أكراد سوريا.. و«بذرة الحرب» مع تركيا

أنقرة لم تستطع أن تكرر معهم تجربة التحالف مع أبناء عمومتهم العراقيين

أكراد سوريا.. و«بذرة الحرب» مع تركيا
TT

أكراد سوريا.. و«بذرة الحرب» مع تركيا

أكراد سوريا.. و«بذرة الحرب» مع تركيا

مع تقدم الميليشيات الكردية السورية المهادنة لنظام بشار على طول المنطقة الحدودية مع تركيا، برضا أميركي وروسي واضح، تنظر تركيا بكثير من الريبة إلى جارها «الكردي» الجديد على الحدود مع جارتها الجنوبية سوريا، ونزعته الانفصالية الواضحة، خصوصًا أن سلطات أنقرة لم تنجح في تكرار التجربة العراقية في هذا المجال. والمعروف أن علاقة أنقرة بأكراد سوريا تنتقل من توتر إلى آخر، وتهدد بحرب قد لا يتردد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في إعلان استعداده لشنها من أجل منع قيام كيان انفصالي في شمال سوريا.
لا تختلف نظرة تركيا إلى أكراد العراق عنها إلى أكراد سوريا، لكن الفارق في أن الزعيم الكردي مسعود بارزاني استطاع بناء جذور الثقة مع حكام أنقرة، بينما لم يستطع صالح مسلم، الذي درس في جامعات تركيا، ويتكلم لغتها أن يقوم بالمثل. فالأتراك يشكون كثيرًا في أن النظام السوري سبقهم إلى مد جسور التعاون مع أكراده إذ دغدغهم بأحلام الاستقلال والحكم الذاتي منذ اللحظات الأولى لاندلاع الأزمة، ومدّ إليهم أيضًا يد العون العسكرية في مناطقهم.
وفي موازاة هذا الفشل، أدى تردّد المعارضة السورية في التعاون مع الأميركيين ورفضهم التعهد بقتال «داعش» وحده دون النظام، إلى انتقال واشنطن نحو التحالف مع الأكراد الذين شكلوا فعليًا قوتها البرية على الأرض السورية، فيما يظهر حاليًا تعاون لافت بين الأكراد وروسيا التي أمّنت لهم الدعم الجوي أيضًا في أكثر من مكان.
ثم أتت الزيارة الأخيرة التي قام بها مسؤولون أميركيون إلى مناطق سيطرة الأكراد بشمال سوريا لتشكل ضربة قوية للثقة التركية بالولايات المتحدة، فأتى التحذير الشهير للرئيس رجب طيب إردوغان لواشنطن بضرورة الاختيار بين تركيا والأكراد.
تركيا تتخوف بشدة من نشوء كيانات كردية عند حدودها، خوفًا من انتقال عدوى الاستقلال إلى أكرادها الذين ينتشرون على الحدود السورية والعراقية في امتداد لما يسميه الكرد «كردستان الكبرى» أي الوطن الحلم، الذي لم يقم في التاريخ. ويقول الصحافي التركي المعارض سعيد صفا، مدير تحرير موقع «خبردار»، المقرب من حزب الشعب الجمهوري المعارض، أن الاشتباكات بين تنظيم «حزب العمال الكردستاني» والدولة التركية «لم ولن يؤثر في يوم من الأيام على مجريات الأحداث في مناطق الأكراد في سوريا أو في العراق»، لكنه أكد في المقابل أن «أي تطورات في تلك المناطق الكردية ستؤثر مباشرة على مجريات الأحداث في مناطق الأكراد في تركيا».
وتابع صفا لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «في هذه المرحلة نرى أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (في سوريا) في طريقة لإعلان كيان مستقل في سوريا، وتماشيا معه فإن حزب العمال الكردستاني هنا يضرب بكل قواه لانتزاع حق الحكم الذاتي في جنوب شرقي تركيا، لأنهم في النهاية يؤمنون بفكرة دولة كردستان الموحدة. ولكنني أعتقد أن القوى المسيطرة في سوريا، وهي اليوم روسيا وأميركا وإيران لن تسمح بتحقيق فكرة الدولة الموحدة». وأردف أن الولايات المتحدة تعتبر أن «العمال الكردستاني» إرهابي، ولكنها تدعم حزب الاتحاد الديمقراطي، وهذا يعني أنها تميز بين الأكراد في سوريا والأكراد في تركيا.
غير أن رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم يرى أن على الأتراك إذا أرادوا أن يعيشوا بسعادة واطمئنان في محيطهم وفي الشرق الأوسط عمومًا، فعليهم أن يتخلصوا من «الفوبيا» الكردية. وإذ اعترف مسلم لـ«الشرق الأوسط» في وقت سابق أن أكراد سوريا يحلمون «تقليديًا» بالاستقلال، فإنه استبعد حصول ذلك «لأن موازين القوى تغيرت»، وتابع مسلم: «لقد اعترضوا على أكراد الداخل (التركي)، ورأينا ما حصل بسبب هذا الموقف. ونحن نقول لهم أن يتعاملوا مع الأكراد في تركيا بطريقتهم الخاصة، لكن معنا يجب أن يتعاملوا بطريقة مختلفة». وأضاف: «نحن الأكراد نطمح اليوم في الوضع الألماني ضمن الاتحاد الأوروبي. وهذا الوضع يمكن أن يكون نموذجًا جيدًا بالنسبة للأكراد، من دون تغيير في الحدود».
جدير بالذكر أن أكراد سوريا عبر ميليشياتهم يسيطرون حاليًا على معظم الحدود التركية - السورية، فهم ينتشرون من الحدود العراقية حتى منطقة عين العرب - التي يسمونها كوباني - حيث تفصلهم 120 كيلومترًا عن منطقة عفرين – ذات الغالبية الكردية في أقصى شمال غربي محافظة حلب - التي أسسوا فيها إدارة ذاتية. وهم ينطلقون منها حاليًا للهجوم على المعارضة السورية مستغلين تراجعها أمام الهجوم الذي يشنه النظام السوري وحلفاؤه بدعم جوي روسي مركّز من أجل الاقتراب أكثر فأكثر من مناطق سيطرتهم الأخرى وتأمين التواصل البري الجغرافي الصعب التحقيق حاليًا.
وتؤشر التحرّكات القائمة إلى وجود «تعاون» بين الأكراد والنظام السوري في هذا المجال. ومع أن هؤلاء يدعون أن الأمر مجرد «تقارب مصالح»، نافين أي تنسيق مع النظام، فإن الوقائع على الأرض، وسعي الأكراد لانتزاع المعبر الحدودي في مدينة أعزاز (ذات الكثافة التركمانية) من يد المعارضة السورية، عاملان يثيران قلق الأتراك الذين يهددون بالتدخل في أي لحظة.
بدوره، يقول صفا إن السلطة الحالية في تركيا، التي تتمثل في حزب العدالة والتنمية «ترفض رفضا قاطعا نشوء أي كيان كردي سواء في سوريا أو في العراق، وخصوصًا في سوريا، ولهذا نرى ردود الفعل الرافضة لقيام دولة كردية سواء من الدولة أو من السلطة نفسها». ويضيف صفا لـ«الشرق الأوسط» أن «تركيبة الدولة الحديثة انطلقت عام 1925 بعد قيام الجمهورية التركية بقوانين الإصلاحات أقيمت على أساس (شعب واحد، عرق واحد، ولغة واحدة، وعلم واحد)».. ولهذا تجاهلت الدولة مكوّنات الشعب التركي، وخصوصًا الأكراد الذين يعتبرون أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية من شعب تركيا، حيث حرموا من التحدث والتعليم بلغتهم الأم كما أنهم منعوا من نشر وممارسة ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وما زالت هذه السياسة مستمرة إلى يومنا هذا (حسب صفا)، وبناءً عليه، فإن تركيا لن تقبل سواء داخل حدودها أو في دول الجوار بأن يكون هناك حتى كيان كردي يتمتع بحكم ذاتي.
وأردف الصحافي التركي المعارض: «سياسة الدولة (التركية) منذ 100 سنة نظر بحساسية للأكراد».. ثم يشير في المقابل إلى أن سياسة حزب العدالة والتنمية «تتركز على نشر فكر الإسلام التركي المعتدل وهي تشكل الآن سياسة الدولة، ولهذين السببين نرى ردود فعل قاسية وتهديدية حيال حزب الاتحاد الديمقراطي قي سوريا أو ضد حزب العمال الكردستاني وحزب ديمقراطية الشعوب في تركيا».
وإذ رأى صفا أن بوابة الحل هي في «التعمق في أسباب هذه الأزمة»، اعتبر أن الحل يكون بتغيير سياسة الدولة حيال الأكراد. وأن تسمح سلطات أنقرة باستخدام اللغة الكردية لغة للتعليم، وأن يُصار إلى تغيير المادة التي تعرّف المواطنة في الدستور ويستعاض عنها بالمساواة في المواطنة بين جميع أفراد مكونات الشعب التركي، وأن تتخلى عن فكرة بأن «جميع المواطنين أتراك» وتتحول إلى أن «الجميع مواطنون تركيا» كل بانتمائه العرقي. ومن ثم، انتقد صفا تعامل الدولة مع مشاريع الحل. وقال: «مشاريع الحلول للقضية اقتصرت على إردوغان ومؤسسة المخابرات التركية ولم تجد أذانًا صاغية في مؤسسات الدولة، وخصوصًا في المؤسسة العسكرية وفي الوزارات مثل وزارة العدل، وفي المجلس التشريعي الذي حتى الآن لم يستطع تغيير أو إصدار أي قانون يشعر الأكراد بأنهم متساوون في هذا البلد».
من جهة ثانية، رد جيم كوجوك، الكاتب في جريدة «ستار» ومقدم برنامج سياسي في قناة 24 التلفزيونية، على التساؤل عن موقف تركيا في حال قيام كيان كردي انفصالي في شمال سوريا يترأسه حزب الاتحاد الديمقراطي، معتبرا أن هذا الموقف «سيتضح في ضوء الموقف الأميركي، فالولايات المتحدة تدعم حزب الاتحاد الديمقراطي، وفي الفترة الأخيرة قام مسؤولون أميركيون بزيارة لشمال سوريا وأجروا محادثات مع الأكراد، وكان هذا بعلم ودراية من روسيا التي تسيطر على سوريا حاليًا. وتابع كوجوك في لقاء مع لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا «تستطيع أن تحول دون قيام هذا الكيان فقط بالتدخل العسكري». واستطرد: «نحن معتادون على ما يقوله وما يحلم به الأميركيون. فخلال التسعينات أعلنوا أنهم آتون للمنطقة لإقامة دولة كردية في شمال العراق، ولكن إلى الآن لم ترَ هذه الدولة النور. ولكن إذا أرادت أميركا أن تقيم كيانًا ودولة تعترف بها في شمال سوريا، فإن هذه الدولة ستقوم، وإذا تدخلت تركيا لمنع قيامها فإن تركيا بهذا ستدخل المستنقع السوري. والمشكلة هنا أن الاقتصاد التركي لا يتحمل مثل هذه المغامرات وستكون خسائرنا على جميع الأصعدة جسيمة، ولكن أقول إن الوقت القريب المقبل سيبيّن لنا ما إذا ستتدخل تركيا في سوريا أم لا».
كوجوك يرى أيضًا أن تغيرات المواقف حول الأكراد بدأت عام 2003 بعد سقوط نظام صدام حسين، «إذ باشر الأكراد في إقليم شمال العراق ينظرون إلى تركيا نظرة إيجابية، وصارت الاستثمارات والبضائع التركية تغمر الأسواق في شمال العراق، وأصبح بارزاني من أهم أصدقاء وحلفاء تركيا حاليًا. الوضع في شمال سوريا يختلف تمامًا الآن، ولكن يمكن أن تتغير هذه النظرة بعد 5 أو 7 سنوات ويمكن أن تتغير النظرة إلى شمال سوريا لتصبح مثل شمال العراق». ثم أضاف أنه لا يتوقع أن يحصل أي شيء إلا بعد أن يتربع الرئيس الأميركي المقبل على عرش السلطة لأن باراك أوباما يستخدم الآن أسلوب إبقاء الوضع على ما هو عليه وأن يبقى القرار للرئيس المقبل».
وإذ أعرب كوجوك عن اعتقاده أنه إذا تدخلت القوات السعودية في سوريا لإسقاط الأسد، فإن تركيا ستشارك وتدعم القوات السعودية، أوضح أن «تركيا ستحسب المسألة من جميع الجهات لأن ليس من السهل أن تعلن الحرب أو المواجهة مع روسيا». وأردف: «اليوم في تركيا صاحب القرار الأول والأخير هو رجب طيب إردوغان وحكومة العدالة والتنمية.. فإذا قالوا للجيش ادخل. لا يوجد لديه خيار غير التدخل، ولكن يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن استثمارات الاقتصاد التركي على مدى 13 سنة قد تتبخر في لحظة واحدة»، مشددًا على أنه إذا أُجبرت تركيا على التدخل فإنها ستضرب بعرض الحائط كل شيء وستقامر بالدخول، «ولقد قالها إردوغان عدة مرات: إذا أُجبرنا فلن نتردد في دخول الأراضي السورية».
على صعيد آخر، يرى الباحث التركي مفيد يوكسال، المقرب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، أن «من أهم الخيارات التي أمام تركيا لمنع قيام كيان كردي، سواء في تركيا أو حولها، هو تحوّل تركيا من دولة وطنية قومية إلى دولة مشاركة لجميع الأقليات. وهذا لن يتحقق إلا بكسب تركيا الأكراد إلى جانبها». وتابع مشيرا إلى أن تركيا «هي أكثر دول في المنطقة أكرادًا وبكسبها أكراد تركيا ستكسب أكراد المنطقة».
وشرح يوكسال لـ«الشرق الأوسط» مرئياته للعلاقة مع الوضع السوري كرديًا فقال: «لو نظرنا إلى صالح مسلم وحزبه الاتحاد الديمقراطي فإننا سنرى أنه لا توجد له أرضية في الشارع الكردي في شمال سوريا، إلا أن هذا الحزب هناك يسيطر على مناطق شاسعة ولديه قوة عسكرية هائلة والسبب في هذا أن الحزب مدعوم من جميع القوى المتنفذة في المنطقة، وتركيا غضّت النظر عن توسّع وتقوية الحزب في فترة من الفترات، ففي فترة «الحل الديمقراطي» تركيا حاولت لإرضاء الأكراد أن تغض النظر عن تسليح حزب الاتحاد الديمقراطي».
وكشف يوكسال أنه وخبراء آخرين أصروا في بداية الأزمة السورية على منح أكراد سوريا ممن سحبت منهم الجنسية السورية من قبل النظام الجنسية التركية. وقال: «لو أعطت تركيا عام 2011 جوازات للأكراد السوريين فإن حزب الاتحاد الديمقراطي كان سيبقى محصورًا ودون أي تأثير يذكر، بل إن الحزب كان سيحل نفسه لأنه لن يجد مناصرين». وأضاف: «مع أن صالح مسلم يتكلم اللغة التركية وأنهى دراسته الجامعية في تركيا، وكانت إسطنبول وأنقرة بالنسبة له في بداية الأزمة نقطة انطلاق، فإن السلطات في تركيا لم تنجح في كسبه إلى جانبها، والسبب في هذا سياسة الدولة التي كانت تنظر إلى الأكراد بمنظار آخر منذ 80 أو 90 سنة».
ومن ثم، رأى أن «تركيا تعمل على تقريب أكراد العراق إليها، على الرغم من أن قيادة الإقليم تنادي بالانفصال عن العراق، وهذا يعتبر معضلة كبيرة بالنسبة لتركيا. ولكن الدولة استيقظت في اللحظة الأخيرة حيث اتضح لها أنه إذا انفصل شمال العراق الكردي السنّي عن العراق، فإن العراق سيتحوّل إلى غالبية شيعية ويصبح العراق فريسة سهلة أمام إيران، وبالتالي، سيتحول من دولة عراقية إلى إمارة تدار من طهران. ولهذا يجب أن يبقى الأكراد في العراق كعنصر موازنة، وهذا ما تعمل علية تركيا لإبقاء الأكراد السنّة عنصرا مهما للتوازن في الدولة العراقية».
وعلى أسئلة.. إذا أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي كيانًا داخل الشمال السوري فهل ستعلن تركيا الحرب عليه في ظل وجود روسيا وإيران؟ وإذا أعلنت الحرب هل ستجد دعما من حلف شمال الأطلسي أم لا؟ أو في حالة هجوم روسيا على تركيا هل سيقف إلى جانبنا حلف شمال الأطلسي أم لا؟ أجاب يوكسال: «الصراع لم ينته في سوريا بل هناك معضلة أخرى أمامنا، ويجب على دول المنطقة، وعلى رأسها تركيا، أن تقف بوجه الهيمنة الإيرانية في المنطقة. فكما حصل في اليمن حصل أيضًا في سوريا التي لم تعد سوريا قبل سنتين أو قبل سنة، بل تحولت إلى ولاية روسية - إيرانية ونحن نرى مقاتلي حزب الله يحاربون في ريف حلب».
وبالتالي، حذر يوكسال من أنه «إذا لم تستطع تركيا حل هذه المعضلة بأسرع ما يمكن فإنها ستجد نفسها مهددة بالتقسيم، لأن انفصال الأكراد عن تركيا سيفتح الباب أمام انقسامات كثيرة عاشتها تركيا عام 1912، عندما بدأت ألبانيا بالانفصال عن الدولة العثمانية، ومن ثم تلتها كيانات البلقان واحدة بعد الأخرى، وتلتها الدول العربية».
وشدد يوكسال على أن «الشارع الكردي لم يقطع الأمل بعد من الدولة التركية، ولهذا صوّت لصالح الاستقرار والسلام في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، حيث فاز حزب العدالة بنصف أصوات هذا الشارع في تركيا. وهذا - حسب الصحافي الموالي - ما يجب أن تقدره تركيا لأن الجماهير الكردية اختارت السلام والأمن، ومن ثم، أن تجري تغييرات دستورية عاجلة، خاصة، في إطار حرية التعليم باللغة الكردية وإعطاء مجال للساسة الأكراد لممارسة السياسة، كما أنه يجب على أنقرة أن تعرف بأن الأكراد ينتمون إلى المذهب الشافعي في السنّة وهم اقرب بكثير لتركيا السنّية من أي مكونات أخرى».



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟