بريطانيا: معركة البقاء في أوروبا.. ومعادلة التنازلات السياسية

الوطنية في مقدمة مطالب المشككين

بريطانيا: معركة البقاء في أوروبا.. ومعادلة التنازلات السياسية
TT

بريطانيا: معركة البقاء في أوروبا.. ومعادلة التنازلات السياسية

بريطانيا: معركة البقاء في أوروبا.. ومعادلة التنازلات السياسية

بدأ رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أخيرًا سلسلة زيارات أوروبية قصيرة لإقناع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بطرح بلده للبقاء ضمن التكتل الموحّد بموجب اتفاق مبدئي يقدم تنازلات للندن، مقابل تنظيم كاميرون حملة «نعم لأوروبا» قبل موعد الاستفتاء الوطني المزمع عقده في بريطانيا خلال شهر يونيو (حزيران) المقبل. وبعد ظهر أمس بتوقيت لندن أعلن في العاصمة البلجيكية والأوروبية بروكسل عن تأجيل البت - على لسان مسؤول بالاتحاد البالغ عدد أعضائه 28 – بعدما واجه الحوار ما وصف بعقبات «خطيرة»، وبالتالي، طلب من الزعماء حجز الإقامة في الفنادق لليلة إضافية حتى اليوم السبت. وجاء على لسان المسؤول قوله «الوضع خطير. لقد ألغيت الجلسة التي كان من المقرر عقدها الساعة 15:00 بتوقيت غرينتش كما أرجئ اجتماع الزعماء حتى موعد العشاء على أقل تقدير وطلب منهم حجز الإقامة بالفنادق حتى غد (اليوم)». وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ التسوية يعد أساس معاهدات الاتحاد الأوروبي، وسر استمراره منذ نشأته إلى اليوم، وإن كان هذا صعب المنال أحيانًا وبعيدًا عن الكمال في معظم الأحيان. ويقوم الاتحاد الأوروبي بدوله الأعضاء الـ28، على قوانين تسعى لإرضاء الأطراف جميعها إلى أقصى حد ممكن، دون الانتقاص من سيادة الدول أو خدمة مصالح بعضها دون أخرى. وتطبيق مبدأ التسوية هو ما يسعى إليه رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك من خلال رسم الخطوط العريضة لاتفاق يعالج أبرز شروط بقاء بريطانيا في الاتحاد، في القمّة التي كان من المتوقع أن تنتهي أمس.

تعدّ إعادة التفاوض على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي قضية محورية في سياسة رئيس الوزراء البريطاني المحافظ ديفيد كاميرون، الذي جعل منها بطاقة انتخابية في وجه الجماعات اليمينية المطالبة بالانسحاب من الاتحاد. وهو يسعى إلى استعمالها لهدفين أساسيين: الأول، كسب ثقة المشككين والمنتقدين لسياسته الخارجية، والثاني، تخفيف الانقسامات داخل حزب المحافظين الحاكم بزعامته. وتمثّل المسودة الأولية التي أعلن عنها توسك – وهو بولندي – أفضل اتفاق قد تتوصّل إليه بريطانيا في الوقت الحالي، إن حشدت تأييد الأعضاء الـ27. وتشمل مطالب بريطانيا الأربعة: التنافسية، والسيادة، والرعاية الاجتماعية، والحكامة الاقتصادية.

* التنافسية
يطالب كاميرون بتمديد السوق الموحّدة وتعزيز التنافسية في الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال تسهيل حركة رؤوس الأموال من جهة، وتخفيف القوانين الأوروبية المنظمة للشركات الصغيرة والمتوسطة. ويبدو هذا المطلب سهل المنال، إذ أنّ المفوضية الأوروبية كانت تمارس ضغوطًا في هذا الاتجاه.

* السيادة الوطنية
اشترط كاميرون إعفاء بريطانيا من المبادئ التأسيسية لاتحاد أكثر ترابطًا، إلى جانب تعزيز الرقابة الوطنية وحق النقض في البرلمانات الوطنية. ويطرح هذا المطلب جدلاً أكبر من قضية التنافسية، إذ أن بعض الدول الأعضاء ترى فيها تمييزًا لبريطانيا دون غيرها، وتجاوزًا لمبدأ الاتحاد. ولقد قدّم توسك بهذا الصدد تنازلين بارزين في نص الاتفاق الأولي: الأول، من خلال إعطاء ضمانات لبريطانيا بأن عبارة «اتحاد أكثر ترابطًا» لا تشكّل أساسا لتوسيع صلاحيات الاتحاد الأوروبي، كما لا تخوّل لمحكمة العدل الأوروبية التدخل في القرارات الوطنية. إلى ذلك، اقترح توسك إضفاء تغيير طفيف على معاهدة الاتحاد الأوروبي تضمن إعفاء بريطانيا من أي قرار بإنشاء «اتحاد أكثر ترابطًا»، بشرط أن يجري التعديل بالتزامن مع تعديل المعاهدة المقبل، ما يجعل القضية رمزية إلى حدّ كبير.
أما التنازل الثاني، فيتمثّل فيما سماه توسك «نظام البطاقة الحمراء» الذي يتيح للبرلمانات الأوروبية منع القوانين الأوروبية الجديدة، شريطة أن يكون التصويت بغالبية مؤهلة من 55 في المائة خلال فترة 12 أسبوعًا. بيد أن هذا النظام يعطي سلطة كبيرة للبرلمانات الوطنية للدول الأعضاء، لكن الحصول على غالبية 55 في المائة يجعله صعب التطبيق في الواقع.

* الحكامة الاقتصادية
مخاوف بريطانيا من الناحية الاقتصادية تتعلق بشكل أساسي بتداعيات سوق أوروبية أكثر ترابطًا على قوة واستقلالية سوق مال لندن، ومكانتها كمركز مالي دولي. ومع أنه لا وجود لتوجه نحو سوق أوروبية أكثر ترابطًا في الوقت الراهن، فإن الاتفاق الأولي للمجلس الأوروبي يرفض التمييز بين الدول الأعضاء على أساس العملة، ويحمي لندن من أي التزامات مالية لدعم اليورو. كذلك فإنه يتيح للدول الأعضاء التي لا تعتمد العملة الموحّدة إعلان معارضتها لمقترحات منطقة اليورو (التي قد تضر بمصالحها الاقتصادية) من دون أن تعطيها حق النقض «الفيتو».
- الرعاية الاجتماعية
المطلب الأخير والأكثر تعقيدًا وإثارة للجدل يتعلق بـ«حرمان» الوافدين الأوروبيين إلى بريطانيا من استحقاقات الرعاية الاجتماعية بشكل خاص، وبحرية تنقّل مواطني الاتحاد الأوروبي بشكل عام. ويقدّم الجانبان طرحهما في هذه القضية من منطلق الإنصاف والعدالة. كاميرون ومؤيدوه يرون أنه ليس من العدالة في شيء أن ينتفع مواطنو الاتحاد الأوروبي من الرعاية الاجتماعية ومساعدات السكن في بريطانيا قبل المساهمة في التنمية الاقتصادية، في حين يرى أعضاء الاتحاد أنه لا يحق للندن التمييز بين مواطنيهم العاملين بها على أساس الجنسية.
ويرى توماس رين، الزميل في معهد «تشاتام هاوس» (المعهد الملكي للشؤون الاستراتيجية)، أن «القضية الرئيسية تتعلق برغبة بريطانيا في الحد من الهجرة، أكثر منها استحقاقات الرعاية الاجتماعية، إذ أن كاميرون يهدف من خلال تغيير نظام الرعاية الاجتماعية للأوروبيين إلى التحكم في نسب الهجرة».
وبالفعل، يوفر نص الاتفاق الأولي تنازلات في هذا الاتجاه كذلك. إذ يقترح نظامًا يمكّن بريطانيا من توفير استحقاقات الرعاية الاجتماعية للأوروبيين، ولكن فقط بعد مرور 4 سنوات من العمل بها، لا بمجرّد دخول حدودها، في حال شهدت معدلات هجرة هائلة على امتداد فترة زمنية طويلة.

* انقسامات حزب المحافظين
في الواقع، يواجه كاميرون تمردًا داخل حزب المحافظين الذي يتزعمه لتشجيعه المشرّعين على تجاهل آراء الحزب بشأن استفتاء مزمع على عضوية الاتحاد الأوروبي. وكان رئيس الوزراء المحافظ قد أعلن صراحة أنه سيساند فكرة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي إذا ما وافق أعضاء آخرون في الاتحاد الأوروبي على مسودة اتفاق - التي سبق شرحنا أهم بنودها أعلاه – بشأن علاقة بريطانيا المستقبلية بالاتحاد. إلا أن كثيرين من أعضاء حزبه المنقسم بدرجة كبيرة بشأن أوروبا لا يعتزمون اتخاذ الموقف نفسه.
وأبلغ كاميرون البرلمان أن على المشرّعين – أي النواب – إلا يختاروا الجانب الذي سيقفون في صفه على أساس ما قد تمليه عليهم لجان حزبهم المحلية، بل اتخاذ قرارهم بأنفسهم بشأن «ما الذي يرونه أفضل لمستقبل بريطانيا». وأثارت هذه التصريحات ردًا غاضبًا من أعضاء الحزب الذين اعتبروا أنها قوضت النيات الطيبة التي كسبها كاميرون بوعده بإجراء الاستفتاء في بادئ الأمر. وقال إد كوستيلو، أحد حركيي حزب المحافظين لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه «إن رئيس الوزراء تجاهل آراء أعضاء حزبه منذ انتخابه... وتعاطيه مع قضية الاستفتاء خاطئة.. إذ لا أحد يتمتع بالسلطة المطلقة». دعا كوستيلو إلى «نقل النقاش إلى بريطانيا، قبل أوروبا»، مقترحا تنظيم مناظرات تلفزيونية تناقش فيها وجهتي النظر المؤيدة لمغادرة الاتحاد الأوروبي والرافضة لها. ولفت إلى أن القيادة لم تتح فرصة بعد للطرفين لتبادل الآراء: «فكل ما نشهده اليوم هو تعبير عن آراء ثابتة في مقالات الرأي، بدل نقاشات بناءة تساعد المواطنين على تحديد مواقفهم».
من جهة ثانية، كتب ممثلون عن نحو 40 من لجان حزب المحافظين المحلية في خطاب لصحيفة «صنداي تلغراف» المحافظة الأسبوعية يقولون «نحن نحث رئيس الوزراء على الامتناع عن تقليل الاحترام للعاملين الأوفياء الذين ساعدوه على الفوز بحكومة أغلبية»، مضيفين أنه «من المؤسف للغاية أن يتجاهل رئيس الوزراء أولئك الذين ساعدوه على تحقيق نجاحه، ويتوجب عليه أن يتذكر أنه لا يوجد رئيس وزراء يتمتع بحق مقدّس في الحكم». وأظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة «صنداي تايمز» المؤيدة للمحافظين أيضًا، شمل 144 من النواب المحافظين في البرلمان، وعددهم 330 نائبا، أن 57 في المائة من الذين اتخذوا قرارهم بالفعل يعتزمون تأييد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.
ويأمل كاميرون الذي وعد بالتصويت لصالح البقاء داخل الاتحاد تحت ضغوط من المتشككين من أعضاء حزبه أن يساعد ذلك على تسوية الخلافات المستمرة منذ فترة طويلة بين المحافظين بشأن أوروبا، أمام خلفية تحدي «حزب استقلال المملكة المتحدة» (يوكيب) اليميني المناوئ للبقاء ضمن الاتحاد.

* حملة الإقناع بالبقاء
كاميرون في خطاب في مجلس العموم الأسبوع الماضي كان قد حاول إقناع النواب بـ«خوض المعركة معا» للحصول على الإصلاحات التي تسمح للمملكة المتحدة بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، بينما ينتقدها المشككون في جدوى الوحدة الأوروبية والصحف بشدة. وتعليقا على الإصلاحات التي اقترحها المجلس الأوروبي - والمفصلة آنفًا - قال كاميرون «إذا كنتم تريدون إنهاء العطاء بلا مقابل... وإذا كنتم تريدون تحقيق المساواة بين الدول الأعضاء وغير الأعضاء في منطقة اليورو، وإذا كنتم تريدون أوروبا أكثر قدرة على المنافسة، فلنخض هذه المعركة معًا». وأضاف الزعيم البريطاني الذي دافع عن مسودة الاتفاق الذي كشفه الاتحاد الأوروبي أن «ساعة القرار تقترب».
وأشاد كاميرون ومؤيدوه بإصلاحين على وجه الخصوص، هما الإجراء الطارئ الذي يسمح للمملكة المتحدة بوقف الإعانات الاجتماعية للمهاجرين، وضمانات بألا تتأثر أوساط المال البريطانية في حال تحسن اليورو. ومن ثم، كرّر ترحيبه «بالتقدم الكبير الذي تحقق في طلباتنا الأربعة للإصلاح»، مؤكدا في الوقت نفسه أنه «ما زال هناك عمل طويل ويجب أن نبرهن على تصميم وصبر» لإنجازه.
من جهته، كان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قد حذر أخيرًا من أنه يرفض أي «تفاوض جديد» خلال القمة. وتابع أن «التسوية التي تم التوصل إليها تتيح إيجاد حلول لمشاكل بدت حتى الآن صعبة الحل. ولكن لا يمكن أن يشهد المجلس الأوروبي تعديلات جديدة... ولا ينبغي إعطاء البريطانيين الضمانات الضرورية إلا ضمن إطار احترام المبادئ الأوروبية».
بدورها، رأت الحكومة الألمانية أن اقتراحات المجلس الأوروبي «طموحة»، رافضة التعليق على نقاط خلافية محتملة ومكتفية بالإعلان أن برلين تدرس هذه الخطة «بشكل مكثف». ومن جهته، صرح رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، في البرلمان الأوروبي، أن مشروع الاتفاق «عادل لبريطانيا، وعادل للدول الـ27 الأعضاء» في الاتحاد.

* مجازفة الاستفتاء
جدير بالذكر، أنه تحت ضغط المشككين في ماهية «أوروبا» من «يوكيب» والأجنحة المشككة في جدوى الانتماء للاتحاد الأوروبي داخل الأحزاب الأخرى، تعهد رئيس الوزراء المحافظ، الذي أعيد انتخابه في مايو (أيار) 2015. بتنظيم استفتاء على الرغم من المجازفة بالتسبب بأزمة كبرى في اتحاد تهزّه أصلا أزمة المهاجرين.. وأخيرًا اللاجئين.
وبوعد كاميرون إجراء هذا الاستفتاء، الذي ينطوي على مجازفة كبيرة ويمكن أن يسبب زلزالاً في الاتحاد، يأمل رئيس الحكومة البريطانية الذي أعيد انتخابه بأغلبية مريحة في الحد من اندفاع «يوكيب» الذي يقوده نايجل فاراج. غير أن المشككين في جدوى الاتحاد انتقدوا، كما كان متوقعا، المقترحات الأوروبية، وكان ضمنهم عمدة لندن المحافظ بوريس جونسون الذي دعا إلى بذل «مزيد» من الجهود. ومن جهته، وصف فاراج الاتفاق المطروح بأنه «سيئ».
وفي المقابل، يبدو أن كاميرون تمكن من إقناع وزيرة الداخلية تيريزا ماي بمشروع الاتفاق، بينما يتوقع أن يقود أربعة وزراء آخرون في حكومته حملات من أجل خروج بريطانيا من الاتحاد.
وتشير لهجة الاستياء التي تبنّتها الصحف البريطانية إلى أن كاميرون سيخوض معركة صعبة. إذ كتبت صحيفة «ديلي ميل» اليمينية في عنوان صفحتها الأولى أنها «معجبة بكاميرون (...) لكن بشأن أوروبا، علينا أن نقول بصراحة بأن عماه يقطع الأنفاس إزاء الوهم الكبير». أما صحيفة «التايمز» فكتبت أنه «يجب أن يكون الأمر إصلاحًا جذريًا للعلاقات مع اتحاد أوروبي أكثر عقلانية وأكثر مسؤولية»، مشيرة إلى أن «كاميرون اكتفى على ما يبدو بما يريد، (وهو) اتحاد من دون إصلاح يذكر». ووحدها صحيفة «الفايننشيال تايمز» الجادة دافعت عن رئيس الوزراء البريطاني، وكتبت أن «أداءه كان أفضل مما كان متوقعًا في عملية إعادة التفاوض» بشأن عضوية بريطانيا في الاتحاد.
أزمة الهجرة.. ورقة ضغط بوجهين وحول موضوع المهاجرين، حذّر متحدث باسم كاميرون الأسبوع الماضي من أن آلاف المهاجرين قد يتدفقون على بريطانيا من فرنسا، إذا صوّت الناخبون لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في تأكيد على موقف كاميرون المعلن بأن الانفصال سيضرّ بالأمن.
وبينما رأى منتقدون أنها بداية «حملة تخويف» لمحاولة دفع الناخبين للتصويت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، شدد المتحدث أن الانفصال عن الاتحاد قد يضرّ باتفاق مع فرنسا يسمح لحرس الحدود البريطاني بإجراء فحوص للمهاجرين هناك. وفي مؤتمر صحافي، دعم كاميرون الرسالة بالقول: «إن الاتفاق الذي يجعل الحدود البريطانية داخل فرنسا، كما هو الحال في ميناء كاليه، هو اتفاق جيد لبريطانيا» وأنه سيكافح للإبقاء عليه. وأضاف: «إذا أمكننا البقاء في الاتحاد بعد إدخال إصلاحات عليه.. تعرفون ما الذي ستحصلون عليه.. تعرفون أن الحدود ستبقى في كاليه.. وتعرفون أن لدينا صوتًا يفصل في القواعد حين يتعلق الأمر بمستقبل أوروبا.. كما تعرفون أننا سنحصل على معلومات حيوية تتعلق بالإرهابيين أو المجرمين الذين يسافرون في أوروبا، لأننا جزء من هذه المنظمات». وفي وقت سابق، كان المتحدث باسم كاميرون قد قال: إن آلاف اللاجئين قد يعبرون بحر المانش إلى داخل بريطانيا «خلال الليل»، إذا ما صوّتت بريطانيا لصالح الانفصال عن الاتحاد خلال استفتاء يونيو المقبل.
في المقابل، يرى مؤيدو حملة الخروج من الاتحاد أن الانفصال عن أوروبا سيمكن بريطانيا من تعزيز المراقبة على الحدود، وإقرار قوانين تتيح كبح الهجرة الأوروبية وغير الأوروبية التي تشمل آلاف اللاجئين وغير الشرعيين الذين يحاولون الوصول إلى بريطانيا من دول الاتحاد الأوروبي.
وحول فرص بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، يرى البروفسور إيان بيغ، الأستاذ الجامعي في مدرسة لندن الاقتصادية والعلوم السياسية، أنه «يصعب الحسم في الموضوع في الوقت الحالي»، مستبعدًا في الوقت ذاته أن يغيّر معارضو كاميرون في حزب المحافظين و«يوكيب» مواقفهم الرافضة لـ«أوروبا» حتى في حال وافقت الدول الأعضاء على اتفاق المجلس الأوروبي الأولي، الذي يقدم تنازلات كبيرة لصالح بريطانيا. وفي المقابل، يدعم جزء كبير من حزب العمال بقاء بريطانيا في الاتحاد بعد الإصلاحات.
هذا، وأظهر استطلاع أجري بعدما طرح كاميرون مقترحات لإبقاء بلاده داخل الاتحاد الأوروبي أن مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد يزيدون بتسع نقاط مئوية عن عدد مؤيدي البقاء فيه. وأجرت مؤسسة «يوغوف» الاستطلاع الذي نشرت حصيلته في صحيفة «التايمز» خلال اليومين اللذين أعقبا طرح رئيس الحكومة للتغييرات المقترحة بشأن علاقة بريطانيا بالاتحاد.
ويمثل الاستطلاع أكبر تقدّم لحملة الخروج من الاتحاد منذ الاتفاق على صياغة الاستفتاء في سبتمبر (أيلول) الماضي. فلقد بيّن الاستطلاع أن 45 في المائة من البريطانيين سيؤيدون الخروج من الاتحاد الأوروبي، مقارنة مع 36 في المائة يريدون البقاء. وكانت حملة الخروج متقدمة بفارق أربع نقاط مئوية فقط في استطلاع أجري الشهر الماضي. وقال 19 في المائة بأنهم لم يحسموا أمرهم، أو أنهم لن يصوتوا. ويبقى القول: إنه من شأن خروج بريطانيا يفقد الاتحاد ثاني أكبر اقتصاد فيه - بعد ألمانيا – وأحد أكبر قوتين عسكريتين فيه. ويحذّر المؤيدون للبقاء في الاتحاد من أن الخروج قد يضر باقتصاد بريطانيا ويؤدي لانقسامها من خلال دفع اسكوتلندا لإجراء استفتاء آخر على الاستقلال، بينما يقول معارضو الاتحاد الأوروبي بأن بريطانيا ستزدهر خارجه.

* مزايا البقاء ضمن الاتحاد مقابل مغادرته من وجهة نظر بريطانية
- الحفاظ على الاستقرار السياسي وتجنب استفتاء لاستقلال اسكوتلندا جديد
- الاستفادة من السوق الموحدة ومن انفتاح أسواق الاتحاد الأوروبي
- تجنب تعطيل النمو الاقتصادي خلال الفترة الانتقالية والتأثير سلبا على قدرة بريطانيا على اجتذاب الاستثمارات الخارجية
- البقاء جزءا مهما من كتلة سياسية موحدة والحفاظ على موقف تفاوضي ودبلوماسي قوي في المنابر الدولية

* مزايا المغادرة:
- توفير المساهمات في ميزانية الاتحاد
- تصويب الاهتمام بعيدًا عن «الركود الأوروبي» ونحو الاقتصادات الناشئة
- حرية التحكم في قوانين الهجرة



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.