنية إلى حكومة فلسطينية من التكنوقراط، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي ودخول قوة دولية للمساعدة في تثبيت الأمن.

وقال مصدر مطلع لـ«رويترز» إن واشنطن وإسرائيل متفقتان على هدف نزع سلاح «حماس»، لكن لدى الإسرائيليين مخاوف «مشروعة» يعمل الطرفان على معالجتها.

المشكلة أن ترتيب الخطوات لا يزال موضع نزاع. فـ«حماس» وافقت على الخطة، لكنها ربطت التنفيذ بقيام إسرائيل أولاً بالوفاء بالتزاماتها، وفي مقدمها وقف الهجمات والانسحاب. أما نتنياهو فأعلن أنه لن يسحب القوات قبل اكتمال نزع السلاح، رافضاً عملياً الصيغة المتدرجة التي تطرحها واشنطن.

وكشف موقع «أكسيوس» أن الخلاف العلني لا يعكس كل ما يجري خلف الأبواب المغلقة. فقد وعد نتنياهو كوشنر، في اتصال سابق، بمنح الخطة فرصة، والحد من الضربات على غزة لتهيئة الظروف لعملية نزع السلاح. ومنذ ذلك الحين، تراجعت وتيرة الغارات، وانسحب الجيش إلى «الخط الأصفر» المنصوص عليه في التفاهمات. لذلك تنظر الإدارة إلى رفض نتنياهو العلني بوصفه، جزئياً، خطاباً انتخابياً أكثر منه قراراً نهائياً بإسقاط الخطة.

نتنياهو يتوسط المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية بالقدس (أرشيفية - إ.ب.أ)

الانتخابات تعمّق التباعد

لا تريد إدارة ترمب أن تتحول انتخابات أكتوبر إلى ذريعة لتجميد ملف غزة أشهراً إضافية. لكن نتنياهو لا يستطيع، في المقابل، أن يظهر أمام قاعدته اليمينية كأنه يقدم تنازلات تحت الضغط الأميركي، وخصوصاً بعدما هاجمه حلفاؤه وخصومه على السواء بسبب احتمال القبول بانسحاب إسرائيلي قبل تسليم «حماس» جميع أسلحتها.

وقال مسؤول أميركي لـ«أكسيوس» إن واشنطن تتفهم «الاحتياجات السياسية» لنتنياهو ما دام يواصل تنفيذ ما تطلبه، ولا سيما كبح الهجمات على غزة. ويختصر تعليق مسؤول آخر بأن «الانتخابات تجعل الجميع في حال من الهلع»، مقدراً التوتر الذي يحيط بالمحادثات.

فنتنياهو يخوض الانتخابات من موقع صعب. وتظهر الاستطلاعات التي أوردها موقع «أكسيوس» حصول ائتلافه على ما بين 49 و53 مقعداً، بعيداً من عتبة الـ61 اللازمة لتشكيل حكومة، مقابل 67 إلى 70 مقعداً لأحزاب المعارضة. وفي هذه الظروف، يكتسب موقف ترمب أهمية خاصة؛ إذ امتنع، رغم سؤاله أربع مرات، عن إعلان تأييد نتنياهو، بعدما كان دعمه له شبه محسوم في مراحل سابقة.

اتساع الخلاف في المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

هذا الامتناع لا يعني قطيعة شخصية، خصوصاً أن ترمب يؤكد أن علاقته بنتنياهو «جيدة جداً»، لكنه يعكس اتساع الخلاف في المصالح السياسية. فالرئيس الأميركي يريد إنجازاً في غزة وتحريك ملفات لبنان وسوريا والتطبيع، بينما يرى نتنياهو أن التشدد الأمني والقدرة على تحدي الضغوط الخارجية قد يكونان أكثر فائدة انتخابياً. ومن هنا تحمل زيارة كوشنر رسالة مزدوجة: لا رغبة في صدام علني، لكن لا استعداد أيضاً لترك الأجندة الإسرائيلية الداخلية تعطل خطة ترمب الإقليمية.

الضفة جبهة ضغط ثانية

يزداد هذا الاختبار تعقيداً مع انفلات الوضع في الضفة الغربية. ففي قرية قصرة قرب نابلس، حاصر مستوطنون منازل فلسطينية وقطعوا عنها المياه والكهرباء، وبينها منزل يملكه فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية. ورغم تدخل الجيش وتفكيكه منشآت أقامها المستوطنون واحتجازه أحدهم، عاد عدد منهم بعد ساعات، ما أثار أسئلة عن قدرة المؤسسة العسكرية، أو إرادتها، في منع الاعتداءات.

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

وأفادت «رويترز» بأن واشنطن تضغط على نتنياهو لإدانة حصار قصرة علناً، فيما لا يزال رئيس الوزراء ملتزماً الصمت. أما السفير الأميركي مايك هاكابي، المعروف بتأييده التاريخي للمستوطنات، فاستخدم لغة غير مألوفة، واصفاً ما جرى بأنه عمل إرهابي وإجرامي، ومعتبراً المسؤولين عنه «إرهابيين إسرائيليين».

ووفق بيانات أممية نقلتها «نيويورك تايمز»، نفذ مستوطنون متطرفون ما لا يقل عن 1380 اعتداءً شملت 250 تجمعاً فلسطينياً خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، مع مستوى شبه كامل من الإفلات من العقاب. ونقلت الصحيفة عن العميد الإسرائيلي المتقاعد غاي حازوت، الذي سبق أن تولى مسؤوليات في الضفة، قوله إن الجيش «فقد السيطرة» هناك.

لذلك، تبدو رحلة كوشنر أوسع من محاولة ترتيب الانسحاب ونزع السلاح في غزة. إنها اختبار لما إذا كانت واشنطن قادرة على انتزاع تعاون عملي من نتنياهو من دون منحه تأييداً انتخابياً، وما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تستطيع ضبط حلفائها المتشددين في غزة والضفة معاً. والنتيجة ستحدد إن كانت خطة ترمب قابلة للتحول إلى مسار سياسي، أم أنها ستظل تفاهمات هشة تحاصرها حسابات الانتخابات وفوضى الميدان.