بعد معارك قضائية.. {البنتاغون} ينشر صور تعذيب لسجناء في العراق وأفغانستان

نشر تحت ضغوط استمرت أكثر من 10 سنوات 200 صورة أقل فظاعة.. وحقوقيون يواصلون المطالبات بنشر المزيد

TT

بعد معارك قضائية.. {البنتاغون} ينشر صور تعذيب لسجناء في العراق وأفغانستان

بعد أكثر من 10 أعوام على رفع قضايا قانونية لنشر صور تعذيبات سجن أبو غريب في العراق، خلال الاحتلال الأميركي، اضطر البنتاغون للرضوخ، لكنه نشر، مساء أول من أمس، فقط 200 صورة. وقال ناقدون إن هناك صورًا أكثر فظاعة لم ينشرها البنتاغون. وهددوا برفع مزيد من القضايا القانونية.
تظهر الصور التي نشرت إصابات وكدمات على أجسام المعتقلين، لكن، قالت وكالة «رويترز» إنها «ليست في فظاعة الصور التي انتشرت للتعذيب في سجن أبو غريب بالعراق عام 2004».
وجاء نشر هذه الصور بعد معركة قضائية طويلة بين البنتاغون والاتحاد الأميركي للحريات المدنية (آكلو)، حيث يطالب الاتحاد بنشر ألفي صورة للتعذيب وسوء المعاملة بحوزة السلطات الأميركية.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية تصريح متحدث باسم الاتحاد الأميركي للحقوق المدنية (أي سي إل يو)، الذي قاد الحملة لنشر الصور، أن الصور «لا تمثل إلا قسمًا صغيرًا مما تملكه الوزارة.. وانتقيت لتضليل الرأي العام عن المدى الحقيقي للانتهاكات».
ونقلت الوكالة على لسان متحدثة باسم منظمة العفو الدولية أن التعذيب لم يكن ممارسة فردية، بل كان منهجيًا وبأوامر عليا.
وفي بيان مع الصور، قال البنتاغون إن «تحقيقات جنائية في 56 اتهاما سوء سلوك لأفراد في الجيش الأميركي كشفت عن هذه الصور. وأن 14 من هذه الاتهامات تم التأكد منها، وأدت إلى أحكام بالسجن مدى الحياة».
وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد أقر منتصف العام الماضي قانونًا يحظر استخدام «أساليب الاستجواب القاسية»، كما أصدر في وقت سابق تقريرًا من 153 صفحة عن التعذيب الذي مارسته وكالة الاستخبارات المركزية، لكن «هيومن رايتس ووتش» قالت قبل شهرين إنه بعد عام على صدور التقرير لم تحقق واشنطن جنائيًا في الموضوع ولم تنصف الضحايا.
ومنذ عام 2004، عندما كشف التعذيب، بعد عام من غزو العراق، بدا اتحاد الحقوق المدنية مساعي قضائية للحصول على إذن من القضاء لنشر ألفي صورة تقريبًا، تطبيقًا لقانون حرية الإعلام. لكن، واجهت المحاولات عراقيل من البيت الأبيض ومن الكونغرس، خوفًا من أن يسبب نشر الصور كراهية ضد الجنود الأميركيين، وضد الولايات المتحدة.
في عام 2009، أصدر الكونغرس قانونًا يسمح لوزير الدفاع عدم نشر الصور «في حالة اعتبار أن نشرها يهدد أمن الأميركيين»، لكن، في العام الماضي، وافق وزير الدفاع آشتون كارتر على أمر قضائي، وعلى نشر 198 صورة من جملة ما يعتقد أنها ألف صورة.
في ذلك الوقت، طلبت منظمات لحقوق الإنسان من الكونغرس التحقيق في تعذيب سجن أبو غريب، بالإضافة إلى تعذيب سجن غوانتانامو. واشتركت في الدعوة منظمة «فيزيشيانز فور هيومان رايتس» (أطباء من أجل حقوق الإنسان) التي نالت جائزة نوبل للسلام. ودعت في مؤتمر صحافي عقدته في مبنى الكونغرس إلى أهمية «إجراء تحقيق شامل، ومستقل فيما حدث من أعمال تعذيب في غوانتانامو، وفي أبو غريب، وفي أماكن أخرى اعتقل فيها أشخاص يعتقد أن لهم صلات بالإرهاب».
وطالب رئيس المنظمة، ليونارد روبنشتاين، «تحقيقًا كاملاً، في صورة لجنة مستقلة، وغير حزبية، لتتمكن من الوصول إلى كل الوثائق، وتقدر على أن تستدعي شهودًا، وتقدر على الحصول على كل الوثائق ذات الصلة».
وقال الجنرال الأميركي المتقاعد، أنطونيو تيغوبا: «صراحة، لا شك، بعد الآن، في أن الحكومة الأميركية ارتكبت جرائم حرب»، وأضاف تيغوبا، الذي قاد التحقيق الرسمي في تعذيب سجن أبو غريب: «السؤال الوحيد الذي تجب الإجابة عنه هو: هل سيحاسب الأشخاص الذين أصدروا الأوامر باستخدام التعذيب؟ أو لن يحاسبوا؟».
ونقلت وكالة الأخبار الألمانية (دي بي إيه) أن أغلبية الأميركيين ترى أن أساليب التعذيب التي استعملتها القوات الأميركية المسلحة في أبو غريب، وفي غوانتامو، وأيضًا أعمال التعذيب التي استعملتها وكالة الاستخبارات (سي آي إيه) «عمل يمكن تبريره لحماية الوطن».
وكتب الكاتب الأميركي بيتر باينارت في مجلة «آتلانتيك» الأميركية أن التعذيب «مارسته أميركا على امتداد تاريخها، سواء خلال الفترة التي ساد فيها الرق، أو خلال الحرب الإسبانية الأميركية في القرن التاسع عشر، أو خلال حرب فيتنام في القرن الماضي».
في عام 2011، انتقد الرئيس باراك أوباما تقريرا أصدره الكونغرس برر فيه بعض أساليب التعذيب التي استعملتها «سي آي إيه» وقال أوباما: «يتعارض التعذيب مع قيم الولايات المتحدة».
يقع سجن أبو غريب، الذي يسمى حاليا سجن بغداد المركزي، قرب مدينة أبو غريب، على مسافة 30 كيلومترا غرب بغداد. واشتهر بعد احتلال العراق، عام 2003، لاستخدامه من قبل قوات التحالف في العراق لاعتقال واستجواب المعارضين للاحتلال. وبعد نشر صور من داخله، صار رمزا لإساءة معاملة السجناء من قبل قوات التحالف. وصارت عبارة «فضيحة أبو غريب» تشير إلى تعذيب السجناء العراقيين، وإذلالهم، وتصويرهم في أوضاع فاضحة، وقاسية، وتكديسهم عراة، واستجوابهم بطرق مهينة من قبل الجنود الأميركيين.
وصارت صور السجين العراقي علي شلال القيسي، وهو يقف على صندوق وجسمه موصل بأسلاك كهربائية، رمزا لما حدث.
في عام 2004، بعد عام من غزو العراق، انفجرت الفضيحة عندما نشر تلفزيون «سي بي إس» صورا التقطها أميركيون داخل السجن. وفيها انتهاكات جسدية، ونفسية، وإساءات جنسية، وتعذيب، واغتصاب، وقتل. بالإضافة إلى دور العسكريين، تورطت شركات خاصة كانت تعاقدت مع البنتاغون للحراسة والاستجواب؛ منها شركة «كاكي» الأمنية الأميركية.
وفي وقت لاحق، رفع محامون أميركيون، باسم بعض السجناء الذين عذبوا، قضايا ضد البنتاغون، وضد شركات خاصة، منها «كاكي» واشتركت منظمات لحقوق الإنسان في رفع بعض هذه القضايا.
لكن، رفضت كثير من المحاكم الأميركية النظر في ما حدث بحجة أنه حدث خارج الحدود الأميركية.
في عام 2007، وللإجابة على السؤال «لماذا عذب أفراد من الشرطة العسكرية السجناء العراقيين؟»، حاول فيلم «أشباح أبو غريب» الوصول إلى معلومات مؤكدة، لكن، قوبل إخراج وصدور الفيلم بانتقادات من مسؤولين في البنتاغون، وأعضاء في الكونغرس.
خلال تلك الفترة، أعلن البنتاغون انه أجرى سلسلة تحقيقات. وكان من بين الذين اعتقلوا وحوكموا بعض أفراد الشرطة العسكرية من الرتب الصغيرة. وكان منهم الرقيب مايكل سميث، الذي ظهر في صورة التحرش بمعتقل عراقي مع طلب شرس، وحوكم بالسجن 8 سنوات ثم خفف الحكم إلى 8 شهور فقط.
وكان صاحب أعلى رتبة عسكرية حوكم هو النقيب شوان مارتن، الذي حوكم بالسجن شهرا، وغرامة 12.000 دولار أميركي فقط.
في عام 2005، أصدرت منظمة حقوق الإنسان الأميركية تقريرًا حول ما حدث، وحملت المسؤولية المباشرة للقادة العسكريين في البنتاغون. وقالت إن وزير الدفاع في ذلك الوقت، دونالد رامسفيلد، كان يصدر تعليمات القسوة والتشدد.
وأشار التقرير إلى أسماء أخرى، منها: المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) جورج تينيت، والفريق ريكاردو سانشيز، القائد الأعلى السابق في العراق، واللورد جفري ميللر، القائد السابق لمعسكر الاعتقال في خليج غوانتانامو في كوبا.
في عام 2009، صدر التقرير العسكري النهائي للتحقيقات التي أشرف عليها الجنرال أنطونيو تاجوبا. وفيه تفاصيل مرعبة. منها أن الجنود الأميركيين مارسوا 13 طريقة في التعذيب. تبدأ من الصفع على الوجه والضرب، وتنتهي بالاعتداء الجنسي واللواط وترك السجناء والسجينات عرايا لعدة أيام، وإجبار المعتقلين العرايا الرجال على ارتداء ملابس داخلية نسائية، والضغط على السجناء لإجبارهم على ممارسة العادة السرية، وممارسة أفعال جنسية شاذة، وتصويرها بالفيديو.
وأيضا، إجبار السجناء العرايا على التكدس فوق بعضهم، ثم القفز فوقهم، ووضع سجناء فوق صناديق وتوصيل أجزاء منهم بالكهرباء (مثلما حدث لعلي القيسي. ووضع سلسلة جر الكلاب حول أعناق سجناء، وسحبهم من قبل جنود وجنديات، وصارت واحدة من هذه الصور التي فيها الجندية ليندا إنغلاند، واحدة من رموز السجن.
في عام 2011، بعد أن خرجت من سجن ثلاث سنوات، قالت إنها ليست نادمة، وقالت: «أنقذت أرواح كثير من زملائي الجنود».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.