«قروض سامة» بتريليونات الدولارات حول العالم تثقل كاهل النمو العالمي

تتجاوز في الصين وحدها 5 تريليونات دولار أي نصف ناتجها الاقتصادي

«قروض سامة» بتريليونات الدولارات حول العالم تثقل كاهل النمو العالمي
TT

«قروض سامة» بتريليونات الدولارات حول العالم تثقل كاهل النمو العالمي

«قروض سامة» بتريليونات الدولارات حول العالم تثقل كاهل النمو العالمي

تكمن تحت سطح النظام المالي العالمي مشكلة تقدر بتريليونات الدولارات، من شأنها أن تضعف قوة الاقتصادات الكبرى لعدة سنوات مقبلة.
المشكلة هي مجموعة عملاقة من القروض الراكدة التي تكافح الشركات والكثير من الناس في مختلف أنحاء العالم من أجل سدادها. ولقد كانت القروض المعدومة تشكل عبئا كبيرا على النشاط الاقتصادي منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008، لكن خلال الشهور الأخيرة بدأ التهديد الذي يشكله تراكم القروض السيئة في التصاعد. وتعتبر الصين هي أكبر مصادر القلق العالمي. ويقدر بعض المحللين أن الائتمانات المضطربة في الصين تتجاوز مستوى 5 تريليونات دولار، وهو رقم مذهل يعادل نصف الناتج الاقتصادي السنوي في البلاد.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن البنوك الصينية تراجعت عن الإقراض في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وإذا ما استمرت تلك التوجهات فإن الاقتصاد الصيني، وهو ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، قد يشهد حالة من التباطؤ أكثر مما يعاني الآن، مما يلحق المزيد من الضرر بالعديد من الدول التي ظلت لسنوات طويلة معتمدة على الصين في نموها الاقتصادي.
لكن الأمر لا يتعلق بالصين فحسب.. ففي أي وقت تطلق فيه البنوك المركزية سياسات التحفيز الصارمة خلال السنوات الأخيرة يتبعها على الفور شبح الديون السامة. وفي الولايات المتحدة، استغرق الأمر شهورا عديدة لانقشاع سحابة أزمة أسواق الرهن العقاري بعد أزمة الإسكان الأخيرة، في الوقت الذي تكافح فيه شركات الطاقة لسداد الأموال الرخيصة التي اقترضتها لتمويل طفرة النفط الصخري.
وفي أوروبا، يقول المحللون إن إجمالي القروض المعدومة يتجاوز تريليون دولار. لا تزال العديد من البنوك الأوروبية مثقلة بأعباء القروض المتعثرة، مما يزيد من تعقيد جهود صناع السياسات في إنعاش الاقتصاد بالقارة العتيقة. ولقد أعلنت إيطاليا، على سبيل المثال، الأسبوع الماضي عن خطة لتطهير القروض المعدومة من صناعتها المصرفية المثقلة بالأعباء.
ومن ناحية أخرى، تتزايد حدة القروض المعدومة في أكبر بنوك البرازيل، في الوقت الذي تواجه فيه البلاد الآثار المترتبة على الإفراط في الإشادة بالائتمان المصرفي.
يقول ألبرتو غاللو، رئيس الأبحاث الائتمانية العالمية الكلية لدى البنك الملكي الاسكوتلندي في لندن: «إذا واجهت طفرة ثم بعدها حالة ركود، فأنت لا تصنع سوى الخسائر الاقتصادية. ويمكن أن تأمل أن تتحول الخسائر ذات يوم إلى أرباح، لكن إذا لم يتحقق ذلك فسوف تتحول الخسائر إلى عبء كبير على الاقتصاد».
وفي الأوقات الطيبة، تحصل الشركات والمواطنين على قروض جديدة، حتى مع أسعار الفائدة المنخفضة، لشراء السلع والخدمات. وعند التباطؤ الاقتصادي تصبح تلك الديون عسيرة على السداد بالنسبة للعديد من المقترضين. وكلما كانت الطفرة الاقتصادية كبيرة، ازدادت صعوبة سداد الديون المتروكة للمصرفيين وصناع السياسات للتعامل معها.
ومن الناحية النظرية، فمن المنطقي بالنسبة للبنوك الاعتراف سريعا بالخسائر التي صارت جزءا لا يتجزأ من القروض المعدومة – ومن ثم تعويض الخسائر الناجمة عن جمع رؤوس الأموال الجديدة. ومن المرجح للبنوك المطهرة من القروض المعدومة أن تبدأ في الإقراض مجددا – وبالتالي تلعب دورها في تعزيز الانتعاش الاقتصادي.
لكن في واقع الأمر، يمكن لتلك المقاربة أن تكون عصية على التنفيذ. فالاعتراف بالخسائر على القروض السيئة يمكن أن يعني الدفع بالشركات المقترضة إلى حافة الإفلاس ويدفع بالأسر المقترضة إلى إغلاق الرهانات العقارية. ومن شأن تلك الاضطرابات أن تسبب اهتزازات في مختلف مناحي الاقتصاد، مما يستلزم خططا لإنقاذ دافعي الضرائب إلى جانب آثارها الاجتماعية السيئة. وفي بعض الحالات قد تجد البنوك صعوبة بالغة في تأمين رؤوس الأموال الجديدة في الأسواق.
وحتى مع ذلك، فإن الآثار السيئة المترتبة على تأخير عملية التطهير المصرفية تكمن في استمرار معاناة البنوك وعزوفها عن الإقراض، مما يخمد الآمال في أي انتعاش اقتصادي منتظر، حيث يقول خبراء الاقتصاد إن اليابان انتظرت فترات طويلة للغاية عقب الفترة الائتمانية التي شهدتها في ثمانينات القرن الماضي حتى تدفع البنوك للاعتراف بالخسائر الكبيرة المحققة، كما أن اقتصاد البلاد واجه معاناة هائلة لعدة سنوات نتيجة لذلك.
والآن، بدأ القلق يساور العديد من الخبراء المصرفيين حول القروض الصينية المعدومة.
ولقد ألقت المخاوف من استمرار التباطؤ الاقتصادي في البلاد بثقلها على الأسواق العالمية خلال الشهور الأخيرة نظرا لأن الاقتصاد الصيني الضعيف سوف يؤثر سلبيا على النمو الاقتصادي العالمي. وتركز العديد من هذه المخاوف على الصناعة المصرفية الصينية. وفي السنوات الأخيرة، أطلقت البنوك وغيرها من المؤسسات المالية الصينية موجة عارمة من القروض الجديدة والمنتجات الائتمانية الأخرى، والتي لن يتم سداد الكثير منها بالكامل.
تقول شارلين تشو، المحللة الاقتصادية لدى شركة الأبحاث الذاتية ومقرها هونغ كونغ، إن القطاع المالي الصيني سوف يشهد قروضا وغير ذلك من الأصول المالية بقيمة 30 تريليون دولار بحلول نهاية هذا العام، ارتفاعا من مستوى 9 تريليونات دولار قبل سبعة أعوام مضت.
وتابعت السيدة تشو قولها عبر رسالة بالبريد الإلكتروني: «لم يشهد العالم نموا ائتمانيا بهذا الحجم الهائل خلال تلك الفترة الوجيزة من قبل، وإننا نعتقد أن تلك الموجة لها تأثير مباشر أو غير مباشر تقريبا على كل أسعار الأصول في العالم، وهو السبب وراء حالة التوتر الشديدة التي تشهدها الأسواق حول فكرة أن المشاكل الائتمانية في الصين قد تنهار تماما».
ويقول المحللون إن الأرقام المعلنة للقروض المتعثرة في الصين من الأرجح ألا تعكس حجم المشكلة الحقيقي. وتقدر السيدة تشو في تحليلها المذكور أنه بنهاية عام 2016 سوف تكون نسبة 22 في المائة من القروض والأصول في النظام المالي الصيني «متعثرة»، وهو مصطلح خاص بالصناعة المصرفية يستخدم في توصيف تخلف المقترض عن سداد الديون المستحقة أو تواجهه الصعوبات في سبل السداد الكامل للديون. ومن حيث القيمة الدولارية فإن ذلك يعني ما قيمته 6.6 تريليون دولار من القروض والأصول الصينية. وأضافت السيدة تشو في رسالتها: «ذلك التقدير في الواقع ليس عصيا على الحدوث. فلقد شاهدنا نسبا مماثلة في بلدان أخرى. لكن الشيء المختلف هنا هو المقياس، والذي يعكس الحجم الهائل للطفرة الائتمانية الصينية». وتقدر السيدة تشو أن القروض السيئة قد تؤدي إلى 4.4 تريليون دولار من الخسائر الفعلية.وعلى الرغم من عدم وجود بيانات رسمية تعكس الرقم الفعلي للقروض السيئة، فإن بعض المحللين الآخرين وصلت لديهم التقديرات حتى مبلغ 5 تريليونات دولار.
وباعتبار الغموض الذي يشوب الصناعة المالية الصينية، فقد وصل محللون آخرون إلى تقديرات برقم أساسي بالنسبة للقروض السيئة. حيث يقول البروفسور كريستوفر بولدينغ، الأستاذ المساعد في كلية «إتش إس بي سي» لإدارة الأعمال في جامعة بكين، إن أحد تحليلات مدفوعات فوائد الشركات إلى البنوك الصينية يقدر أن نسبة 8 في المائة من القروض للشركات قد تكون متعثرة. لكن البروفسور بولدينغ يضيف قائلا إنه كان من الممكن أن رقم القروض السيئة لإجمالي النظام المالي الصيني قد يكون أعلى من ذلك بكثير.
والسؤال الذي يلوح في الأفق بالنسبة للاقتصاد العالمي، على الرغم من كل شيء، هو: كيف ستتعامل الصين مع ذلك الكم الهائل من الديون المعدومة؟
عقب الطفرة الائتمانية لفترة التسعينات، وفرت الحكومة الصينية الدعم المالي للمساعدة في تطهير البنوك في البلاد. لكن تكاليف مثل تلك التدخلات الحكومية اليوم قد تكون مرتفعة وبشكل مروع نظرا لحجم الطفرة الائتمانية الأخيرة. وعلى الفور من ذلك، فإن ارتفاع الديون المعدومة من شأنه أن يقلص من حجم الإقراض للشركات القوية، مما يؤدي إلى تقويض النمو الاقتصادي الجاري.
يقول البروفسور بولدينغ: «أعتقد أن صناع السياسة في الصين يبدون كمثل غزال يواجه سيارة مسرعة ناحيته. إنهم لا يعرفون حقا ما يتوجب عليهم القيام به».
في أوروبا، على سبيل المثال، استغرق الأمر من بعض الدول سنوات حتى تمكنت من السيطرة على القروض المعدومة في بنوكها.
وفي بعض الحالات، جاء التأخير نتيجة التردد، جزئيا على الأقل، في دفع الناس لمغادرة منازلهم. وعلى الرغم من أن أكبر بنوك آيرلندا قد تكبد الخسائر الفادحة عقب الأزمة المالية العالمية، فإن البنك تراجع عن إجبار العديد من المقترضين الذين أعلنوا عجزهم عن السداد للخروج من منازلهم. وفي السنوات الأخيرة، نفذت الحكومة الآيرلندية خطة موسعة تهدف إلى تقليل عبء الديون على أصحاب المنازل المتعثرين ماليا. ومثل تلك القدرة على التحمل لا يبدو أنها سببت ضعفا في اقتصاد آيرلندا، الذي تعافى بوتيرة أسرع من غيره من الاقتصادات الأوروبية الأخرى.
ومع ذلك، فإن مخاطر الانتظار لفترات طويلة باتت واضحة للغاية في إيطاليا، والتي أعلنت في يناير (كانون ثاني) عن مقترح لمساعدة البنوك في بيع القروض المعدومة. ويقول بعض منتقدي الخطة إنها تشبه خطة الإنقاذ المالي الحكومية للبنوك، بينما يقول بعض المشككين الآخرين إن البنوك قد لا تستخدم هذه الخطة نظرا لأنها تبدو باهظة للغاية.
تقول سيلفيا ميرلير، الزميلة البارزة لدى مؤسسة «بروغل» البحثية الأوروبية التي تركز على القضايا الاقتصادية: «تكمن المشكلة الكبرى في النظام المالي الإيطالي في أنهم بدأوا في التحرك متأخرين للغاية. وكان يمكنهم الخروج بحلول ذكية - وكان يمكنهم طرح تلك الحلول في أوقات مبكرة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الصين توسع انفتاح أسواقها المالية وتعرض التعاون مع أوروبا

مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)
مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)
TT

الصين توسع انفتاح أسواقها المالية وتعرض التعاون مع أوروبا

مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)
مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)

تسعى الصين إلى تعزيز حضورها في النظام المالي العالمي عبر توسيع انفتاح أسواقها أمام المستثمرين الأجانب وتسريع الاستخدام الدولي لليوان، بالتوازي مع عرض التعاون مع الاتحاد الأوروبي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية العالمية، في تحرك يعكس رغبة بكين في تعزيز مكانتها المالية والتجارية وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية.

وأكد محافظ «بنك الشعب» الصيني، بان غونغ شنغ، أن الأصول المقومة باليوان قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للمستثمرين الدوليين لتنويع محافظهم، مستنداً إلى استقرار النمو الاقتصادي الصيني والتطور السريع للصناعات التكنولوجية المتقدمة.

وجاءت تصريحاته خلال كلمة ألقاها، الخميس، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات متزايدة بفعل التوترات التجارية وارتفاع تكاليف التمويل والمخاوف بشأن الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.

وقال بان إن المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة والتحولات العميقة في الاقتصاد العالمي والتقدم السريع في الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل البيئة الاستثمارية الدولية؛ ما يزيد أهمية تنويع الأصول ومصادر التمويل.

وأوضح أن النمو الاقتصادي المستقر للصين وتطور صناعاتها عالية التقنية يوفران دعماً أساسياً للأصول المقومة بالعملة الصينية، ويعززان قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.

وتعهد البنك المركزي بمواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر المالية؛ بهدف تسهيل الاستثمار والتمويل عبر الحدود، وتحسين قدرة المؤسسات الأجنبية على التعامل مع تقلبات الأسواق الصينية.

كما أعلن العمل على توسيع القبول الدولي للسندات المقومة باليوان بوصفها ضمانات مؤهلة في المعاملات المالية، وتعزيز الربط بين البنى التحتية المالية العابرة للحدود، ودعم نمو أسواق اليوان خارج الصين.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة للمؤسسات الاستثمارية والمصارف الدولية؛ إذ يمكن أن يؤدي توسيع استخدام السندات الصينية ضماناتٍ إلى زيادة سيولتها وتحسين جاذبيتها في المعاملات العابرة للحدود.

كما قد يسهم تطوير أسواق اليوان الخارجية في تسهيل تمويل التجارة والاستثمارات الصينية، وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في بعض التسويات الدولية.

وتأتي هذه الخطوات في ظل مساعي بكين لتدويل عملتها، مستفيدة من حالة عدم اليقين التي أثارتها السياسات التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وما صاحبها من تساؤلات لدى بعض المستثمرين بشأن مخاطر التركيز على الأصول الدولارية.

غير أن توسيع الدور العالمي لليوان يظل مرتبطاً بمدى سهولة دخول المستثمرين الأجانب إلى الأسواق الصينية وخروجهم منها، وتوافر أدوات التحوط والسيولة والوضوح التنظيمي.

وفي مسار موازٍ، أبدت الصين استعدادها لتعزيز الحوار مع الاتحاد الأوروبي بشأن الحوكمة الاقتصادية العالمية وتنسيق السياسات المالية والنقدية، في محاولة لاحتواء الخلافات التجارية المتزايدة بين الجانبين.

وقال وزير المالية الصيني، لان فوان، الجمعة، إن بكين مستعدة للتعاون مع بروكسل لتحسين التواصل بشأن الاختلالات الاقتصادية العالمية، مؤكداً ضرورة التعامل معها من منظور شامل وموضوعي.

وجاءت تصريحاته خلال اجتماع في بانكوك مع مفوض الاقتصاد والإنتاجية الأوروبي فالديس دومبروفسكيس، ورئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، ورئيس مجموعة اليورو كيرياكوس بيراكاكيس.

وعدّ لان أن الاختلالات العالمية تمثل مشكلة اقتصادية هيكلية معقدة، تتأثر بصورة متزايدة بعوامل غير اقتصادية، أبرزها التوترات الجيوسياسية والحمائية التجارية.

ودعا إلى تعزيز التعاون المفتوح وتنسيق السياسات الاقتصادية الكلية، بدلاً من معالجة الخلافات التجارية من خلال إجراءات منفردة قد تزيد التوتر بين الاقتصادات الكبرى.

وتأتي هذه الدعوة بعد أسبوع من توصل الصين والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق يحدّ من صادرات السيارات الهجينة الصينية إلى الأسواق الأوروبية.

ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى تقليص عجزه التجاري مع الصين، الذي بلغ 360 مليار يورو، أي نحو 400 مليار دولار، خلال عام 2025.

وتعكس هذه التطورات مسارين متوازيين في السياسة الاقتصادية الصينية؛ أولهما تعزيز جاذبية الأسواق المالية واليوان، والآخر احتواء التوترات التجارية مع الشركاء الرئيسيين.

وبالنسبة إلى المستثمرين، قد تتيح الإصلاحات المالية الصينية فرصاً أوسع لتنويع المحافظ والاستفادة من سوق السندات الصينية، لكنها لا تلغي المخاطر المرتبطة بالنمو المحلي والتقلبات العالمية.

وفي المحصلة، تراهن بكين على الجمع بين الانفتاح المالي والحوار التجاري لتعزيز ثقة المستثمرين ودعم مكانتها الاقتصادية، في حين سيعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على تنفيذ الإصلاحات وتحقيق تقدم ملموس في معالجة الخلافات مع أوروبا.


روسيا تؤكد وفرة الديزل وتستأنف صادراتها للأسواق العالمية

ناقلة تحمل نفطاً روسياً في المحيط الهندي (أ.ف.ب)
ناقلة تحمل نفطاً روسياً في المحيط الهندي (أ.ف.ب)
TT

روسيا تؤكد وفرة الديزل وتستأنف صادراتها للأسواق العالمية

ناقلة تحمل نفطاً روسياً في المحيط الهندي (أ.ف.ب)
ناقلة تحمل نفطاً روسياً في المحيط الهندي (أ.ف.ب)

أكدت روسيا امتلاكها كميات كافية من الديزل لتلبية الطلب المحلي ومواصلة التصدير، في وقت بدأت فيه إمدادات الوقود الروسي الوصول إلى الأسواق العالمية بموجب تفاهم مع الولايات المتحدة، يستهدف تخفيف الضغوط على الأسعار التي ارتفعت بشدة وسط اضطرابات أسواق الطاقة وتصاعد التوترات الجيوسياسية.

وقال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، الجمعة، إن بلاده تمتلك إمدادات كافية من الديزل لتغطية احتياجات المستهلكين المحليين والوفاء بالتزاماتها التصديرية، في رسالة تهدف إلى طمأنة الأسواق بشأن استقرار المعروض الروسي.

وكان الكرملين قد أعلن، الخميس، بدء وصول الديزل الروسي إلى الأسواق العالمية عقب اتفاق مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة لإمدادات الوقود الروسية في جهود احتواء ارتفاع الأسعار.

وجاء الاتفاق في ظل ضغوط تواجهها الإدارة الأميركية لخفض تكاليف الوقود، بعدما سجلت أسعار الديزل مستويات قياسية منذ اندلاع الحرب الأميركية على إيران في فبراير (شباط) الماضي.

ويُعدّ الديزل من المنتجات النفطية الأساسية للنشاط الاقتصادي، نظراً لاستخدامه الواسع في الشاحنات والنقل البحري والزراعة والصناعة، ما يجعل ارتفاع أسعاره عاملاً مباشراً في زيادة تكاليف الإنتاج والشحن وتوزيع السلع.

ومن شأن زيادة المعروض الروسي أن تخفف بعض الضغوط على الأسواق، خصوصاً إذا ساعدت في تعويض اضطرابات الإمدادات وتهدئة المخاوف بشأن نقص الوقود.

غير أن تأثير الصادرات الإضافية سيعتمد على حجم الشحنات الفعلية، وسرعة وصولها إلى المستهلكين، وقدرة الأسواق على استيعابها، فضلاً عن استمرار المخاطر المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة.

وتزامنت التصريحات الروسية مع هجوم أوكراني بطائرات مسيرة استهدف مصفاة ريازان، جنوب شرقي موسكو، وهي من كبرى منشآت تكرير النفط في روسيا.

وأقرت السلطات الروسية بالهجوم، بينما عرض التلفزيون الرسمي صوراً للمصفاة ظهر فيها دخان أسود محدود دون حرائق واضحة.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن الضربات الأوكرانية الأخيرة لم تتسبب في أضرار كبيرة للمصافي، مؤكداً أن موسكو سترد عليها.

وتكتسب الهجمات على منشآت التكرير أهمية اقتصادية لأنها قد تؤثر في قدرة روسيا على تحويل النفط الخام إلى منتجات جاهزة للاستهلاك والتصدير، حتى إذا ظلت مستويات إنتاج الخام مستقرة.

كما يمكن أن يؤدي تضرر المصافي إلى زيادة تكاليف الإصلاح والتشغيل، وإرباك سلاسل الإمداد المحلية، وتقليص الكميات المتاحة للأسواق الخارجية.

وكان ترمب وبوتين قد أعلنا الأسبوع الماضي اتفاقاً بشأن صادرات الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة والأسواق العالمية، بهدف المساهمة في خفض الأسعار.

وانتقد ترمب استئناف أوكرانيا هجماتها على المصافي الروسية، معتبراً أنها تسهم في ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

في المقابل، تقول كييف إنها علقت هذه الهجمات 3 أيام مراعاةً للمبادرة الأميركية، قبل استئنافها بسبب استمرار الضربات الروسية على محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة الأوكرانية.

ويأتي الجدل بشأن إمدادات الديزل قبل الانتخابات النصفية الأميركية بأقل من 3 أسابيع، ما يضاعف أهمية أسعار الوقود بالنسبة إلى الإدارة الأميركية.

وتؤثر تكاليف الديزل في معدلات التضخم بصورة غير مباشرة، عبر ارتفاع أسعار النقل والخدمات اللوجستية، وهو ما يجعل استقرار الإمدادات أولوية اقتصادية للمستهلكين والشركات.

وبالنسبة لروسيا، فإن الحفاظ على صادرات المنتجات النفطية يوفر مصدراً للإيرادات، ويساعد قطاع التكرير في الاستمرار في العمل رغم المخاطر الأمنية والتقلبات التجارية.

وفي المحصلة، تمثل عودة الديزل الروسي إلى الأسواق عاملاً محتملاً لتخفيف الضغوط السعرية، لكنها لا تضمن انخفاضاً مستداماً للأسعار ما دامت منشآت الطاقة معرضة للهجمات.

وستراقب الأسواق خلال الفترة المقبلة حجم الصادرات الروسية الفعلية، ومدى استقرار تشغيل المصافي، وتأثير التطورات العسكرية في تدفقات الوقود وتكاليف النقل العالمية.


«إم إس سي آي» تربك إندونيسيا بخطة لاستبعادها من مؤشرات الأسواق الناشئة

عامل ينظف الأرضية بالقرب من شاشة إلكترونية تعرض أسعار الأسهم في بورصة إندونيسيا بجاكرتا (أ.ب)
عامل ينظف الأرضية بالقرب من شاشة إلكترونية تعرض أسعار الأسهم في بورصة إندونيسيا بجاكرتا (أ.ب)
TT

«إم إس سي آي» تربك إندونيسيا بخطة لاستبعادها من مؤشرات الأسواق الناشئة

عامل ينظف الأرضية بالقرب من شاشة إلكترونية تعرض أسعار الأسهم في بورصة إندونيسيا بجاكرتا (أ.ب)
عامل ينظف الأرضية بالقرب من شاشة إلكترونية تعرض أسعار الأسهم في بورصة إندونيسيا بجاكرتا (أ.ب)

قالت شركة «إم إس سي آي»، الجمعة، إن سوق الأسهم الإندونيسية لم تعد تستحق تصنيف «الأسواق الناشئة»، معلنةً خطة لاستبعادها من مجموعة من المؤشرات التي تتبعها الصناديق الاستثمارية، في خطوة مفاجئة تسببت في أكبر تراجع يومي للأسهم في جاكرتا منذ عام 1998.

وجاء الإعلان قبل شهر من موعد المراجعة الدورية المقررة للمؤشرات؛ ما فاجأ المستثمرين وأثار استياء المسؤولين في جاكرتا. وفي المقابل، أعلنت الهيئة الرقابية الإندونيسية فرض عقوبات على أطراف مرتبطة بمزاعم التلاعب في تداول أسهم ثلاث شركات.

وأغلق المؤشر الرئيسي للأسهم الإندونيسية منخفضاً بنسبة 11.57 في المائة، في أكبر هبوط يومي له منذ يناير (كانون الثاني) 1998، علماً بأنه كان بالفعل الأسوأ أداءً في العالم منذ بداية العام.

وتراجعت الروبية الإندونيسية بما يصل إلى 0.8 في المائة، لتسجل 18.070 روبية للدولار، وهو أضعف مستوى لها منذ أواخر يوليو (تموز)، قبل أن تستعيد بعض خسائرها.

وتعاني الأسهم في أكبر اقتصادات جنوب شرقي آسيا منذ يناير (كانون الثاني)، حين جمّدت «إم إس سي آي» أوزان إندونيسيا في مؤشراتها، ملوّحة بخفض تصنيفها إلى فئة «الأسواق الحدودية»، بسبب غموض هياكل الملكية وممارسات التداول.

ومنذ ذلك الحين، فقدت السوق أكثر من 350 مليار دولار من قيمتها السوقية، بينها نحو 60 مليار دولار تلاشت يوم الجمعة وحده.

وعزت «إم إس سي آي» خطوتها إلى عدم إحراز تقدم كافٍ في الإصلاحات الرامية إلى معالجة هذه المشكلات، مشيرة إلى أن خفض التصنيف إلى «الأسواق الحدودية» لن يعكس بدوره خطورة الاختلالات القائمة. ولذلك؛ اقترحت نقل إندونيسيا إلى فئة أدنى، هي «الأسواق المستقلة».

وقالت الشركة في بيان، الجمعة: «لا تزال هناك مخاوف كبيرة بشأن اختلالات السوق». وأضافت: «بناءً على ذلك؛ ترى (إم إس سي آي) أن استمرار تصنيف إندونيسيا ضمن الأسواق الناشئة لم يعد مناسباً».

ومن شأن التصنيف المقترح ضمن فئة «الأسواق المستقلة» أن يستبعد الأسهم الإندونيسية من المؤشرات العالمية التي تتبعها استثمارات سلبية بمليارات الدولارات؛ ما سيجبر الصناديق التي تحاكي هذه المؤشرات، أو تقيس أداءها مقارنة بها، على بيع حيازاتها من تلك الأسهم.

وقدّر بنك «يو بي إس» أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى خروج تدفقات استثمارية سلبية من إندونيسيا بنحو 4 مليارات دولار، مع احتمال أن يضيف المستثمرون النشطون تدفقات خارجة أخرى بقيمة 15 مليار دولار.

وكان المستثمرون الأجانب قد باعوا بالفعل أسهماً إندونيسية بصافي قيمة بلغ 4.7 مليار دولار منذ بداية عام 2026.

وقال الوزير الإندونيسي الكبير للشؤون الاقتصادية، إيرلانغا هارتارتو، إن هناك «علامة استفهام كبيرة» بشأن عدم مناقشة «إم إس سي آي» احتمال خفض تصنيف البلاد إلى «الأسواق المستقلة» خلال اجتماع عُقد هذا الأسبوع في العاصمة التايلاندية بانكوك.

وجاء تصريحه قبيل اجتماع لكبار المسؤولين الإندونيسيين، بمن فيهم وزير المالية ومحافظ البنك المركزي ومسؤولون معنيون آخرون؛ لمناقشة إعلان الشركة.

من جهتها، قالت بورصة إندونيسيا إنها اتخذت خطوات ملموسة لتعزيز الشفافية والنزاهة في سوق رأس المال، في حين أعلن رئيسها التنفيذي، جيفري هندريك، أنه سيطلب مزيداً من التوضيحات بشأن الأسس التي استند إليها الإعلان.

وقال أنغوس ماكينتوش، المتخصص في شؤون رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) لدى شركة «أليثيا كابيتال» في سنغافورة، إن الخطوة لا تعكس أوضاع الغالبية العظمى من الشركات المدرجة، ولا الاقتصاد الإندونيسي ككل، مضيفاً أن «جمع إندونيسيا مع لبنان وفلسطين والأرجنتين ضمن فئة واحدة لا يبدو منطقياً».

وأضاف: «إنه جرس إنذار لإندونيسيا».

وستكون إندونيسيا أكبر اقتصاد ضمن مجموعة الأسواق المصنفة في فئة «الأسواق المستقلة» إذا خُفّض تصنيفها إلى هذه الفئة.

تدقيق «إم إس سي آي» يثير مزيداً من التساؤلات

يزيد إعلان «إم إس سي آي» الضغوط على حكومة الرئيس برابوو سوبيانتو.

ويأتي هذا التطور في أعقاب سلسلة من الانتكاسات التي واجهتها إندونيسيا هذا العام، بعدما خفّضت وكالتا «موديز» و«فيتش» النظرة المستقبلية للتصنيف السيادي للبلاد إلى سلبية، مشيرتين إلى تراجع مصداقية صنع السياسات.

وقال تان ألتونداج، مدير الاستثمار في أسهم الأسواق الناشئة لدى شركة «بيكتيت لإدارة الأصول»: «يعكس المقترح استياء (إم إس سي آي) من وتيرة الإصلاحات، ويثير مزيداً من التساؤلات بشأن جاذبية السوق للاستثمار».

وأضاف أن «التداعيات الاستثمارية قد تكون كبيرة»، مشيراً إلى أنه لا يمتلك أي استثمارات في إندونيسيا.

وفي مؤشر على قلق المستثمرين من خطوة مزوّد المؤشرات، سارع المتعاملون إلى البيع مع افتتاح السوق؛ ما أدى إلى تعليق التداول في بورصة جاكرتا لمدة 30 دقيقة.

وقالت ليزا كاميليا سورياناتا، رئيسة قسم الأبحاث لدى شركة الوساطة «كيوووم سيكيوريتاس إندونيسيا»، في إشارة إلى الفوضى التي شهدتها الدقائق الأولى من التداول: «هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها أمر كهذا خلال 20 عاماً أمضيتها في سوق الأسهم».

وأضاف ماكينتوش أن خطوة «إم إس سي آي» بدت متشددة أكثر من اللازم، بالنظر إلى الجهود التي بذلتها إندونيسيا لمعالجة مشكلات الشفافية في السوق وزيادة الحد الأدنى لنسبة الأسهم المتاحة للتداول الحر في الشركات المدرجة.

وقال: «السبيل الوحيد أمام إندونيسيا لمعالجة هذا الوضع هو فرض عقوبات وغرامات صارمة على المتورطين في عمليات منسقة للتلاعب بأسعار الأسهم».

وعقب إعلان «إم إس سي آي»، كشفت هيئة الخدمات المالية الإندونيسية عن فرض غرامات بملايين الدولارات على مشاركين في السوق بسبب مخالفات تداول تتعلق بثلاث شركات مدرجة، هي «ديان سواستاتيكا سنتوسا»، و«باريتو رينيوابلز إنرجي» و«بترياندو جايا كرياسي».

وقال حسن فوزي، أحد مسؤولي الهيئة الرقابية، إن مستثمرين يُشتبه في تورطهم في التلاعب بأسهم «ديان سواستاتيكا سنتوسا» نفذوا عمليات تلاعب بالأسعار كانت «مخططاً لها ومنظمة».

كما يُشتبه في أن الأسهم المطروحة للاكتتاب العام الأولي لشركتي «باريتو رينيوابلز إنرجي» و«بترياندو جايا كرياسي» كانت مخصصة منذ البداية لأطراف مرتبطة بالمساهم المسيطر؛ ما أدى إلى تركز الملكية.

ولم ترد الشركتان على الفور على رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلتها «رويترز» لطلب التعليق.

خفض التصنيف مقرر في منتصف 2027

قالت «إم إس سي آي» إنها ستجري مشاورات مع المشاركين في السوق بشأن خفض تصنيف إندونيسيا إلى «الأسواق المستقلة» حتى أبريل (نيسان) 2027، ثم تمضي في إعادة التصنيف ما لم تظهر أدلة واضحة على تحسن حوكمة السوق وآليات عملها.

ولا تُدرج الأسواق المستقلة ضمن مؤشرات «إم إس سي آي» للأسواق الناشئة أو الأسواق الحدودية، وهي مؤشرات تتبعها الصناديق الاستثمارية السلبية وتستخدمها شركات إدارة الصناديق الأخرى معايير لقياس الأداء.

وتوضح «إم إس سي آي» أن إعادة التصنيف إلى فئة «الأسواق المستقلة» قد تحدث في حال حدوث تدهور حاد في إمكانية الوصول إلى السوق، أو في حجمها وسيولتها. وكانت الأرجنتين أحدث مثال على هذا النوع من إعادة التصنيف.