صالون جنيف للساعات الفاخرة.. نفس جديد وإصرار على الإبداع

تراجع أسعار النفط والأحوال السياسية المضطربة سحابة تخيم على عام 2016

صالون جنيف للساعات الفاخرة.. نفس جديد وإصرار على الإبداع
TT

صالون جنيف للساعات الفاخرة.. نفس جديد وإصرار على الإبداع

صالون جنيف للساعات الفاخرة.. نفس جديد وإصرار على الإبداع

رغم روح التفاؤل التي يحاول صناع الساعات السويسرية بثها في نفوس ضيوف الدورة الـ26 من صالون جنيف للساعات الفاخرة SIHH، لم ينجحوا هذه المرة في إنكار مخاوفهم وحقيقة صعوبة التغلب على السحابة التي تخيم على عالم المنتجات الفاخرة، وعلى رأسها الساعات، منذ عامين تقريبا. فبعد تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني ثم ارتفاع قيمة الفرنك السويسري في العام الماضي وما ترتب عنه من ارتفاع أسعار المنتجات السويسرية بما فيها مكونات الساعات وغيرها، ثم أزمة اليونان ومنطقة اليورو، صدموا مؤخرا بانخفاض أسعار النفط وعدم استقرار الأحوال في الشرق الأوسط، الذي كانت تعقد عليه الآمال بعد الصين إلى جانب روسيا. لهذا فإن عام 2016 لن يكون أحسن من 2014 أو 2015، بل تشير توقعات بعض المتشائمين بأنه قد يكون الأسوأ منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008.
لكن لحسن الحظ أن هذه المخاوف لم تؤثر على الإبداع والابتكار الذي استعرضه المشاركون الـ24. فالتجارب علمتهم أن «الحاجة أم الاختراع» بمعنى أنه في أوقات الأزمات عليهم أن يزيدوا من جرعة الإبداع لكي يتصدوا للأزمة من جهة، ويستقطبوا زبائن مهمين لم تؤثر عليهم الأزمة، ولا يبالون بتبعاتها ما داموا سيحصلون على ساعات لا مثيل لها، من جهة ثانية. غني عن القول إن هؤلاء الزبائن ينتمون إلى فئة فاحشة الثراء أشارت إليها قمة «دافوس» الأخيرة، بقولها إن أغنياء العالم يزدادون غنى، وفقراءه يزيدون فقرا. هذه الشريحة يُعول عليها صناع الساعات ويخاطبونها بشتى الوسائل، من شركة «ريتشارد ميل» التي تعاونت مع شركة «إيه سي جي» ACJ الصانعة للطائرات الخاصة بإطلاقها ساعة تدغدغ خيال هواة الاقتناء الذين يحبون الطائرات وكل ما يتعلق بالجو والفخامة على حد سواء، إلى «مونبلان» و«آي دبليو سي شافهاوزن»، «كارتييه» التي أهدت المرأة ساعة «هيبنوز» يمكن أن تقع كل واحدة، أيا كان ذوقها وأسلوبها وبيئتها، تحت سحرها المغناطيسي، وهلم جرا من الابتكارات التي تقارب الاختراعات في الكثير من الأحيان.
بيد أن هذا لا يعني أن الصالون سيسجل أن دورته الـ26 خصصت للأثرياء فحسب، فهناك ماركات كثيرة، تحاول منذ فترة مخاطبة شريحة الطبقات المتوسطة والمتطلعة لساعات سويسرية الصنع، بكل ما تعنيه من دقة وجمالية حتى توسع خريطة زبائنها، وكسب جماهير شابة تحديدًا، الطريقة التي اعتمدتها هي تخفيض أسعارها من دون التنازل عن قيمها.
ومع ذلك يبقى السؤال هو كيف لكل هذه الماركات أن تصمد أمام الأزمة الاقتصادية الحالية؟، خصوصا الشركات المستقلة التي لا تتمتع بإمكانيات شركات مثل «كارتييه» أو «آي دبليو سي شافهاوزن» أو «بياجيه» أو «فان كليف أند أربلز» أو «أوديمار بيغيه» وما شابهها. مما يجعل هذا السؤال يقفز إلى الذهن مشاركة تسعة ماركات جديدة في الصالون لأول مرة، كلهم مستقلون ورائدون في الوقت ذاته. فقد خصص لهم ركن أطلق عليه «كاريه ديز أورلوجي» أي «ساحة صناع الساعات» ليستعرضوا فيه فنيتهم وخبراتهم أمام زبائن وضيوف ليس لديهم الوقت لحضور معرض «بازل»، حيث يعرضون عادة. وعلى ما يبدو أن صالون جنيف جذبهم هذه المرة لما يتمتع به من سمعة ورقي وحسن الضيافة، عدا عن زبائنه المميزين، مقارنة بمعرض «بازل»، الذي يشتكي الكثير من المهتمين بأن برنامجه مكثف بشكل كبير لا يمنحهم الفرصة للتنفس والاستمتاع بما يقدمه بشكل مريح.
فانيسا مونيستيل، مديرة «لوران فيرييه»، إحدى الأسماء التي التحقت بالصالون هذا العام، علقت على الأمر بقولها إن الفرق بين صالون جنيف ومعرض بازل أن الأول «صالون»، وهذا يعني أنه يقدم مساحة محسوبة من كل النواحي تُدار وفق قواعد معينة ومقننة، بينما الثاني «معرض» الأمر الذي يعني أنه يقدم للمشاركين مساحة لا أكثر ولا أقل.
وهذا لا ينعكس سلبا على معرض بازل، الذي يضم 1500 عارض تقريبا، مقارنة بصالون جنيف الذي لا يحتضن لحد الآن سوى 24 عارضًا، مما يمنحه حميميته. دخول هذه الأسماء الجديدة منح صالون جنيف قوة أكبر تعيدنا إلى بدايته، إذ لو رجعنا إلى الوراء، لوجدنا أنه عندما انطلق أول مرة في عام 1991، كان يضم شركات مستقلة مثل «جيرالد جنتا» و«دانيل روث» وغيرها، لكنها بعد أن هجرته إلى بازل بقي حكرا على الشركات التي تنضوي تحت راية مجموعة «ريشمون». لكن الكثير من صناع المنتجات المترفة لم يعودوا يكتفون بطريقة واحدة للتسويق والتعريف بمنتجاتهم، واكتشفوا أنه من مصلحتهم التوسع، وبأن صالون جنيف له جمهور خاص وذواق، سواء تعلق الأمر بالمقتنين أو التجار، وهكذا بدأ يجذب ماركات أخرى، تدخله وتخرج منه بشكل غير رسمي أحيانا، مثل «رالف لوران» التي قررت عدم المشاركة فيه هذه السنة، ضمن استراتيجيتها الجديدة التي تستهدف السوق الأميركية والتركيز عليها. لم يؤثر خروج «رالف لوران» على الصالون، خصوصًا وأن العدد زاد بعد أن تم فتح الباب للتسع ماركات. صحيح أنها قد لا تتمتع باسم عالمي رنان، لكنها تتمتع بالخبرات السويسرية اللازمة، ورغبة محمومة في الابتكار والنجاح.
يذكر أن هؤلاء، وبحكم أنهم لا ينضوون تحت راية مجموعة «ريتشمون» سيعرضون أيضًا في «بازل». ففي الوقت الراهن، ليس لديهم خيارات كثيرة، والسحابة التي تخيم على صناعة الساعات ككل تحتم عليهم الاحتماء منها بأي شكل، سواء في جنيف أو في بازل. في إحدى لقاءاته الصحافية، أكد جون دانييل باش، رئيس فيدرالية صناعة الساعات السويسرية أن أكثر المتضررين من الأزمة هم الصناع المستقلين. ففي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي مثلا، تم الاستغناء عن 60 موظفًا من بين 207 موظفين يعملون في معمل «جيلبير بوتي جون أو برينيه» في نوشاتيل، وللأسف فإن الكثير من المتشائمين يؤكدون بأن عدد الضحايا قد يزيد. فالصناع المستقلون والصغار لا يملكون إمكانيات إنتاج ضخمة تسمح لهم بطرح عدد كبير من الساعات، وفي الوقت ذاته، عليهم أن ينتجوا ما لا يقل عن ثلاثة ابتكارات في السنة حتى يبقوا في الواجهة. «كارتييه» مثلا تصرف الملايين على حملاتها الدعائية وتنتج عدة موديلات في السنة، لا تفتقد للابتكار والأناقة والجمال، مما يجعل المنافسة معها صعبة بالنسبة للماركات الصغيرة.
مثل غيرهم من الأسماء التي تعودنا عليها في المعرض والتي ينضوي أغلبها تحت أجنحة مجموعة «ريتشمون» فإن الأسماء الجديدة التي التحقت بهم هذه السنة، لا تقل رغبة أو جموحا في تقديم الجديد والابتكار. وربما هي تحتاج أكثر منهم إلى شحذ كل قواها الفنية والجبرية والصناعية والعلمية، لكي تحصل على الانتباه ومن ثم على جزء من الكعكة التي يقدمها الصالون. لوران فيرييه، مثلا واحد من هؤلاء الصناع المستقلين التسعة، يتمتع بخبرة طويلة استمدها من عمله لأربعة عقود في دار باتيك فيليب قبل أن يطلق داره الخاصة في عام 2012. قدم في الأسبوع الماضي ساعة «ترافلر غلوب نايت بلو» من مجموعة «غاليت» التي تظهر على جانب من مينائها كرة أرضية صغيرة، بينما قدمت شركة HYT ساعة في غاية الابتكار تعتمد على السوائل لعرض الوقت، وهو أمر غير مسبوق وهكذا. إلى جانب افتخار الصناع المستقلين بقدراتهم الإبداعية وخبرتهم التي لا يُشكك فيها أحد، يرددون أيضًا بأنهم لا يصنعون أكثر من عدد محدود ضمن استراتيجية بعيدة المدى، تتوجه إلى رجل يعشق الساعات ولا يريد إلا الفريد من نوعه. كريستوف كلاريت مثلا لا يصنع أكثر من 120 ساعة في العام، مما يعطيها خصوصيتها.
الملاحظ في هذه الدورة عمومًا أن مجموعة «ريتشمون» الراعية للمعرض ذكرتنا بأن القوة تكمن في العدد، باستضافتها لكل من «هوتلانس» Hautlance، أورورك Urwerk، «أيتش. موزر أند سي» H.Moser & Cie، «كريستوف كلاريت» Christophe Claret، «ذي بيذون» De Bethune، «إم بي أند إف» MB&F، «لوران فيرييه» Laurent Ferrier، «كاري فوتيلينن» Kari Voutilainen، و«أيتش واي تي» HYT.. تزايد العدد أدى أيضًا إلى تزايد المنافسة بين الكل على تقديم الجديد بأي شكل، فضلا على زيادة عنصر الإبهار بالاعتماد على الموضة ودخول عالمها المثير تارة، والاستعانة بنجوم عالميين من عيار كلايف أوين، وهيو جاكمان، وهيلاري سوانك وهلم جرا، تارة أخرى. لحسن الحظ أنها لم تنس أن هذا كله مجرد بهارات تعزز اختراعاتها التي تعرف أن المقتنين والأثرياء لن يقبلوا عليها إذا لم تتوفر على كل عناصر الدقة والابتكار. ففي أوقات الأزمات، حتى الأثرياء يترددون في شراء أي شيء فقط لأنه يلمع أو يتمتع بالأناقة، وينتقون فقط الأفضل والفريد الذي يمكن أن يبقى معهم للعمر، أي أنه استثمار، أو يتضمن قصة يفخرون بروايتها في كل مرة يلبسون فيها الساعة، أو يستعرضونها أمام أصدقائهم. في هذه الأوقات أيضًا، يعودون إلى ما يعرفونه جيدًا، أي العلامات المعروفة والمضمونة مثل «أوديمار بيغيه» أو «ريتشارد ميل» أو «فاشرون كونستانتين»، «آي دبليو سي»، «كارتييه»، «فان كليف أند أربلز» وغيرها.
وما يزيد الأمر سوءا بالنسبة للكل، أن الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وانخفاض أسعار النفط أثرت على سوقين مهمين بالنسبة لصناع الساعات السويسرية، ألا وهما الشرق الأوسط وروسيا. فقد كانا يبشران بالخير بعد تراجع سوق الصين منذ نحو ثلاث سنوات تقريبا، بسبب الحملة التي شنتها الحكومة ضد تقديم الهدايا على أساس أنها رشى، مما كان له تأثير مباشر على الساعات الفاخرة. فقد كانت هدايا مثالية تقدم للشخصيات المهمة. الآن بات الأمر ملحًا على توسيع الدائرة والبحث عن أسواق جديدة مع المحافظة على الزبائن القدامى والاعتماد على ولائهم.

* تضيف آلة قياس الزمن رقم 6 «إس ڤي» مظهراً ثلاثي الأبعاد على الإطلالة البيومورفيّه لعلبة ساعة «إتش إم 6 – سبيس بايرت»، عبر إظهار الميكانيكية التي ينطوي عليها المحرّك النابض بداخلها، وهو ما عمل ماكسيميليان بوسير، مؤسس دار «إم بي آند إف»، على تحقيقه منذ فترة. فحسب رأيه إن «أجمل جزء في (إتش إم 6) هو حركتها، ولذلك كان من المخزي ألا نظهر هذه الحركة للملأ». وتمتاز الحافة الجانبية للعلبة بخطوط أفقية تعيد إلى الأذهان أشكال حافلات «غراي هاوند – ستريم لاينر» الأميركية التي تعود إلى خمسينات وستينات القرن العشرين، متأثرة بأساليب الـ«آرت ديكو»، بينما يتعزز تركيب «الشطيرة» بخطوط زاهية اللون تغمر أختام الحماية ضد تسرُّب الماء.وفي الجزء الأمامي، تدور قبّتان كرويّتان عمودياً، تشيران على التوالي، إلى الساعات والدقائق، بأرقام عالية الوضوح. وفي الجزء الخلفي، يظهر توربينان كرويّان متماثلان يدوران أفقياً، ويحركهما الدوّار والتروس المُعظِّمة للحركة التي تتولّى تلقائياً تنظيم عمل نظام التعبئة من أجل تقليل الضغط والتلف.



صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
TT

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

هذا العام، غُبن اليوم العالمي للمرأة إلى حد ما. لم يحظَ باحتفالات تليق بما تحققه من إنجازات، ولم تُفتح لها المنابر بما يكفي للتنديد بما تعانيه من نكسات والمطالبة بتصحيحها. فقد غطى التصعيد الأميركي الإيراني على نشرات الأخبار فتوارى الحدث خلف دخان حجب السماء وأعتم النهار.

لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك محاولات إيجابية، ولو خجولة، لإبقاء الشعلة النسوية متقدة طوال الشهر مع تسليط الضوء على قضايا قديمة عادت لتشتعل من تحت الرماد بعد أن خُيِل للجميع أنه قُضي عليها. والمقصود هنا تحديداً تلك النظرة التي لا تنفصل عن جسد المرأة وتضعها تحت ضغوطات شتى.

فمنذ قرون، وهذا الجسد ساحة تُسقِط عليها المجتمعات تصوراتها عن الجمال والهوية والرغبات. من التماثيل الحجرية إلى منصات عروض الأزياء ومناسبات السجاد الأحمر، ومن لوحات كبار الفنانين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تغيَر شكل «المرأة المثالية» مراراً، وفي كل مرة يترك أثراً عميقاً في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء.

الممثلة آن هاثاواي تلقي خطابا في الأمم المتحدة في اليوم العالمي للمرأة (أ.ف.ب)

في القرن الواحد والعشرين، تؤكد حالة النجمة ديمي مور أن هذه الإشكاليات النسوية لا تزال قائمة، بعد أن ظهرت مؤخراً بمظهر غيَّر ملامحها ووزنها بشكل مقلق تلبية لإملاءات هوليوود والموضة. حالتها ليست منفردة، فهي تختصر الضغوطات الخارجية وحالات التنمر التي تتعرض لها المرأة عموماً، إلى جانب خوفها من الإقصاء.

علاوة على ذلك، أفاد استطلاع بريطاني تم إجراؤه على مجموعة من الفتيات حديثاً، أنهن يشعرن بأن المجتمع يحكم عليهن بناء على مظهرهن أكثر من قدراتهن وكفاءاتهن. هذا الإدراك المبكر يربط القيمة بالهيئة، ويجعل أي انحراف عن الشكل المرسوم من قبل جهات خارجية، سواء هوليوود أو الموضة أو وسائل الإعلام، مصدر قلق على الصحة النفسية والجسدية، لا سيما عندما تتحول إلى شبه إدمان. فالنجاح في الكثير من الأوساط لا يزال يرتبط بالجمال، وليس أدل على هذا من مظهر السياسيات الجمهوريات في حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بينما أصبح يعرف بوجه «مارا لا غو»: وجه مشدود، وابتسامة هوليوودية، وشعر أشقر، وماكياج واضح. كلما تقيَّدن بشروط جمال معيَن، ارتفعت فرصهن للحصول على مناصب مهمة.

أوبرا وينفري عانت لعقود طويلة من الوزن الزائد واعترفت أخيراً بأنها تدين برشاقتها للأدوية (أ.ب)

لكن هل هذه الصورة الجمالية جذابة فعلاً؟ سؤال صعب لأن الجمال في عين الناظر. لكن الخوف هنا لا يتعلق بالإجراءات التجميلية بل بالنحافة المفرطة، التي أصبحت سمة من سمات نجمات مثل أريانا غراندي، وديمي مور، وكيلي أوزبورن ومايلي سايروس وحتى أوبرا وينفري وغيرهن كثيرات. فمن لا يتذكر استماتة أوبرا وينفري لإنقاص وزنها بكل الوسائل. قهرت كل الصعاب التي مرَّت بها، لكن هاجس الرشاقة ظل يؤرقها لخمسة عقود تقريباً. ورغم أنها جرَّبت كل الحميات، لا تزال لحد اليوم تحارب من أجل الرشاقة. لهذا ليس غريباً أن يتوسَّع الأمر ليشمل المرأة العادية التي تتخذ من هؤلاء النجمات قدوة تحتذي بها.

نيكول كيدمان لدى حضورها عرض «سكياباريلي» للهوت كوتور (سكياباريلي)

النجمة ديمي مور لها تجارب متكررة مع شكلها. سبق واعترفت بخضوعها لعدة إجراءات تجميلية شملت أجزاء مختلفة من جسدها بما في ذلك ركبتيها. المفارقة أن مور نفسها تحدّثت علناً عن معاناتها السابقة مع صورة الجسد، وكيف أن كل الإجراءات التي خضعت لها لم تمنحها سوى سعادة مؤقتة. خلال الترويج لفيلمها «ذي سابستانس» The Substance، الذي جسَّدت فيه شخصية نجمة تجري وراء الشباب الدائم، تحدثت عن تجربتها في التسعينيات، حين كانت نحافة المرأة معياراً أساسياً للنجاح. وروت كيف تحوَّل التدريب الرياضي الصارم خلال تصوير فيلم «A Few Good Men» إلى هوس، وكيف دخلت في علاقة غير صحية مع الطعام استمرت حتى انتهائها من فيلم G.I.Jane. لاحقاً تحدثت عن لحظة وعي دفعتها إلى التصالح مع ذاتها، وكيف أنها لم تعد تعيش علاقة «عدائية» مع جسدها، بل تركز على النوم والتأمل وكتابة يومياتها، وتتبنى نظاماً غذائياً متوازناً.

ديمي مور في واحدة من إطلالاتها الأخيرة بعد التجميل والتنحيف (رويترز)

غير أن هذا التصالح مع الذات لم يدم طويلاً بالنظر إلى صورها في كل من ميلانو وباريس حديثاً. كان مظهرها مثيراً بباروكة بقصة «كاري». كانت الإجراءات التجميلية مُوفَقة إلى حد كبير، وفق قول د. خيسوس أوليفاس مينايو، المدير السريري ومدير المعهد البرتغالي لـ«الليبيديما»: «عند مقارنة صورها الحديثة بصورها قبل عدة سنوات، يبرز مدى الشد في ملامح وجهها، بحيث يبدو خط الفك أكثر تحديداً، والجلد أكثر تماسكا، كما تبدو ملامح الوجه بشكل عام أكثر نحتاً وتناسقاً». لكنه يضيف أن «تقلبات الوزن وإنقاصه بشكل كبير يمكن أن تؤثر على الوجه. فعندما تنخفض دهونه، تبرز البنية العظمية، غير أنها في الوقت ذاته تسبب ترهل الجلد أو ظهور فراغات، خصوصاً حول الجزء السفلي من الوجه وخط الفك. وغالباً ما يبدأ المرضى في هذه المرحلة بالبحث عن علاجات تعيد دعم البنية وتشد الجلد».

إطلالة ديمي مور تظهر فيها بنحافة مفرطة (أ.ف.ب)

الخوارزميات ودورها

وبغض النظر عن وجه ديمي مور وجمالياته، فإن جسدها النحيل بعظامه البارزة، أكثر ما أثار القلق وأدَّى إلى فتح ملفات قديمة اعتقد الجميع أنها طُويت للأبد.

فبعد أكثر من عقد من المناداة بالتنوع الجسدي وتقنين ظهور عارضات «أنوركسيات» على منصات عروض الأزياء، وسنوات من انتشار عبارات مثل «إيجابية الجسد» و«التصالح مع الذات» منحت نساء كثيرات الشجاعة على الظهور بأجساد لا تنتمي إلى القالب النمطي السابق، عاد الضغط ليطفو على السطح مرة أخرى. السبب على ما يبدو توفر وانتشار حقن «الأوزمبيك» و«مونجارو» في أوساط النخبة، مما جعل الخيط بين استعمالها لأسباب صحية أو فقط للحصول على الرشاقة رفيع للغاية. مؤخراً بدأت تنتشر محتويات على تطبيقات الـ«تيك توك» و«الإنستغرام» تمجِّد الرشاقة، بعناوين مثل «ماذا آكل في يومي»، و«كيف أفقد وزني» ونصائح حول «التنظيف الغذائي» وما شابه من آخر الحميات. كل هذا مرفوق بصور لأجساد نجمات وشخصيات معروفة تتراوح بين الرشاقة والنحافة. فهن دائماً ورقة رابحة في كسب التفاعلات. من هذا المنظور، تم تداول صور ديمي مور بفستان أسود من دون أكتاف بشكل مُكثَّف حوَل الحديث من ترشيحها عن مسلسل «لاندمان» إلى نحافتها، وما إذا كانت تعاني من مشكلة صحية أو تستخدم أدوية لإنقاص الوزن.

كيلي أوزبون أثارت مؤخرا موجة من القلق على صحتها بعد ظهورها بنحافة مفرطة (أ.ب)

أليكس لايت، مؤلفة كتاب «لستَ صورة (قبل): كيف تتصالحين مع جسدك أخيراً وإلى الأبد» You Are Not a Before Picture: How to Finally Make Peace with Your Body, for Good تقول إن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في المحتوى الذي يروِج لثقافة النحافة على الإنترنت. أحياناً بطرق غير مباشرة، تحت مسميات «العافية» و«الانضباط» و«الأهداف الصحية اللطيفة»، لكن النتيجة واحدة وهي إعادة إنتاج «فكرة أن الجسد مشروع للتحسين والتصليح». وتوضح لايت أن أحد أهم الأسباب في انتشار هذه الظاهرة، أن الخوارزميات لا تكافئ المحتوى المتزن والمتوازن، بينما تكافئ الصور الصادمة والدراماتيكية. هذه الخوارزميات تُفسر أيضاً سبب عودة بعض المؤثرين الذين بنوا شهرتهم على خطاب حب الذات، لعرض تجارب مرتبطة بخسارة الوزن. لكن السؤال الجوهري بالنسبة لأليكس لايت هو «من يستفيد من الترويج لهذه النحافة؟» الإجابة بالنسبة لها غالباً ليست الفرد، بل صناع حميات تدر عليهم المليارات من الدولارات.

مسؤولية الموضة

ورغم أنها لم تُشر بأصابع الاتهام لصناعة الموضة فإن هذا لا يستثنيها. في تصريح سابق للمصممة البريطانية ستيلا مكارثني حول هذا الموضوع قالت إنها تُحمِل الموضة جزءاً كبيراً من المسؤولية. وهي على حق لأن نظرة على تاريخ الموضة تُثبت أنها في كل حقبة ترسخ نموذجاً جمالياً نحيلاً داخل اللاوعي، من خلال صور الإعلانات وعروض الأزياء والحملات المصورة، بغض النظر عما تجره من نتائج كارثية.

تتحمل الموضة جزء كبير من المسؤولية في الترويج للنحافة (ديور+ فندي)

قوانين صارمة ولكن

في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي روَجت لمظهر «هيروين شيك» تظهر فيه العارضات بشكل «أنوريكسي» للغاية، الأمر الذي أثار قلقاً تداعى صداه في كل العالم في عام 2007 إثر وفاة إيزابيل كارو وهي عارضة أزياء فرنسية سابقة عن عمر يناهز 28 عاماً بسبب مرض فقدان الشهية. لم تكن إيزابيل حالة فردية إذ تعرضت عارضات أخريات إلى نفس المصير، بسبب ضغوطات تفرض عليهن فقدان أوزانهن بشكل مبالغ فيه.

بعد أن دقَّت الجهات الصحية نواقيس الخطر، وتسرَّب الخوف في النفوس من تأثيرات هذه الصور على صغار السن، حاول قطاع الموضة أن يُغيِر جلده ويحتضن الاختلاف. لكنه واجه مقاومة من قبل بعض المصممين، فتدخلت الحكومات على الخط، لتنص قوانين تُجرِم التعاون مع عارضات نحيفات بشكل مفرط أو صغيرات السن، وفرضت غرامات على وكالات الإعلان أو دور الأزياء في حال عدم التزامهم بهذا القانون، حسبما قالته وزيرة الصحة الفرنسية ماريسول تورين آنذاك. وقال الفرنسي أوليفييه فيران البرلماني الاشتراكي الذي صاغ التعديلين إن القانون سيفرض فحوصات منتظمة وغرامات مالية، وأضاف أنه سيتعيَن على العارضات تقديم شهادات طبية تظهر مؤشراً لكتلة الجسم لا يقل عن 18 - أو نحو 55 كيلوغراماً لطول قدره 1.75 متر - قبل التعاقد معهن. في عام 2017 أصبح لزاماً على العارضات الحصول على شهادة طبية إلزامية لمزاولة المهنة، في حين وقَّعت مجموعتا السلع الفاخرة «إل في إم إتش» و«كيرينغ» في العام نفسه وثيقة تلزم بإلغاء المقاس 32 كشرط للتقدم الاختبار الأداء للعارضات.

مع مرور الوقت تبيَّن أن معظمها مجرد إجراءات نظرية. فالمصممون يُفضلون ابتكار أزياء للأجسام الرفيعة والمقاييس الصبيانية. فكلما خلَّت هذه الأجساد من أي تضاريس أو منحنيات تُبرز جمال التصاميم أكثر. كما أن إنتاج وبيع الملابس بقياسات كبيرة إلى جانب أنه مكلف بالمقارنة، يتطلب مهارة أكبر ليأتي بالشكل المطلوب.

تعرضت المغنية أديل للتنمر بسبب وزنها الزائد في الماضي قبل أن تكتسب رشاقتها الحالية (غيتي)

حرب لاغرفيلد على البدانة

المصمم الراحل، كارل لاغرفيلد كان واحداً ممن أعلنوا الحرب على الوزن الزائد. عانى منه هو شخصياً لسنوات، قبل أن يتبع ريجيماً قاسياً قال إنه نبع من رغبته في ارتداء تصاميم هادي سليمان، مصمم دار «ديور» في القسم الرجالي، الذي طرح أول تشكيلة له في عام 2001، عبارة عن تصاميم رشيقة للغاية لا تناسب الرجل الممتلئ، فما البال بالسمين؟ كارل لاغرفيلد لم يكتفِ بهذا، بل استعمل كلمة «بدينة» لوصف المغنية أديل، مضيفاً أن كل من تنتقد رأيه أو لها رأي مخالف عن النحافة هي «امرأة كسولة ومتكاسلة».

صورة أرشيفية تعود إلى عام 2025 لديمي مور (إ.ب.أ)

المشكلة أنه حتى المرأة باتت مقتنعة بما تُمليه الموضة، مما جعل النيات الطيبة لفك ارتباط هذه الصناعة بالعارضات النحيفات ضعيفة، بدليل الصور التي باتت تطالعنا مؤخراً في عروض الأزياء وتُعزِزها صور نجمات هوليوود مثل ديمي مور ونيكول كيدمان وغيرهما.


جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.