هانز كوكلر يحلل غطرسة الغرب بحثًا عن حوار حقيقي

فيلسوف يدافع عن القضايا العادلة في العالمين العربي والإسلامي

هانز كوكلر  -  غلاف {تشنج العلاقة بين الغرب والمسلمين}
هانز كوكلر - غلاف {تشنج العلاقة بين الغرب والمسلمين}
TT

هانز كوكلر يحلل غطرسة الغرب بحثًا عن حوار حقيقي

هانز كوكلر  -  غلاف {تشنج العلاقة بين الغرب والمسلمين}
هانز كوكلر - غلاف {تشنج العلاقة بين الغرب والمسلمين}

ليس غريبا أن ينخرط الفيلسوف في الدفاع عن قضايا الشعوب العادلة، كما أنه ليس غريبا أن يجعل الفيلسوف من أولوياته قضايا المجتمع ومحاربة العنف والظلم، على الرغم مما يمكن أن يواجه به من إقصاء وتنكيل جراء مواقفه تلك. فالفلسفة لم تكن غريبة عن واقعها، وليس الفيلسوف بذلك الكائن الذي يعيش في عوالمه المثالية بعيدا عن المجتمع وقضاياه. ولعل نظرة فاحصة لواقعنا المعاصر تجعلنا نستنتج أن المجتمع الذي كان يحلم به فلاسفة عصر الأنوار لم يتحقق بعد، وأن الحروب الحالية تجعلنا بعيدين جدا عن السلام الذي تحدث عنه كانط، خصوصا في العالم العربي الإسلامي الذي يتم العبث بقضاياه وبمصير شعوبه.
أستحضر اليوم مفكرا دافع عن القضايا العربية والإسلامية العادلة، وهو الفيلسوف النمساوي هانز كوكلر، أحد كبار أصدقاء المسلمين، من خلال كتابه «تشنج العلاقة بين الغرب والمسلمين»، من ترجمة الأستاذ حميد لشهب، الذي يحاول فيه تسليط الضوء على عجرفة الغرب وسياسة الكيل بمكيالين، والقوة والخداع، التي يغلفها بغلاف من الديمقراطية والعدل وحقوق الإنسان، وعمله على هدم الحضارة العربية الإسلامية ونسف الثقافة الإسلامية من الداخل. كما لا يفوت هانز كوكلر الإشارة إلى سبل خلق حوار حقيقي بعيدا عن التعصب والنظرة الفوقية لأي طرف إلى طرف آخر. فكيف يمارس الغرب سياساته المتصلبة تجاه العرب والمسلمين؟ وكيف يمكن إقامة حوار عربي غربي حقيقي من دون إملاءات من طرف على طرف آخر، حوار يخدم مصالح وشعوب المجتمعات الغربية والعربية على حد سواء؟
* الأمم المتحدة أداة في خدمة القوى العظمى
يؤكد هانس كوكلر على أن العالم سوف يعرف تحولا في موازين القوى التي تتحكم في القرار الدولي مع نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، ما سيؤدي إلى التحول من قطبية ثنائية بين كل من الاتحاد السوفياتي إلى قطبية أحادية مع الولايات المتحدة الأميركية. هذا الحدث سوف يعلن أن القرار الدولي لن يبقى توازنا بين قوتين اثنتين متعارضتين، وإنما سوف يصبح حكرا على دولة واحدة تحلل ما تشاء وتحرم ما تشاء، ليتغذى هذا الفكر من موقف فوكوياما المعلن عن نهاية التاريخ بنهاية النموذج الشيوعي، وأن النموذج الغربي الرأسمالي الديمقراطي هو النموذج المثالي الذي لا نموذج بعده، وأميركا هي زعيمته.
سوف يتأكد هذا الأمر بعد مدة قصيرة جدا، مع حرب الخليج سنة 1991، عندما سيعلن جورج بوش، صراحة، عن نظام عالمي جديد، قائلا: «حيث سيادة القانون، لا قانون الغاب، الذي يحكم سلوك الأمم»، وذلك لما سيقدم خطابا عاطفيا، برفع شعارات العدالة والإنصاف والحرية واحترام حقوق الإنسان كقاعدة لنظام عالمي جديد بين الشعوب، وهو نظام حماية الضعيف من القوي. وسوف تظهر، كذلك، نظرية الحرب العادلة في خدمة الديمقراطية والسلام. وستبرر ممارسة العنف وشن الحروب باسم ضمان السلم والديمقراطية. هكذا ستبعث من جديد المركزية الأوروبية بكل قوتها الاستبدادية. مركزية سوف تجعل من العالم العربي والإسلامي العدو الأول بعد نهاية العدو الذي كان، وهو الاتحاد السوفياتي. مركزية سوف تعمل على جعل منظمة الأمم المتحدة أداة للهيمنة، ووسيلة لخدمة مصالحها الخاصة وأهدافها الاستراتيجية ونياتها المبيتة.
* الديمقراطية كعنصر من عناصر إضفاء الشرعية
يعمل الغرب من خلال منظمة الأمم المتحدة على تقديم الدروس في الديمقراطية إلى الدول العربية والإسلامية، في حين أنه لا يقدم سوى ديمقراطية ممسوخة ومشوهة قائمة على معيار القوة، لأن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا في نظام متعدد الأقطاب، بإمكانه الحفاظ على الضوابط والتوازنات. وتظهر الأمور بوضوح أكبر في حق الفيتو الذي يجعل أميركا والقوى الكبرى المقرر الأول والأخير، حسب مصالحها الخاصة، خصوصا حين يتعلق الأمر بالشرق الأوسط والعالم الإسلامي. فكيف يمكن لمنظمة الأمم المتحدة الدفاع عن الديمقراطية وهي عاجزة عن تطبيقها في قراراتها وبين أروقتها؟
* حق التدخل العسكري والعقوبات
شنت الولايات المتحدة أكثر من حرب ضد العالم الإسلامي، تارة باسم القضاء على الاستبداد، كما حدث في ليبيا، وتارة أخرى لمحاربة أسلحة الدمار الشامل، كما حدث في العراق، أو بحجة القضاء على الجماعات الإرهابية. وجرى ذلك بمباركة من الأمم المتحدة أو دون مباركة منها. فمثلا، في حرب العراق سنة 2003 تبين أن مسألة أسلحة الدمار الشامل لم تكن إلا حجة لضرب العراق.
أما ما يخص العقوبات الاقتصادية، التي سلطت على كل من العراق وليبيا، فيوضح كوكلر أنها تتحدد من خلال الرشى والضغوط الاقتصادية، أكثر من أن تكون للأهداف المعلن عنها، إذ إنها تترك آثارا خطيرة على حياة السكان المدنيين. وهي قصف لا يختلف عن القصف المباشر. كما أنها لا تنسجم مع المعايير الأخلاقية، ومع الإنسان ككائن له حقوق وكرامة بالمعنى الكانطي للكلمة.
* حوار عربي غربي حقيقي
لا يمكن الحديث عن العلاقة بين العرب والمسلمين من دون الحديث عن الحروب المتبادلة التي سادت بينهما: التمدد الإسلامي، والحروب الصليبية، والاستعمار الإمبريالي، والفكر الجهادي، والقضية الفلسطينية. هكذا تبدو سبل الحوار مستحيلة، ما دام أن تاريخ هذه العلاقة هو تاريخ تطاحنات متبادلة. فالغرب لا يزال يخلط بين العمل العسكري العثماني وبين الإسلام كدين، وبالتالي رسالة الرسول. كما أن الدراسات حول الإسلام تقع في قبضة التبشير المسيحي الذي قدم صورة مغلوطة عن الإسلام، باعتباره خطرا على الهوية الأوروبية وعلى أمنها، إذ تمت تغذية هذا التصور من وسائل إعلام مضللة ومثقفين صقلوا صورة مشوهة عن الإسلام.
رغم كل هذا، يؤكد كوكلر على أن سبل الحوار تبقى دائما مفتوحة، فمشكلة القدس يمكن أن تقدم حلا لإمكانية تفاهم وعمل بين ثلاث ديانات هي اليهودية والمسيحية والإسلام، لكن شريطة عدم النظر إلى شريك أعلى وشريك أدنى، وسن سياسة عادلة تأخذ بعين الاعتبار حقوق المسلمين في هذه المنطقة. فالسياسة الغربية الحالية لن تؤدي إلا إلى رفض الأفكار والتمرد عليها، إذ يعمل الغرب على إعادة تربية العرب على إسلام صحيح، وهو الإسلام الأوروبي، كما اقترحه بسام تيبي، في حين أن الحوار بالمثل، بالمعنى الكانطي الذي يتأسس على الاحترام المتبادل، لا يمكن بواسطته قبول هذا الأمر، حوار كما حدده جورج كدامير، يتضمن مزيدا من التسامح كشرط للثقافة الخاصة أو الحضارة الخاصة، واعتبار الآخر بمثابة حظ من أجل فهم العالم بشكل جيد، ومعرفة الذات في مرآته، إذ لا يمكن فرض تصورات أخلاقية على الآخر من أجل إعادة قولبة هويته عن طريق العنف، ولا بد من الكف عن سياسة الكيل بمكيالين، في الميادين الحاسمة المتعلقة بالهوية، والمعاقبة الجماعية لشعوب الدول المسلمة.
يرى كوكلر في النهاية أنه خلف كل الشعارات التي ينادي بها الغرب تظهر الحقائق الأساسية التي على الفيلسوف كشفها، ومساءلة ممارسة سياسة القوة وآيديولوجيتها، ومدى مشروعية خدمتها لمصالحها، تحت ذريعة الدفاع عن مبادئ مثل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والحفاظ على السلم العالمي، فلا يجب على الفيلسوف الخضوع والانخراط في موقف الصمت، لا بد أن يوجه سلاحه الفكري نحو القضايا العادلة للشعوب.



مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي
TT

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي، تنتصب الخيمتان العملاقتان اللتان تختصران نبض سوق الفن العالمي وذاكرته، حيث تلتئم نسختا هذا العام من معرَضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لتؤكدا مجدداً أن العاصمة البريطانية ليست مجرد سوق تداول، بل مختبر نقدي حي يتلمس تحولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هذا العام ليستا مجرد مساحات لعرض السلع البصرية الفارهة، بل تحولت تحت أقدام الزوار والقيّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة، مانحةً النقاد فرصة نادرة لتشريح أين يتجه الفن المعاصر، وكيف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين.

إذا تجولنا أولاً في أروقة «فريز لندن»، سنرى كيف انشغل 172 غاليري من مختلف أصقاع الأرض بتفكيك الحاضر وتشريح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مثلاً، يقدم الفنان البرازيلي دالتون باولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاستعمارية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مستخدماً ضربات فرشاة رقيقة وسطوحاً حليبية تمنح شخوصه طابعاً طيفياً يرفض النسيان.

وإلى جوار هذه الصرامة التاريخية، تقتحم الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، فضاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والتآكل والتشكل، لاغية الحدود الفاصلة بين اللوحة ككائن جمالي مستقل وبين الطبيعة في صيرورتها الحية، وهو ما يعيدنا برهافة تشكيلية إلى «فن الأرض» Land art، ولا يقل عنها حضوراً الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكداً أن الملمس المادي للعمل الفني هو جزء لا يتجزأ من حمولته السياسية والنفسية.

وعلى الضفة المقابلة للحديقة، حيث يعيد «فريز ماسترز» كتابة التاريخ الفني بعيون واعية نقدياً، تتجلى بوضوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو» قد شكل العلامة الفارقة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل وهي تعيد تعريف الحداثة الجندرية والإنسانية النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز حضور غاليري «لوفت آرت» مسلطاً الضوء على ريادة الحداثة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الحرفي الأمازيغي. ولا يغفل المعرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات نادي الشارع الثامن (The 8th Street Club) وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكنّ وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظَللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مثل غاليري «بيري كامبل» وتكشف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة.

لغة الأرقام الفنية

أمّا على صعيد لغة أرقام المبيعات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الوزن تجسد صدارة القطع المتحفية عالمياً؛ إذ بيعت لوحة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بروغيل الأكبر لدى غاليري «هاوزر أند ويرث» بمبلغ ناهز 6.5 مليون دولار، تليها لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس بـ1.5 مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو بـ600 ألف دولار بالتساوي مع عمل برونزي لأنطوني غورملي، بينما بيعت لوحة للفنانة كارا ووكر بـ400 ألف دولار.

جغرافيا الفن العربي

ولم يكن الوجود العربي في هذا الحدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هامشية، بل امتداداً لقوة حوارية تفرض حضورها الجمالي والمفهومي بثبات؛ حيث وضعت الصالات العربية بصمتها التأسيسية من خلال مشاركات نوعية شقت قنوات جديدة للرؤية. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعد ورايان تابت، بينما نجحت صالة أثر (جدة/ الرياض) في لفت الأنظار إلى التحولات المعاصرة في المشهد السعودي عبر مقاربات فنية ومفاهيمية للفنانين مثل أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة.

وعلى صعيد «فريز ماسترز»، فرض غاليري «لوري شبيبي» (دبي) حضوره عبر عرض أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثارها الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والذاكرة والنزوح بشاعرية مكثفة.

وسجل غاليري «المرسى» حضوراً لافتأ عبر الاحتفاء بالأعمال الإيقاعية والتجريدية الفريدة للفنان التونسي-الفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسراً بصرياً يمزج بين الذاكرة الأفريقية-العربية والتقاطعات الخطية المعاصرة لتؤكد أن الجغرافيا العربية أضحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل المشهد البصري المعاصر.


«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي
TT

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر، المفضل لدى بطلها «طارق العايق»، الذي يبدو كأنه خرج من عالم الأغنية نفسها، محملاً بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق.

من هذه العتبة يمتد الطابع الشعبي عبر سطح العالم الروائي، المعبأ بأصوات الباعة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولاً إلى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكرة السينما المصرية في تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة.

ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بابنة جيرانه «ميرفت» تتسع أسئلة الخديعة لتطال تصوّرات البطل عن نفسه، وعن النجاح والمكسب والخسارة، وعن حدود إنسانيته داخل المدينة التي ينتمي إليها.

يستعيد طارق حكايته مع ميرفت بوصفها خسارته الكبرى، كأن حياته انقسمت إلى ما قبل هذه العلاقة وما بعدها، غير أن الخسارة العاطفية تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات؛ فالرجل الذي لم ينجح في الاحتفاظ بوهج قصته مع حبيبته، لم ينجح كذلك في تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابس المستعملة في سوق «البالة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحمّله مسؤولية الهزيمة.

وهكذا تتجاوز مفردة «انخدعنا» دلالتها الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة التي تضعها دينا شحاتة داخل بناء سردي يستعير منطقه من لعبة «الدومينو»، لتتوزع الرواية عبر أربع جولات، تتخللها فواصل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولاً إلى «قفلتها» الأخيرة.

لتصبح لعبة الدومينو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والخسارة، بينما تظل كل قطعة مرهونة بما يسبقها وما يليها.

من خلال هذا الترتيب، تسحبنا الرواية من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صوت سردي ثالث هو صوت المدينة، لتكتسب «بورسعيد» حضوراً سردياً مستقلاً، بوصفها ذاتاً تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها.

حدود الراوي العليم

تبلغ هذه الندية ذروتها في تحدي المدينة لمعرفة الراوي العليم نفسه، ووصفه بأنه «الراوي ناقص المعرفة»، لتشمل لعبة الرواية تحدي سلطة السارِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد بورسعيد مع حفر قناة السويس عام 1859.

في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتبط اسمها في الوجدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضاً تاريخاً من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلى مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1967، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها.

ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الروايات الكبرى عن المجد والانتصار، بما فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والحيوات الصغيرة التي توارت خلف التحولات السياسية والاقتصادية، وتستعيد المدينة تاريخ ميلادها بوصفه جرحاً جسديّاً، تتجاور فيه صورة الشريط الساحلي الذي شقته الفؤوس مع أجساد العمال الذين احتضنتهم الرمال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة.

تتبدى أنسنة المدينة في نديتها للبطل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طارق، عشر سنوات لم تكفِ الأيادي عن الحفر، تمنيت لو يتم مسحها من ذاكرتي»، لتمنح خساراته الفردية عمقاً أبعد في ذاكرة المكان، فكما يتمنى طارق نسيان سنوات عمله في التهريب وتجارة الملابس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت.

وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاً. قسوة أن ترى دون فعل؟ وما رأته عيناي في ولادتي، ما كان يجب أن يُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد.

ومن هنا تتجاوز الموازاة بين البطل «طارق العايق» ومدينة «بورسعيد» مجرد التشابه في الخسارة؛ فبينما يرى طارق أن خديعته بدأت مع ميلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حيث تتشكل مصائر الأفراد في امتداد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها.


بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية