وليام باكلي يشعر بالملل من الحياة ومستعد للرحيل

ردود الصحافي الأميركي على القراء في آخر حواراته التلفزيونية تثير الجدل

وليام باكلي
وليام باكلي
TT

وليام باكلي يشعر بالملل من الحياة ومستعد للرحيل

وليام باكلي
وليام باكلي

في واحد من آخر حواراته التلفزيونية، وبعد أن تجاوز الثمانين، صدم الصحافي الشهير وليام باكلي محاوره بالقول إنه يشعر بالملل من الحياة ومستعد تماما للرحيل. تجمد وجهه المكتئب للحظات ولمعت عيناه الدامعتان، ثم أكمل مبررا هذه الرغبة: «فعلا أنا مستعد للتوقف عن الاستمرار. أشعر أني فقط عالق وأنتظر، لو أن هناك حبة دواء لو تناولتها ستعيدني إلى عمر الخامسة والعشرين، فلن أبتلعها».
هذه الكلمات الحزينة لا تعكس بالتأكيد حياة هذا الصحافي الكبير الذي امتص عصير السعادة قطرة قطرة. فهو ليس فقط صحافيا نشر الكثير من المقالات التي لا تنسى، بل أيضا مؤسس ورئيس تحرير للمجلة الشهيرة «ناشيونال ريفو»، كما أنه من أشهر الشخصيات التلفزيونية ومقدم أحد أشهر البرامج الحوارية التي تجادل فيها مع أهم الشخصيات السياسية والفكرية. كما أنه، بغير رغبة منه، أصبح عراب الكثير من الصحافيين المحافظين الذين ما زالوا، رغم رحيله منذ سنوات، يرون فيه الرمز الذي استطاع أن يعرض الأفكار المحافظة بأكثر الأساليب جاذبية وإقناعا. لم يحدث ذلك بسبب أسلوبه الفريد في الكتابة والنقاش فقط ولكن بسبب شخصيته الساحرة التي تجعل حتى خصومه يقعون في حبه. ولكنه أيضا تميز على مستوى الأدب فله الكثير من الروايات الناجحة وكذلك مجموعة من الكتب الفكرية والسياسية. على مستوى الحياة الشخصية كان مثالا على الرجل السعيد الذي عاش حياته طولا وعرضا، فهو مشهور برحلاته البحرية التي يخترق فيها المحيطات ويحط بأجمل المدن الشاطئية لديه الكثير من الصور الذي تظهر فيها ملامحه المبتهجة ورياح المحيطات المنعشة تدغدغ وجهه. كان سعيدا في زواجه ومحاطا بالمعجبين والمعجبات، ولديه ابن ناجح في مهنته ككاتب وروائي. كما أنه أيضا عاشق للموسيقى الكلاسيكية - خصوصا باخ - وعازف مجيد.
ربما حزنه هذا نتج لعجزه عن الاستمتاع في الحياة بسبب تقدمه في السن وما يأتي معه من أعطال جسدية لا مهرب منها. ولهذا يتمنى السعداء من كبار السن من لم يعرفوا الأمراض طيلة حياتهم أن يرحلوا بسلام وهم غاطسون في النوم. ستكون نهاية مناسبة لحياة سعيدة، من دون أن يدخلوا في المساومات الخاسرة مع الأمراض التي لا تتوقف حتى تكمل مهمتها.
الشعور بأنه بات مسجونا بجسد متعطل هذا سبب والسبب الآخر هو أنه فقد أصدقاءه، وهو ككل الصحافيين الذين لا يمكن أن يحققوا شروط عملهم إلا من خلال الالتحام بالواقع لأن الصحافة هي متابعة متواصلة، وانغماس غير منقطع بالتفاصيل المثيرة للحياة اليومية. الأصدقاء مصدر كبير للاتصال بالتدفق المنعش للحياة. يقول أحد المقربين له «لا يحب لحظات الوداع. يكره عندما يقرر الأصدقاء الرحيل من السهرة واحدا تلو الآخر. يريد أن يكون محاطا دائما بأصدقائه. قام مرة بكتابة أحد مقالاته وهممت بالانصراف، ولكنه قال اقترب، اجلس بجانبي،لا تذهب».
صنع باكلي مجده من خلال الكثير من المعارك الفكرية والسياسية التي خاضها، والتي لم هُزم في بعضها. ولكن من خلال السخرية استطاع أن يحول الهزائم إلى نصف انتصارات.
ومن أبرز المعارك التي خاضها دفاعه عن السيناتور جو مكارثي في حربه على من اتهمهم باعتناق الأفكار الشيوعية، باكلي كان من أكثر الشخصيات التي شنت حربا لا هوادة فيها على الأفكار الشيوعية، وعلى رموزها واعتبرها التهديد الأساسي للولايات المتحدة الأميركية، ولكنه أيضا اعترف بعد ذلك أن مكارثي ذهب أبعد مما يجب. مجلته تعرضت أيضا للنقد الشديد بحجة أنها عارضت حركة الحقوق المدنية التي قادها مارتن لوثر كينغ في الستينات من القرن الماضي، ولكنه اعترض على تدخل الحكومة في فرض هذه الحقوق. الحكومة، بحسب العقيدة السياسية المحافظة التي روج لها، يجب أن تظل محدودة الوظائف وقصيرة الأذرع.
وما يجعل شخصية الصحافي باكلي أكثر جاذبية وتعقيدا، هو تعدد مواهبه وقدرته على فعل أشياء متنوعة لا يستطيع أن يجيدها غيره، فهو يكتب ويناظر عن أكثر القضايا السياسية والفكرية تعقيدا، مع أنه قال مرة إنه يكتب عن السياسة فقط إذا دفع له المال، ولكنه لا يتردد بطعن خصومه بأكثر السكاكين سمية. كتب مرة عن الليبراليين اليساريين - خصومه الآيديولوجيين - بأنهم كرماء فقط بأموال غيرهم، وبأنهم «يزعمون أنهم يريدون الاستماع لوجهات النظر الأخرى، ولكنهم يصابون بالصدمة والإهانة إذا عرفوا أن هناك وجهات نظر أخرى!»، لباكلي أيضا الكثير من العبارات التي تجمع بين اللؤم والطرافة، فقد انتقده مرة أحد الشخصيات لأنه لا يجلس مستقيما على الكرسي وأنه دائم الميلان والانحناء، فرد عليه: «لو كان لديك المعرفة التي لدي، لانحنيت مثلي». وفي مقولة أخرى طريفة رغم رائحة الغرور التي تفوح منها، يكتب: «لن أقوم بإهانة ذكائك بالقول هل تؤمن بالفعل بما قلت للتو». وفي موقع آخر يعبر بكلمات لا تبدو مقبولة إلا منه. يكتب: «أود أن آخذك على محمل الجد، ولكني سأهين ذكاءك إن فعلت».
في أحد كتبه يجمع باكلي مئات الرسائل التي وصلته من القراء، وردوده عليها طيلة السنوات الخمسة والثلاثين التي قضاها رئيسا للتحرير. في الكثير من هذه الرسائل، يدخل باكلي في نقاشات فكرية وسياسية، ولكن هذا ليس الممتع في الكتاب. الجزء الأكثر حيوية وإمتاعا هو الردود الذكية والطريفة على رسائل القراء المعجبة والساخرة والمهينة أحيانا. في إحدى الرسائل قالت له إحدى القارئات المعجبات بأن عقله الجميل لم ينعكس على شكله غير الوسيم، وأرفقت مشطا مع الرسالة، فرد عليها: «لقد قمت بتمشيط شعري، فماذا علي أن أفعل بعد ذلك؟!»، في رسالة أخرى بعثها له مجموعة من القراء يسخرون منه بالقول إنهم يضعون صورة كبيرة له في الصالون وفي كل مرة ينهض أحدهم يقوم بقرصه على أحد خديه، فيرد: «لا أمانع لو قبلتم يدي!»، أحد القراء الحانقين وصفه بالناطق باسم الشيطان المعتمد على الغش والخداع والألاعيب القذرة لتحقيق غاياته. ويضيف القارئ: «سأثق بالثعبان قبل أن أثق بك أو أثق بأي أحد تدعمه». ليرد عليه رئيس التحرير الشهير بلغة ماكرة غير مبالية: «ماذا ستفعل إذن لو دعمت الثعبان؟!»، تتواصل الرسائل المتهكمة اللاذعة التي تجد ردودا أكثر لوذعية. في واحدة من الرسائل يقول أحد القراء: «تركيبك للجمل في غاية السوء»، ليرد عليه: «لو كنت تملك قدرتي في تركيب الجمل لأصبحت ثريا!». أحد القراء المحافظين المحبين له ينتقده بسبب قصة شعره التي تظهره بمظهر المنتمين لليسار ويطالبه بتغيرها، فيأتي رد الكاتب «لو أن مظهري بدا جميلا أيضا،ألا أتظن سيكون ذلك كثيرا جدا؟!». أما أحد القراء المعتوهين فيخبره برغبته في الدخول للانتخابات الرئاسية ويطلب دعمه. لا يضيع باكلي الجمهوري هذه الفرصة ليسخر من خصومه. يكتب له: «أنصحك بالدخول في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. ستكون أكثر تأهيلا من جميع المتنافسين الحاليين».
كل هذه الردود تعبر عن الروح الساخرة التي رافقت هذا الصحافي الكبير طوال تاريخه المليء بالصراعات الفكرية والسياسية. هل أمنياته الحزينة بالرحيل في بداية هذا التقرير تؤكد على أنه خسر هذه الروح في آخر أيامه؟ الحقيقة لا. بعد ثوان من تصريحه بتلك الكلمات الحزينة، بدا كما لو أنه أراد أن يسخر مما قاله. كانت الفكرة المثيرة حاضرة في ذهنه المتوقد على الدوام. اشتعلت عيناه وعدل جلسته وقال لمضيفه مستذكرا مقولة أحد الكتاب: «مشكلة كبار السن الذين يرغبون بالرحيل، هم الأطباء الشباب الذين يصممون على إبقائهم على قيد الحياة!».



تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.


الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار، وذلك بحسب استطلاع شمل 5397 بالغاً. وهذا أمر عدَّه خبراء «تحدّياً لمؤسسات إعلامية، ليس فقط لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار قد يحتوي على أخطاء تسهم في نشر معلومات مضللة؛ بل أيضاً لأن هذا السلوك لن يُحيل سوى نسبة ضئيلة جداً من النقرات إلى المصادر الأصلية، مما يسهم في تراجع حركة الزيارات على مواقع الناشرين».

التقرير الذي نُشرت نتائجه منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، ذكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي للأخبار هو الأكثر انتشاراً عند الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة بنسبة 37 في المائة. ولقد تصدر «تشات جي بي تي» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً للاطلاع على الأخبار، إذ أفاد 13 في المائة من إجمالي المشاركين باستخدامه لمتابعة الأحداث الجارية خلال الشهر الماضي.

وفق تقديرات «أوفكوم»، تستحوذ محرّكات البحث ومجمّعات الأخبار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، مجتمعة تحت مسمى «الوسطاء الرقميين» على 37 في المائة من إجمالي الوقت الذي تمضيه عينة البحث مع الأخبار، وهو ما يعادل 26 دقيقة يومياً من إجمالي 72 دقيقة يومياً يمضيها القراء في متابعة الأخبار يومياً، لتصبح بذلك أكبر شريحة منفردة. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة مواقع الناشرين المباشرة 8 دقائق يومياً؛ أي 11 في المائة فقط من إجمالي الاستهلاك.

أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، فقد تصدَّر «فيسبوك» قائمة استهلاك الأخبار بنسبة 39 في المائة من البالغين يليه «يوتيوب» بنسبة 33 في المائة.

فادي عمروش، الباحث المتخصّص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي رأى خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الناشرين يواجهون أزمة «عزوف» ليس للأخبار بل للمواقع الإخبارية المباشرة... «ولذا على المؤسسات الإعلامية أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم كما تعاملت سابقاً مع محركات البحث، لكن مع فهم أن قواعد اللعبة تغيرت».

وأضاف: «في عصر محركات البحث كان الهدف من (SEO) واضحاً، وهو أن يظهر الخبر في (غوغل)، ثم يضغط القارئ على الرابط ويزور الموقع، أما اليوم فقد يسأل المستخدم (تشات جي بي تي) و(جيميناي) عن خبر معين ويحصل على ملخص كامل دون أن يزور الموقع الأصلي أصلاً».


السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظّمه شركة «تحالف»، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أبرز الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق، مما يُعزّز مكانة السوق السعودية، عبر الاقتراب من أحدث الممارسات والمعايير والخبرات الدولية.

ويتناول برنامج المهرجان، على مدى 3 أيام، التميُّز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارهم وأساليب سردهم، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي، وسط مشاركة نخبة من الخبراء والقيادات من المنطقة والعالم تحت سقف واحد، ليُشكِّل جسراً مباشراً بين المواهب السعودية والإقليمية والشبكات والأسواق والخبرات الدولية.

تمكين المبدعين

من جانبه، أوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط. واليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة»، مؤكداً أن «ليونز الرياض» يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

وأبان الدوسري أن المهرجان «يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، حيث يُوفِّر فرصة لحضور الإبداع المحلي والمنافسة عالمياً، ويحفز الوكالات على تطوير أدواتها ومنتجاتها.

ويسهم «ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية عبر استقطاب الخبرات والمواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية، الأمر الذي يعكس مساعي الوزارة الهادفة إلى تمكين القطاع والعاملين فيه، وربطه بمراكز التأثير الدولية، بما يعزز نموه ويرفع تنافسيته عالمياً.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

وجهة دولية

بدوره، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وبينما أصبحت السعودية وجهة لمنصات دولية كبرى في التقنية والاستثمار والرياضة والترفيه والأعمال، يرى الخميسي أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي»، وهو ما يؤكد متانة السوق السعودية في خريطة الاقتصاد الإبداعي.

من ناحيته، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

يساهم «مهرجان ليونز الرياض» في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال (واس)

منصة عالمية

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في الإبداع والتسويق وصناعة المحتوى على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية، مما يمنح منطقة الشرق الأوسط نافذة جديدة للتأثير في حوارها.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب لتصبح أكثر تنافسية، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية، وجعل الوكالات المحلية أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، بما يساهم في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال.