«اتفاق الدوحة».. هل اقترب تجميد إنتاج النفط أم لا يزال بعيدًا؟

الرئيس النيجيري يتوجه إلى السعودية وقطر لبحث استقرار الأسعار

«اتفاق الدوحة».. هل اقترب تجميد إنتاج النفط أم لا يزال بعيدًا؟
TT

«اتفاق الدوحة».. هل اقترب تجميد إنتاج النفط أم لا يزال بعيدًا؟

«اتفاق الدوحة».. هل اقترب تجميد إنتاج النفط أم لا يزال بعيدًا؟

باقي من الزمن أيام قليلة حتى تنتهي المفاوضات والمشاورات المتعلقة باتفاق الدوحة بين السعودية وروسيا؛ إذ يقول وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إن المشاورات من المفترض أن تنتهي بحلول 1 مارس (آذار) المقبل، فهل اقترب الاتفاق من حيث التنفيذ أم لا؟
لا تزال الأمور في بدايتها، ولا يزال هناك عدم وضوح في مواقف بعض الدول الداعمة للاتفاق، مثل نيجيريا وإيران والعراق، التي أعلنت دعمها حتى الآن، ولكنها لم تعلن عن التزامها بتجميد إنتاجها. ودون التزام باقي المنتجين الكبار، فلن يكون هناك أي تنفيذ لاتفاق الدوحة، كما أوضحت السعودية وقطر الأسبوع الماضي في الدوحة عقب الاتفاق. واتفقت السعودية وروسيا، أكبر منتجين ومصدرين للخام في العالم الأسبوع الماضي، على تجميد الإنتاج عند مستويات يناير (كانون الثاني) الماضي؛ إذا وافق كبار المنتجين الآخرين على المشاركة في هذه الخطوة.
ولا تزال الرياض والدوحة هذه الأيام هما أبرز محطتين لأي مسؤول أو رئيس دولة في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).. فالكل يسعى لإقناع السعودية، أكبر منتج في المنظمة، بالتحرك من أجل دعم السوق والأسعار التي هبطت إلى أدنى مستوياتها ملغية تسع سنوات من المكاسب، تليها قطر التي تترأس هذا العام مؤتمر «أوبك» الوزاري، مما يجعلها في قلب أي اتفاق وجهود ومباحثات ومبادرات.
وآخر القادمين إلى الرياض والدوحة هو الرئيس النيجيري محمد بخاري، الذي سيتوجه إلى السعودية خلال هذه الأيام لمناقشة سبل جلب الاستقرار إلى أسعار الخام مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وسيتوجه بخاري إلى قطر أيضا لمناقشة استقرار سعر النفط مع أمير البلاد، حسبما ذكر بيان للرئاسة النيجيرية.
وقالت الرئاسة النيجيرية أمس في بيان قبل الجولة الخارجية التي تبدأ في وقت لاحق هذا الأسبوع، إن «الجهود الحالية من قبل نيجيريا وسائر أعضاء منظمة البلدان المصدرة للبترول من أجل الوصول إلى مزيد من الاستقرار في سعر صادرات النفط الخام، من المتوقع أن تحتل مرتبة عالية على جدول أعمال المباحثات». وأمس التقى وزير النفط النيجيري إيمانويل كاشيكو في الدوحة بنظيره القطري الدكتور محمد السادة لبحث اتفاق تجميد الإنتاج.
وعقب الاتفاق، كانت تصريحات الوزير النيجيري غير مشجعة نوعًا ما، حيث لم يؤيد فكرة أن يتم تجميد إنتاج إيران والعراق، موضحًا أن هاتين الدولتين عانتا كثيرًا في السابق من الحظر المفروض على قطاعهما النفطي، ولهذا يجب أن يستعيدا بعضًا من حصتيهما المفقودتين في السوق على أن يتم تجميد إنتاجهما عند مستويات أعلى من المستويات الحالية.
وفي ما يتعلق بإنتاج نيجيريا، أوضح كاشيكو أن بلاده لا تستطيع تجميد الإنتاج نظرًا لأنها في حاجة لتلبية الطلب الداخلي، ولكنه أوضح أنهم لن يبيعوا مزيدًا من النفط في السوق، بل سيستخدمونه محليًا. وقال إن إنتاج نيجيريا حاليًا عند 2.2 مليون برميل يوميًا، وهو إنتاج مشابه للشهر الماضي. كما شدد على ضرورة عدم تجميد إنتاج النفط بمستويات عالية، حتى لا يفتح ذلك الباب أمام تأثير الدول النفطية من خارج «أوبك» على الحصص النفطية بالسوق لأعضاء «أوبك».
وبخصوص عقد اجتماع طارئ لـ«أوبك»، أشار إلى الحاجة لإجراء مزيد من المحادثات بين الدول النفطية الأعضاء في «أوبك» وخارجها، وأخذ كثير من الموافقات بشأن تجميد الإنتاج، خصوصا أنه عند عقد اجتماع ولم يتم التوصل لاتفاق موسع بين الدول الأعضاء بالمنظمة وخارجها، فلن تكون النتائج إيجابية، ولذا يجب أن تكون المحادثات إيجابية، وأن يتم التوصل لنتائج قبل اجتماع «أوبك» المقبل.
وفيما يلي بعض الأسئلة والأجوبة التي توضح اتفاقية الدوحة والأمور المتعلقة بها:
> ما اتفاقية الدوحة؟
- اتفاقية بين السعودية وروسيا برعاية ومشاركة قطر وفنزويلا، تهدف إلى تجميد إنتاج المنتجين الكبار في السوق لتخفيض الفائض ودعم ميزان العرض والطلب، وهو ما سيؤدي إلى تحسن ودعم الأسعار بالأخير. وينص الاتفاق على أن ينضم كبار المنتجين إليه حتى يدخل حيز التنفيذ.
> هل يتضمن الاتفاق أي بنود حول خفض الإنتاج؟
- لم يعلن الوزراء صراحة عن نيتهم خفض الإنتاج عقب التجميد، لكن الاتفاق بحسب ما علمته «الشرق الأوسط» من مصادر في «أوبك» يتضمن ثلاث مراحل: أولا: تجميد الإنتاج. ثانيا: مراقبة تأثير التجميد على السوق ومراقبة مدى التزام الدول به لمدة أربعة أشهر. وثالثا: أخذ خطوات إضافية إذا لزم الأمر.
وترك وزير البترول السعودي علي النعيمي للصحافيين الباب مفتوحًا لمزيد من الاحتمالات، من بينها احتمالية أن تقوم الدول بخفض إنتاجها عندما قال: «السبب في اتفاقنا على تجميد محتمل للإنتاج بسيط.. وهو أنها بداية لعملية سنقيمها في الأشهر القليلة الماضية، ونقرر ما إذا كنا في حاجة لاتخاذ خطوات أخرى لتحسين السوق وإعادة الاستقرار إليها».
وتؤكد المصادر في المنظمة لـ«الشرق الأوسط» أن الدول الأربع ناقشت في الدوحة احتمالية خفض الإنتاج كذلك ضمن الاتفاقية.
> من المسؤول عن المفاوضات ومتابعة تنفيذ الاتفاق؟
- حتى الآن تتولى قطر وفنزويلا التفاوض مع كل المنتجين لإقناعهم بتجميد الإنتاج. وسيتم تشكيل لجنة لمتابعة إنتاج الدولة الملتزمة بالاتفاق، وستترأس قطر هذه اللجنة.
والتقى وزيرا الطاقة والنفط في قطر وفنزويلا الأسبوع الماضي بالعراق وإيران في طهران لبحث اتفاق التجميد.
> هل هناك مدة محددة للاتفاق؟
- قال وزير النفط الفنزويلي إيولوخيو ديل بينو بعد ظهر يوم الجمعة إن السعودية وقطر وفنزويلا ستراقب سوق النفط حتى شهر يونيو (حزيران) المقبل، في أعقاب الاتفاق الأسبوع الماضي على تجميد الإنتاج، مع احتمال اتخاذ تدابير إضافية لإنقاذ الأسعار بعد ذلك.
وقال وزير الطاقة الروسي إن المشاورات حول الاتفاق مع باقي المنتجين من المفترض أن تنتهي مطلع شهر مارس المقبل.
> هل سيؤدي الاتفاق إلى إعادة توازن السوق ودعم الأسعار؟
- حتى الآن لا يوجد من يؤكد أن السوق ستستعيد توازنها بسرعة متى ما تم تجميد إنتاج المنتجين الكبار، خصوصا أن التجميد سيتم عند مستويات إنتاج عالية لكل من السعودية وروسيا، هي الأعلى منذ سنوات طويلة. ولكن بلا شك، فإن التجميد سيخفف من كمية النفط التي يتم ضخها إلى الأسواق.
ويقول وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إن التجميد سيقلل الفائض في المعروض في السوق بنحو 1.3 مليون برميل يوميًا. ويرى مصرف «باركليز» أن التجميد سيقلل الفائض بنحو مليون برميل يوميًا فقط.
واختلفت التقديرات حول حجم الفائض الحالي في السوق، ولكن التقديرات تتراوح بين 700 ألف برميل يوميًا و2.5 مليون برميل يوميًا.
وقال أليكسي تكسلر، النائب الأول لوزير الطاقة الروسي يوم الجمعة الماضي، إن سوق النفط العالمية متخمة بفائض في المعروض قدره 1.8 مليون برميل يوميا، لكنه أشار إلى أن هذا الفائض قد ينخفض إلى النصف إذا نجح اتفاق تجميد مستويات الإنتاج.
ويرى تكسلر أنه حتى إذا رفضت إيران الاتفاق الذي اقترحته السعودية وروسيا وقطر وفنزويلا، فسيكون هناك أثر له على السوق.
> ما الدول التي ستجمد إنتاجها وما الدول التي لن تجمد إنتاجها؟
- حتى الآن، وبشكل مؤكد، ستجمد الدول الأربع التي حضرت إلى الدوحة إنتاجها، وهي: السعودية وروسيا وفنزويلا إضافة إلى قطر.
وفي الوقت ذاته، أعلنت دول أخرى في «أوبك»، من بينها الإمارات العربية المتحدة والكويت، عن استعدادها للانضمام إلى هذا الاتفاق متى ما التزم جميع المنتجين الكبار في «أوبك»، إضافة إلى روسيا، بهذا الاتفاق. فيما عبرت ليبيا عن دعمها للاتفاق، لكنها لم تعلن عما إذا كانت ستجمد إنتاجها كذلك أم لا.
وأعلنت إيران والعراق أنهما تدعمان اتفاق الدوحة بين السعودية وروسيا وفنزويلا وقطر، الذي يدعو لتجميد إنتاج هذه الدول عند مستوى يناير الماضي، على الرغم من أن إيران والعراق لم تعلنا عن التزامها بتجميد إنتاجهما. وأعربت نيجيريا عن دعهما للاتفاق، ولكنها لا تنوي تجميد إنتاجها لأنها بحاجة إلى النفط لتشغيل المصافي وتلبية الطلب المحلي.
ومن خارج «أوبك»، أعلنت أذربيجان أنها لن تكون ضمن هذه الاتفاقية، وأنها لن تجمد إنتاجها، نظرًا لأن إنتاجها صغير ولن يؤثر في السوق العالمية.
> هل تأثرت أسعار النفط إيجابا مع التوصل إلى اتفاق التجميد؟
- حتى الآن، انعكس خبر الاتفاقية سلبًا على أسعار النفط، حيث هبط سعر النفط الخام 4 في المائة يوم الجمعة الماضي، وتراجع «برنت» للأسبوع الثالث على التوالي مع استمرار المخاوف من استمرارية تخمة الإمدادات في السوق، بعد زيادة قياسية للمخزونات الأميركية، حتى إن كانت هناك خطة للتنسيق بين المنتجين لتجميد مستويات الإنتاج.
وهبط خام القياس العالمي «مزيج برنت» في العقود الآجلة 1.27 دولار أو بنسبة 3.7 في المائة عند التسوية إلى 33.01 دولار للبرميل. ونزل سعر الخام الأميركي 1.13 دولار أو بنسبة 3.7 في المائة أيضا عند التسوية إلى 29.64 دولار للبرميل.



العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».