أكراد سوريا.. و«بذرة الحرب» مع تركيا

أنقرة لم تستطع أن تكرر معهم تجربة التحالف مع أبناء عمومتهم العراقيين

أكراد سوريا.. و«بذرة الحرب» مع تركيا
TT

أكراد سوريا.. و«بذرة الحرب» مع تركيا

أكراد سوريا.. و«بذرة الحرب» مع تركيا

مع تقدم الميليشيات الكردية السورية المهادنة لنظام بشار على طول المنطقة الحدودية مع تركيا، برضا أميركي وروسي واضح، تنظر تركيا بكثير من الريبة إلى جارها «الكردي» الجديد على الحدود مع جارتها الجنوبية سوريا، ونزعته الانفصالية الواضحة، خصوصًا أن سلطات أنقرة لم تنجح في تكرار التجربة العراقية في هذا المجال. والمعروف أن علاقة أنقرة بأكراد سوريا تنتقل من توتر إلى آخر، وتهدد بحرب قد لا يتردد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في إعلان استعداده لشنها من أجل منع قيام كيان انفصالي في شمال سوريا.
لا تختلف نظرة تركيا إلى أكراد العراق عنها إلى أكراد سوريا، لكن الفارق في أن الزعيم الكردي مسعود بارزاني استطاع بناء جذور الثقة مع حكام أنقرة، بينما لم يستطع صالح مسلم، الذي درس في جامعات تركيا، ويتكلم لغتها أن يقوم بالمثل. فالأتراك يشكون كثيرًا في أن النظام السوري سبقهم إلى مد جسور التعاون مع أكراده إذ دغدغهم بأحلام الاستقلال والحكم الذاتي منذ اللحظات الأولى لاندلاع الأزمة، ومدّ إليهم أيضًا يد العون العسكرية في مناطقهم.
وفي موازاة هذا الفشل، أدى تردّد المعارضة السورية في التعاون مع الأميركيين ورفضهم التعهد بقتال «داعش» وحده دون النظام، إلى انتقال واشنطن نحو التحالف مع الأكراد الذين شكلوا فعليًا قوتها البرية على الأرض السورية، فيما يظهر حاليًا تعاون لافت بين الأكراد وروسيا التي أمّنت لهم الدعم الجوي أيضًا في أكثر من مكان.
ثم أتت الزيارة الأخيرة التي قام بها مسؤولون أميركيون إلى مناطق سيطرة الأكراد بشمال سوريا لتشكل ضربة قوية للثقة التركية بالولايات المتحدة، فأتى التحذير الشهير للرئيس رجب طيب إردوغان لواشنطن بضرورة الاختيار بين تركيا والأكراد.
تركيا تتخوف بشدة من نشوء كيانات كردية عند حدودها، خوفًا من انتقال عدوى الاستقلال إلى أكرادها الذين ينتشرون على الحدود السورية والعراقية في امتداد لما يسميه الكرد «كردستان الكبرى» أي الوطن الحلم، الذي لم يقم في التاريخ. ويقول الصحافي التركي المعارض سعيد صفا، مدير تحرير موقع «خبردار»، المقرب من حزب الشعب الجمهوري المعارض، أن الاشتباكات بين تنظيم «حزب العمال الكردستاني» والدولة التركية «لم ولن يؤثر في يوم من الأيام على مجريات الأحداث في مناطق الأكراد في سوريا أو في العراق»، لكنه أكد في المقابل أن «أي تطورات في تلك المناطق الكردية ستؤثر مباشرة على مجريات الأحداث في مناطق الأكراد في تركيا».
وتابع صفا لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «في هذه المرحلة نرى أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (في سوريا) في طريقة لإعلان كيان مستقل في سوريا، وتماشيا معه فإن حزب العمال الكردستاني هنا يضرب بكل قواه لانتزاع حق الحكم الذاتي في جنوب شرقي تركيا، لأنهم في النهاية يؤمنون بفكرة دولة كردستان الموحدة. ولكنني أعتقد أن القوى المسيطرة في سوريا، وهي اليوم روسيا وأميركا وإيران لن تسمح بتحقيق فكرة الدولة الموحدة». وأردف أن الولايات المتحدة تعتبر أن «العمال الكردستاني» إرهابي، ولكنها تدعم حزب الاتحاد الديمقراطي، وهذا يعني أنها تميز بين الأكراد في سوريا والأكراد في تركيا.
غير أن رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم يرى أن على الأتراك إذا أرادوا أن يعيشوا بسعادة واطمئنان في محيطهم وفي الشرق الأوسط عمومًا، فعليهم أن يتخلصوا من «الفوبيا» الكردية. وإذ اعترف مسلم لـ«الشرق الأوسط» في وقت سابق أن أكراد سوريا يحلمون «تقليديًا» بالاستقلال، فإنه استبعد حصول ذلك «لأن موازين القوى تغيرت»، وتابع مسلم: «لقد اعترضوا على أكراد الداخل (التركي)، ورأينا ما حصل بسبب هذا الموقف. ونحن نقول لهم أن يتعاملوا مع الأكراد في تركيا بطريقتهم الخاصة، لكن معنا يجب أن يتعاملوا بطريقة مختلفة». وأضاف: «نحن الأكراد نطمح اليوم في الوضع الألماني ضمن الاتحاد الأوروبي. وهذا الوضع يمكن أن يكون نموذجًا جيدًا بالنسبة للأكراد، من دون تغيير في الحدود».
جدير بالذكر أن أكراد سوريا عبر ميليشياتهم يسيطرون حاليًا على معظم الحدود التركية - السورية، فهم ينتشرون من الحدود العراقية حتى منطقة عين العرب - التي يسمونها كوباني - حيث تفصلهم 120 كيلومترًا عن منطقة عفرين – ذات الغالبية الكردية في أقصى شمال غربي محافظة حلب - التي أسسوا فيها إدارة ذاتية. وهم ينطلقون منها حاليًا للهجوم على المعارضة السورية مستغلين تراجعها أمام الهجوم الذي يشنه النظام السوري وحلفاؤه بدعم جوي روسي مركّز من أجل الاقتراب أكثر فأكثر من مناطق سيطرتهم الأخرى وتأمين التواصل البري الجغرافي الصعب التحقيق حاليًا.
وتؤشر التحرّكات القائمة إلى وجود «تعاون» بين الأكراد والنظام السوري في هذا المجال. ومع أن هؤلاء يدعون أن الأمر مجرد «تقارب مصالح»، نافين أي تنسيق مع النظام، فإن الوقائع على الأرض، وسعي الأكراد لانتزاع المعبر الحدودي في مدينة أعزاز (ذات الكثافة التركمانية) من يد المعارضة السورية، عاملان يثيران قلق الأتراك الذين يهددون بالتدخل في أي لحظة.
بدوره، يقول صفا إن السلطة الحالية في تركيا، التي تتمثل في حزب العدالة والتنمية «ترفض رفضا قاطعا نشوء أي كيان كردي سواء في سوريا أو في العراق، وخصوصًا في سوريا، ولهذا نرى ردود الفعل الرافضة لقيام دولة كردية سواء من الدولة أو من السلطة نفسها». ويضيف صفا لـ«الشرق الأوسط» أن «تركيبة الدولة الحديثة انطلقت عام 1925 بعد قيام الجمهورية التركية بقوانين الإصلاحات أقيمت على أساس (شعب واحد، عرق واحد، ولغة واحدة، وعلم واحد)».. ولهذا تجاهلت الدولة مكوّنات الشعب التركي، وخصوصًا الأكراد الذين يعتبرون أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية من شعب تركيا، حيث حرموا من التحدث والتعليم بلغتهم الأم كما أنهم منعوا من نشر وممارسة ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وما زالت هذه السياسة مستمرة إلى يومنا هذا (حسب صفا)، وبناءً عليه، فإن تركيا لن تقبل سواء داخل حدودها أو في دول الجوار بأن يكون هناك حتى كيان كردي يتمتع بحكم ذاتي.
وأردف الصحافي التركي المعارض: «سياسة الدولة (التركية) منذ 100 سنة نظر بحساسية للأكراد».. ثم يشير في المقابل إلى أن سياسة حزب العدالة والتنمية «تتركز على نشر فكر الإسلام التركي المعتدل وهي تشكل الآن سياسة الدولة، ولهذين السببين نرى ردود فعل قاسية وتهديدية حيال حزب الاتحاد الديمقراطي قي سوريا أو ضد حزب العمال الكردستاني وحزب ديمقراطية الشعوب في تركيا».
وإذ رأى صفا أن بوابة الحل هي في «التعمق في أسباب هذه الأزمة»، اعتبر أن الحل يكون بتغيير سياسة الدولة حيال الأكراد. وأن تسمح سلطات أنقرة باستخدام اللغة الكردية لغة للتعليم، وأن يُصار إلى تغيير المادة التي تعرّف المواطنة في الدستور ويستعاض عنها بالمساواة في المواطنة بين جميع أفراد مكونات الشعب التركي، وأن تتخلى عن فكرة بأن «جميع المواطنين أتراك» وتتحول إلى أن «الجميع مواطنون تركيا» كل بانتمائه العرقي. ومن ثم، انتقد صفا تعامل الدولة مع مشاريع الحل. وقال: «مشاريع الحلول للقضية اقتصرت على إردوغان ومؤسسة المخابرات التركية ولم تجد أذانًا صاغية في مؤسسات الدولة، وخصوصًا في المؤسسة العسكرية وفي الوزارات مثل وزارة العدل، وفي المجلس التشريعي الذي حتى الآن لم يستطع تغيير أو إصدار أي قانون يشعر الأكراد بأنهم متساوون في هذا البلد».
من جهة ثانية، رد جيم كوجوك، الكاتب في جريدة «ستار» ومقدم برنامج سياسي في قناة 24 التلفزيونية، على التساؤل عن موقف تركيا في حال قيام كيان كردي انفصالي في شمال سوريا يترأسه حزب الاتحاد الديمقراطي، معتبرا أن هذا الموقف «سيتضح في ضوء الموقف الأميركي، فالولايات المتحدة تدعم حزب الاتحاد الديمقراطي، وفي الفترة الأخيرة قام مسؤولون أميركيون بزيارة لشمال سوريا وأجروا محادثات مع الأكراد، وكان هذا بعلم ودراية من روسيا التي تسيطر على سوريا حاليًا. وتابع كوجوك في لقاء مع لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا «تستطيع أن تحول دون قيام هذا الكيان فقط بالتدخل العسكري». واستطرد: «نحن معتادون على ما يقوله وما يحلم به الأميركيون. فخلال التسعينات أعلنوا أنهم آتون للمنطقة لإقامة دولة كردية في شمال العراق، ولكن إلى الآن لم ترَ هذه الدولة النور. ولكن إذا أرادت أميركا أن تقيم كيانًا ودولة تعترف بها في شمال سوريا، فإن هذه الدولة ستقوم، وإذا تدخلت تركيا لمنع قيامها فإن تركيا بهذا ستدخل المستنقع السوري. والمشكلة هنا أن الاقتصاد التركي لا يتحمل مثل هذه المغامرات وستكون خسائرنا على جميع الأصعدة جسيمة، ولكن أقول إن الوقت القريب المقبل سيبيّن لنا ما إذا ستتدخل تركيا في سوريا أم لا».
كوجوك يرى أيضًا أن تغيرات المواقف حول الأكراد بدأت عام 2003 بعد سقوط نظام صدام حسين، «إذ باشر الأكراد في إقليم شمال العراق ينظرون إلى تركيا نظرة إيجابية، وصارت الاستثمارات والبضائع التركية تغمر الأسواق في شمال العراق، وأصبح بارزاني من أهم أصدقاء وحلفاء تركيا حاليًا. الوضع في شمال سوريا يختلف تمامًا الآن، ولكن يمكن أن تتغير هذه النظرة بعد 5 أو 7 سنوات ويمكن أن تتغير النظرة إلى شمال سوريا لتصبح مثل شمال العراق». ثم أضاف أنه لا يتوقع أن يحصل أي شيء إلا بعد أن يتربع الرئيس الأميركي المقبل على عرش السلطة لأن باراك أوباما يستخدم الآن أسلوب إبقاء الوضع على ما هو عليه وأن يبقى القرار للرئيس المقبل».
وإذ أعرب كوجوك عن اعتقاده أنه إذا تدخلت القوات السعودية في سوريا لإسقاط الأسد، فإن تركيا ستشارك وتدعم القوات السعودية، أوضح أن «تركيا ستحسب المسألة من جميع الجهات لأن ليس من السهل أن تعلن الحرب أو المواجهة مع روسيا». وأردف: «اليوم في تركيا صاحب القرار الأول والأخير هو رجب طيب إردوغان وحكومة العدالة والتنمية.. فإذا قالوا للجيش ادخل. لا يوجد لديه خيار غير التدخل، ولكن يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن استثمارات الاقتصاد التركي على مدى 13 سنة قد تتبخر في لحظة واحدة»، مشددًا على أنه إذا أُجبرت تركيا على التدخل فإنها ستضرب بعرض الحائط كل شيء وستقامر بالدخول، «ولقد قالها إردوغان عدة مرات: إذا أُجبرنا فلن نتردد في دخول الأراضي السورية».
على صعيد آخر، يرى الباحث التركي مفيد يوكسال، المقرب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، أن «من أهم الخيارات التي أمام تركيا لمنع قيام كيان كردي، سواء في تركيا أو حولها، هو تحوّل تركيا من دولة وطنية قومية إلى دولة مشاركة لجميع الأقليات. وهذا لن يتحقق إلا بكسب تركيا الأكراد إلى جانبها». وتابع مشيرا إلى أن تركيا «هي أكثر دول في المنطقة أكرادًا وبكسبها أكراد تركيا ستكسب أكراد المنطقة».
وشرح يوكسال لـ«الشرق الأوسط» مرئياته للعلاقة مع الوضع السوري كرديًا فقال: «لو نظرنا إلى صالح مسلم وحزبه الاتحاد الديمقراطي فإننا سنرى أنه لا توجد له أرضية في الشارع الكردي في شمال سوريا، إلا أن هذا الحزب هناك يسيطر على مناطق شاسعة ولديه قوة عسكرية هائلة والسبب في هذا أن الحزب مدعوم من جميع القوى المتنفذة في المنطقة، وتركيا غضّت النظر عن توسّع وتقوية الحزب في فترة من الفترات، ففي فترة «الحل الديمقراطي» تركيا حاولت لإرضاء الأكراد أن تغض النظر عن تسليح حزب الاتحاد الديمقراطي».
وكشف يوكسال أنه وخبراء آخرين أصروا في بداية الأزمة السورية على منح أكراد سوريا ممن سحبت منهم الجنسية السورية من قبل النظام الجنسية التركية. وقال: «لو أعطت تركيا عام 2011 جوازات للأكراد السوريين فإن حزب الاتحاد الديمقراطي كان سيبقى محصورًا ودون أي تأثير يذكر، بل إن الحزب كان سيحل نفسه لأنه لن يجد مناصرين». وأضاف: «مع أن صالح مسلم يتكلم اللغة التركية وأنهى دراسته الجامعية في تركيا، وكانت إسطنبول وأنقرة بالنسبة له في بداية الأزمة نقطة انطلاق، فإن السلطات في تركيا لم تنجح في كسبه إلى جانبها، والسبب في هذا سياسة الدولة التي كانت تنظر إلى الأكراد بمنظار آخر منذ 80 أو 90 سنة».
ومن ثم، رأى أن «تركيا تعمل على تقريب أكراد العراق إليها، على الرغم من أن قيادة الإقليم تنادي بالانفصال عن العراق، وهذا يعتبر معضلة كبيرة بالنسبة لتركيا. ولكن الدولة استيقظت في اللحظة الأخيرة حيث اتضح لها أنه إذا انفصل شمال العراق الكردي السنّي عن العراق، فإن العراق سيتحوّل إلى غالبية شيعية ويصبح العراق فريسة سهلة أمام إيران، وبالتالي، سيتحول من دولة عراقية إلى إمارة تدار من طهران. ولهذا يجب أن يبقى الأكراد في العراق كعنصر موازنة، وهذا ما تعمل علية تركيا لإبقاء الأكراد السنّة عنصرا مهما للتوازن في الدولة العراقية».
وعلى أسئلة.. إذا أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي كيانًا داخل الشمال السوري فهل ستعلن تركيا الحرب عليه في ظل وجود روسيا وإيران؟ وإذا أعلنت الحرب هل ستجد دعما من حلف شمال الأطلسي أم لا؟ أو في حالة هجوم روسيا على تركيا هل سيقف إلى جانبنا حلف شمال الأطلسي أم لا؟ أجاب يوكسال: «الصراع لم ينته في سوريا بل هناك معضلة أخرى أمامنا، ويجب على دول المنطقة، وعلى رأسها تركيا، أن تقف بوجه الهيمنة الإيرانية في المنطقة. فكما حصل في اليمن حصل أيضًا في سوريا التي لم تعد سوريا قبل سنتين أو قبل سنة، بل تحولت إلى ولاية روسية - إيرانية ونحن نرى مقاتلي حزب الله يحاربون في ريف حلب».
وبالتالي، حذر يوكسال من أنه «إذا لم تستطع تركيا حل هذه المعضلة بأسرع ما يمكن فإنها ستجد نفسها مهددة بالتقسيم، لأن انفصال الأكراد عن تركيا سيفتح الباب أمام انقسامات كثيرة عاشتها تركيا عام 1912، عندما بدأت ألبانيا بالانفصال عن الدولة العثمانية، ومن ثم تلتها كيانات البلقان واحدة بعد الأخرى، وتلتها الدول العربية».
وشدد يوكسال على أن «الشارع الكردي لم يقطع الأمل بعد من الدولة التركية، ولهذا صوّت لصالح الاستقرار والسلام في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، حيث فاز حزب العدالة بنصف أصوات هذا الشارع في تركيا. وهذا - حسب الصحافي الموالي - ما يجب أن تقدره تركيا لأن الجماهير الكردية اختارت السلام والأمن، ومن ثم، أن تجري تغييرات دستورية عاجلة، خاصة، في إطار حرية التعليم باللغة الكردية وإعطاء مجال للساسة الأكراد لممارسة السياسة، كما أنه يجب على أنقرة أن تعرف بأن الأكراد ينتمون إلى المذهب الشافعي في السنّة وهم اقرب بكثير لتركيا السنّية من أي مكونات أخرى».



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.