إيران «تحكم قبضتها» على الاستثمار الأجنبي بصفقات «حكومية حصرية»

شكاوى في القطاع الخاص من الاحتكار.. واتهامات بالفساد وعدم الكفاءة

عاملون بأحد مصانع تجميع السيارات في مدينة خوردو الإيرانية (أ.ب)
عاملون بأحد مصانع تجميع السيارات في مدينة خوردو الإيرانية (أ.ب)
TT

إيران «تحكم قبضتها» على الاستثمار الأجنبي بصفقات «حكومية حصرية»

عاملون بأحد مصانع تجميع السيارات في مدينة خوردو الإيرانية (أ.ب)
عاملون بأحد مصانع تجميع السيارات في مدينة خوردو الإيرانية (أ.ب)

بعد أسبوعين فقط عقب رفع العقوبات، وما صاحبها على نطاق واسع من توقعات بهرج ومرج نتيجة اندفاع الأموال والخبرات الغربية إلى إيران، فإن مستوى الانفتاح الإيراني الحالي يبدو محجما، وهو ما بدأ في الظهور مع سعي القيادات المحافظة في إيران للحد من مستوى التأثيرات الغربية في داخل البلاد.
وخلف العناوين الصحافية الكبيرة التي تعلن عن العقود التجارية الجديدة مع الشركات الأوروبية، بات من الواضح وبشكل متزايد أن الصفقات التي أبرمت بالفعل، وحتى الآن، كانت مع التكتلات الاقتصادية الإيرانية المدعومة من الحكومة. وهي تلك المجموعات الكبيرة التي تهيمن على القطاعات الصناعية والتجارية الكبرى في الاقتصاد الإيراني والتي تخضع كذلك للرقابة المشددة من قبل صناديق التقاعد والشركات الاستثمارية ذات الصلات الوثيقة بالأجهزة الحكومية، مثل الحرس الثوري الإيراني.
ونتيجة لذلك، فلم يصل شيء يذكر إلى المستويات الدنيا من القطاع الخاص الإيراني الهائل والمحاصر في ذات الوقت. ويقول بهمان إيزغي الأمين العام للغرفة التجارية في طهران: «لدينا تضارب في المصالح مع الحكومة، بسبب أنها تجاوزت مصالح كل المنافسين».
اشتملت كل الصفقات الدولية الكبرى الموقعة والمبرمة خلال الأسابيع الأخيرة على الشركات الحكومية أو الصناعات التابعة والمدعومة من الحكومة. فلقد وقعت شركة الطيران الوطنية «إيران إير»، على صفقة لشراء أكثر من 100 طائرة ركاب مدنية من شركة «إيرباص» الأوروبية. وبدأت هيئة تنمية وتجديد صناعات المناجم والتعدين الإيرانية، وهي من أكبر الكيانات الاقتصادية في البلاد، في تنفيذ مشروع مشترك بقيمة ملياري دولار مع شركة «دانييلي» للحديد والصلب الإيطالية. كما سوف تستثمر شركة «بي إس إيه بيجو ستروين» الفرنسية مبلغ 439 مليون دولار في شركة «خودرو» الإيرانية لصناعة السيارات.
ولكن عندما تتواصل الشركات الخاصة الصغيرة مع نظيرتها الأجنبية بشأن مختلف الصفقات لا تحصل إلا على الرد التالي: كيف سوف تدفعون الأموال المطلوبة؟ قد تكون العقوبات النووية قد ألغيت، ولكن البنوك الدولية جميعها لا تزال مترددة من دخول الأسواق الإيرانية بسبب اللوائح الأميركية أحادية الجانب التي تصم إيران بالدولة الراعية للإرهاب. ويقول السيد إيزغي عن ذلك: «لا يمكننا الحصول على أي ائتمان، داخل أو خارج البلاد، كما لا يمكننا تحويل الأموال إلى الخارج، وللحكومة أولوياتها التي تتجاوز مصالحنا». وسوف يقوم السيد إيزغي، وهو الواجهة الرسمية لأكبر منظمة من الشركات التجارية الخاصة في البلاد، بإغلاق شركته الخاصة، وهو مصنع للحافلات، وتسريح ما تبقى من موظفي الشركة. والسبب كما يقول هو عدم وجود عمل أو أمل في أي عمل قريب، حتى بعد رفع العقوبات الدولية. وأضاف السيد إيزغي يقول: «سوف أكون الأمين العام للغرفة التجارية في طهران، والعاطل عن العمل تماما، أمر مثير للسخرية، أليس كذلك؟».
لرفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، كما يقول السيد إيزغي، جوانب إيجابية بالنسبة للعاملين في القطاع الخاص الإيراني والذين يتمكنون من الوصول إلى بعض الأموال القادمة من الخارج «ولكن بصورة عامة، تزداد الحكومة بدانة بمرور الوقت»، في إشارة إلى احتكار الاستفادة من الاستثمارات.
وكرر الرئيس حسن روحاني يوم الثلاثاء أن هدف الحكومة الإيرانية هو بلوغ 8 في المائة من النمو الاقتصادي خلال هذا العام، وهو هدف معقول بالنظر إلى تدفق الأصول المالية وحجم الاستثمارات الهائلة المطلوبة في إيران لتحديث المرافق والمنشآت المتداعية بعد سنوات من العقوبات الاقتصادية. ولكن تحقيق مستويات النمو المستهدفة، كما يقول الخبراء هنا، وخصوصا في ظل عصر أسعار النفط المتدنية، سوف يتطلب تخفيف القيود المالية التي لا يُظهر الزعماء المحافظين في إيران أي قدر من التساهل بشأنها. يقول بعض المحللين إن التكتلات الاقتصادية الإيرانية المدعومة من الحكومة هي الكيانات الوحيدة القادرة على التعامل مع 50 مليار دولار أو نحوها من الأموال الإيرانية من خلال الاستثمارات السنوية التي تحتاج إليها إيران.
ويقول أمين أمان زادة، المراسل الاقتصادي للكثير من الصحف الإيرانية «إن شركاتنا المحلية الكبرى هي على رأس الأولويات في البلاد، وهي الشركات الوحيدة القادرة على التعامل مع الاستثمارات الأجنبية القادمة. وكذلك، إذا تحسنت وضعية تلك الشركات فسوف يتحسن الاقتصاد الإيراني تبعا لها».
ولكن نقاد التكتلات الاقتصادية شبه الاشتراكية في إيران يدحضون تلك المزاعم، ويقولون إنها تكتلات غارقة في الفساد وعدم الكفاءة حتى أذنيها. ومن المرجح، كما يقولون، أن يكون هدف القيادة الإيرانية المحافظة الأول هو الحد من النفوذ الغربي في المجتمع والاقتصاد الإيراني عند أدنى مستوى ممكن.
* طهران والسيطرة
ولا تختلف الفصائل الإيرانية المتشددة حول تلك القضية، حيث يقول حميد رضا تراغي، وهو محلل مقرب من دوائر القيادة الإيرانية: «يمكن للحكومة السيطرة على الاستثمارات من خلال شركاتنا الكبرى. ولكن فتح البلاد على مصراعيها بالطريقة التي تمارسها بعض الدول والأسواق الناشئة هي من الأمور غير الواردة في إيران على الإطلاق». وأضاف السيد تراغي يقول: «من شأن ذلك الانفتاح أن يطلق يد الحكومات والمستثمرين الغربيين في شؤون البلاد، وهو مستوى النفوذ الذي سوف يستخدمونه لا محالة في التأثير على السياسة الداخلية، والثقافة، والمجتمع الإيراني ككل».
وكان المرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، قد شدد على تلك النقطة منذ أن تم التوقيع على الاتفاق النووي في يوليو (تموز) الماضي. ويقول أغلب المحللين إنه سوف يمر وقت طويل قبل أن تخفف القيادة الإيرانية من قبضتها إلى المستوى الذي بدأته الصين عندما شرعت في تنفيذ الإصلاحات الداخلية في حقبة السبعينات من القرن الماضي.
وبدأ تدفق الأجانب، الذي يرافق الاستثمارات الأجنبية في إيران، في التحول إلى مسألة ذات شأن بالنسبة للصقور في الحكومة الإيرانية الذين يقولون إن مهمتهم الأولى هي حماية عقيدة المجتمع الإيراني، كما قال السيد إيزغي. فهناك الآن ما لا يقل عن 1000 مواطن أجنبي يعيشون في طهران، المدينة التي يبلغ تعدادها 12 مليون نسمة. ويتابع السيد إيزغي قوله: «تخيل وجود مائة ألف مواطن أجنبي يعيشون هنا. ليس لدى القيادة القدرة على تحمل ذلك».
وبالنسبة للرئيس حسن روحاني، والذي خاض الانتخابات الرئاسية في أول الأمر على تعهدات برفع العقوبات الاقتصادية وإنهاء عزلة إيران الدولية، فإن استمرار القيود الصارمة قد يثير المزيد من المشكلات السياسية. وعلى الرغم من رفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد قبل أسبوعين فقط، فإن الشعب الإيراني لا يزال يعاني من البطء الشديد في التغير الداخلي.
يقول رضا علاء فيردي، ويعمل حمالا للأمتعة في سوق طهران الكبيرة أثناء ما كان يدفع عربة محملة بالقمصان المنتجة محليا عبر الأزقة الضيقة في السوق «هناك الكثير من الأموال في طريقها إلينا، ولكنها لن تصل إلى على أي حال».
* مؤشرات جمود
أحد المؤشرات القليلة على التغير الجديد والملحوظ من قبل الجميع هنا، هي الريال، العملة الوطنية الإيرانية، والذي لم يبرح مكانه منذ رفع العقوبات عن البلاد. ويقول أحد صرافي العملات الذي رفض ذكر اسمه «تريد الحكومة أن يبقى سعر الدولار مرتفعا، ولديهم الآن إمكانية الحصول على الكثير من الدولارات». وشهدت سوق الإسكان جمودا أيضًا في إيران، كما هو الحال في أسعار الأراضي، وهو إشارة كما يقول البعض إلى الانهيار في أسعار النفط العالمية. ويقول إسماعيل تبريزي، وهو أحد باعة الساعات في طهران «طالما استمرت أسعار النفط في الانخفاض لن نرى شيئا يتغير هنا قريبا». وهناك آمال بسيطة لأولئك العاملين في القطاع الخاص بشأن التحسن السريع في الأوضاع، كما يقول أحد رجال الأعمال، الذي يشعر بالإحباط بسبب رفض الشركاء الدوليين توفير الائتمان المطلوب والبنوك التي ترفض تنفيذ عمليات تحويل الأموال.
والمشكلة كما يقول تكمن في أن التكتلات الكبيرة المدعومة من الحكومة تسعى وراء إبرام الصفقات لمحاولة الحصول على ضمانات خاصة، والحكومة لا تقدم المساعدة لرجال الأعمال والشركات الصغيرة للحصول على الائتمان.
يقول كاوح شيخ الإسلام، وهو مستورد لمعدات جراحات المخ والأعصاب «كل ما تمكنت منه هو حضور مؤتمر في دبي». ويريد الكثير من المصنعين الغربيين الاجتماع معه، ولكنه لا يستطيع إبرام أي صفقات معهم.
ويضيف قائلا «أريد شراء منتج يبلغ سعره 30 ألف دولار، ولكنهم سألوني: هل بإمكانك تحويل الأموال إلى حسابنا المصرفي؟ وكانت إجابتي بالنفي، ومن ثم انتهيت من قهوتي وانصرفت».
* خدمة «نيويورك تايمز» - خاص بـ«الشرق الأوسط»



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.