«جنيف 3» حلقة جديدة في سلسلة المبادرات الدولية الفاشلة لحل الأزمة السورية

الانكفاء الأميركي يزيد من هواجس المعارضة التي تواجه تحدي تفتيتها

«جنيف 3» حلقة جديدة في سلسلة المبادرات الدولية الفاشلة لحل الأزمة السورية
TT

«جنيف 3» حلقة جديدة في سلسلة المبادرات الدولية الفاشلة لحل الأزمة السورية

«جنيف 3» حلقة جديدة في سلسلة المبادرات الدولية الفاشلة لحل الأزمة السورية

لا تشبه الظروف والمعطيات التي تظلل المحادثات السورية التي انطلقت في جنيف بشيء تلك التي قام عليها مؤتمرا جنيف 1 و2. بل تبدو الصورة اليوم معقدة أكثر من أي وقت مضى، إن كان لجهة تعدد المجموعات الممثلة للمعارضة السورية التي كانت تختصر في السنوات الماضية بالمجلس الوطني السوري، ومن ثم الائتلاف السوري المعارض، أو لجهة تبدل الظروف الدولية التي كانت بمعظم الأحيان تميل لكفة المعارضة، وذلك بعد انخراط روسيا بشكل مباشر بالحرب السورية وسعيها لفرض شروطها بما يتعلق بالوفود السورية المفاوضة، وحتى بأجندة العمل المتوقع بحثها.
ويكاد يُجمع المراقبون على أن مصير الحراك السياسي الجديد، الذي انطلق بالأمس، سيكون مماثلا لمصير كل المبادرات والمؤتمرات الدولية السابقة التي إن نجح بعضها بإقرار جملة من التفاهمات، لم يتم الالتزام بأي من بنودها، خصوصا من جانب النظام السوري ورئيسه بشار الأسد.
وبحسب المعارض السوري البارز عبد الباسط سيدا، تلعب موسكو حاليًا «ورقة تفتيت المعارضة» بعدما أصرت على دعوة معارضين مقربين منها إلى محادثات جنيف مع أن الدول الكبرى كانت قد أوكلت في وقت سابق مهمة جمع المعارضة في وفد موحّد للسعودية وهو ما تحقق في الهيئة العليا للمفاوضات. إلا أن الأمم المتحدة قررت النزول عند الرغبة الروسية فوجّهت في وقت سابق دعوات لأكثر من 7 شخصيات من خارج هذه الهيئة ومعظمها تنضوي بإطار «مجلس سوريا الديمقراطي» الذراع السياسي لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي يشكل الأكراد (الذين يسيطرون على مساحات شاسعة شمال شرقي سوريا) ركيزتها.
لكن المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا راعى، من جهة أخرى، كذلك، الإصرار التركي على عدم دعوة «الحزب الديمقراطي الكردي» الذي تعتبره أنقرة مرتبطا بحزب العمال الكردستاني المصنف «إرهابيا». أما وفد النظام الذي باشر محادثاته مع دي ميستورا، يوم أمس، فضم 16 عضوا بينهم نائبان ودبلوماسيان، ويرأسه السفير السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري، ويشرف على وفد النظام نائب وزير الخارجية فيصل المقداد من دمشق.
وبغض النظر عن القرار النهائي الذي قد تتخذه «الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة بالمشاركة في المحادثات الجانبية في جنيف أو عدمها، يُرجح سيدا، كما قال لـ«الشرق الأوسط»، أن يكون «مصير هذه المفاوضات الفشل باعتبار أن روسيا تتحكم بكل الأوراق بغياب أي موقف أميركي». وتابع «جنيف 2 كان كرنفالا حاول المجتمع الدولي أن يقول من خلاله إنه أدى واجبه معتمدا سياسة رفع العتب، وها هو اليوم يعيد الكرة في جنيف 3 متكئا هذه المرة على المساعي الروسية المستمرة لتفتيت المعارضة، وبالتالي تحميلنا مسؤولية فشل الجهود السياسية الجديدة».
من جانب آخر، يرى مراقبون أن المرحلة الحالية ليست مرحلة حلول بل «إدارة أزمة»، وهو ما يمكن تبيانه من سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي سيبقى متمسكا بها حتى تسليم الرئاسة للرئيس المقبل. وهذا ما أشار إليه سيدا بقوله «الروس استغلوا الانكفاء الأميركي فدخلوا من البوابة السورية ليطرحوا أنفسهم قوة عظمى، بينما ظلت أوروبا غير قادرة على القيام بأي خطوة إلى الأمام بغياب الدعم الأميركي».
للعلم، تعتبر واشنطن أن مطالب المعارضة «المشروعة» لا يجب أن تكون سببا لتفويت «فرصة تاريخية» بالتوصل لحل سياسي للأزمة السورية. وهو ما عبّر عنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، مارك تونر، أيضًا، قائلا «إنها بالفعل فرصة تاريخية لهم للذهاب إلى جنيف لاقتراح وسائل جدية وعملية لإرساء وقف لإطلاق النار وإجراءات أخرى لبناء الثقة». وأضاف: «ما زلنا نعتبر أنه يتعين عليهم اغتنامها من دون أي شروط مسبقة».
غير أن «الهيئة العليا للمفاوضات» تربط مشاركتها بأي محادثات جديدة بالتزام الأطراف المعنية بتنفيذ القرار رقم 2254 الصادر عن مجلس الأمن في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الذي ينص على إرسال مساعدات إلى المناطق المحاصرة ووقف قصف المدنيين. وتعتبر المعارضة أن هذه المواضيع حسمت في قرار مجلس الأمن ولا يجوز أن تكون موضع بحث على طاولة التفاوض، متهمة النظام بـ«المساومة على الموضوع الإنساني»، وتتمسك بضرورة البحث على طاولة التفاوض في العملية الانتقالية في سوريا.
وكانت المساعي السياسية لحل الأزمة السورية التي اندلعت في مارس (آذار) 2011 انطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 حين أعلنت الجامعة العربية عن اتفاق مع النظام السوري على وقف العنف، الإفراج عن المعتقلين، سحب الجيش من المدن، وحرية حركة المراقبين العرب والصحافيين. لكن لم يجر احترام أي من البنود، وفي الأسابيع التالية علقت الجامعة العربية عضوية سوريا فيها، ثم فرضت عليها عقوبات غير مسبوقة. كذلك فرضت كل من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي منذ أبريل (نيسان) عقوبات على الحكومة السورية، جرى تشديدها لاحقا، واستهدفت تعاملات الحكومة التجارية والمالية وشخصيات في النظام.
وفي يناير (كانون الثاني) 2012، طرح وزراء الخارجية العرب مبادرة جديدة تنص على نقل سلطات الرئيس السوري بشار الأسد إلى نائبه فاروق الشرع. ثم في 24 من الشهر نفسه، أغلق النظام الباب في وجه أي حل عربي، وأكد تصميمه على قمع الاحتجاجات الشعبية ضده، في وقت كانت البلاد بدأت تسلك طريق الحرب. وعلى الأثر اختفى فاروق الشرع من المشهد السياسي.
وفي فبراير (شباط) 2012 عقد اللقاء الأول لما عُرف بـ«مجموعة أصدقاء سوريا» التي قاطعتها موسكو وبكين، وتضمنت عددا كبيرا من الدول. وتم تنظيم الكثير من الاجتماعات لممثلي الدول الداعمة للمعارضة السورية، ومنها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، في دول عدة. وطالبت المعارضة في كل هذه الاجتماعات بدعمها بالسلاح، الأمر الذي لم يحصل بشكل يمكنها من تحقيق ميزان عسكري على الأرض للدفع في اتجاه حل سياسي.
وفي 12 أبريل 2012 سرا وقف لإطلاق النار بموجب خطة لمبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان، لكنه لم يصمد أكثر من ساعات. وما لبث أنان أن استقال من مهمته. وفي شهر يونيو (حزيران) من العام نفسه، اتفقت «مجموعة عمل» مؤلفة من الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وتركيا ودول عربية على مبادئ مرحلة انتقالية بإطار ما يُعرف بمؤتمر «جنيف 1»، لكن الأطراف المعنية بالنزاع السوريين وغير السوريين اختلفوا على تفسير هذه المبادئ التي لم تلحظ بوضوح مصير الرئيس بشار الأسد الذي تطالب المعارضة برحيله. واعتبرت واشنطن أن الاتفاق يفسح المجال أمام مرحلة «ما بعد الأسد»، في حين أكدت موسكو وبكين أنه يعود إلى السوريين تقرير مصيرهم.
وأبرمت الولايات المتحدة وروسيا في سبتمبر (أيلول) 2013 اتفاقا حول إتلاف الترسانة السورية من الأسلحة الكيميائية. وجاء الاتفاق بعد هجوم بالأسلحة الكيميائية في ريف دمشق نسب إلى النظام وتسبب بمقتل المئات. وتجنب النظام، بعد موافقته على الاتفاق، ضربة عسكرية أميركية على سوريا. وعلى الرغم من إعلان منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تخلص دمشق من أسلحتها الكيميائية، فإنها أكدت استخدام غاز الكلور في النزاع بشكل «منهجي».
وعُقد مؤتمر جنيف 2 الشهير في يناير 2014 بضغط من الولايات المتحدة الداعمة للمعارضة ومن روسيا الداعمة للنظام، وانتهى من دون نتيجة ملموسة.
وتلته جولة ثانية انتهت في فبراير من العام نفسه، وأعلن وسيط الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي الذي حل محل أنان آنذاك وصول النقاش إلى طريق مسدود. وفي 13 مايو (أيار)، استقال الإبراهيمي بدوره بعد أكثر من 20 شهرا من الجهود العقيمة.
وأعلن مجلس الأمن الدولي 17 في أغسطس (آب) 2015 دعمه بالإجماع مبادرة للتوصل إلى حل سياسي في سوريا. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وبعد مرور شهر على بدء الحملة الجوية الروسية في سوريا الداعمة للنظام، اجتمعت 17 دولة كبرى في فيينا، بينها روسيا والولايات المتحدة والسعودية وإيران وتركيا، لبحث الحل السياسي في سوريا بغياب ممثلين عن المعارضة أو النظام. واتفق المجتمعون على السعي إلى وضع اطر انتقال سياسي، فيما اختلفوا على مستقبل بشار الأسد.
وتوصلت الدول الكبرى في فيينا في نوفمبر الماضي إلى خريطة طريق تنص على تشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات وعقد مباحثات بين الحكومة والمعارضة بحلول بداية يناير، من دون الاتفاق على مصير الأسد.
وفي ديسمبر الماضي، تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع وللمرة الأولى منذ بدء النزاع السوري قرارا يحدد خارطة طريق تبدأ بمفاوضات بين النظام والمعارضة الشهر الحالي وينص على وقف لإطلاق النار وتشكيل حكومة انتقالية في غضون ستة أشهر وتنظيم انتخابات خلال 18 شهرا، من دون أن يشير إلى مصير الرئيس السوري بشار الأسد.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.