اتهامات بتزاوج السلطة والمال في صفقات صندوق الاستثمار الروسي

أسس بهدف الفصل بين السياسة ومجتمع الأعمال

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)
TT

اتهامات بتزاوج السلطة والمال في صفقات صندوق الاستثمار الروسي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)

عندما أُنشئ صندوق جديد للاستثمار المدعوم من الحكومة الروسية قبل خمس سنوات، كانت موسكو ترغب في إرسال رسالة مفادها أن روسيا مستعدة للفصل ما بين السياسة وعالم الأعمال.
ثم عينت السلطات الروسية مجلسًا رفيع المستوى من المستشارين الدوليين مهمته الإشراف على أنشطة الصندوق الجديد، والمجلس يضم مجموعة من المديرين التنفيذيين الأميركيين للأسهم الخاصة مثل ديفيد بوندرمان من مؤسسة «تي بي جي» وستيفن إيه شوارزمان من مجموعة بلاكستون. وفي مقطع فيديو على موقع الصندوق الاستثماري، يؤكد بوندرمان على أن «الاستثمارات في روسيا سوف تتمتع بالشفافية وسوف تتخذ القرارات التجارية وليست القرارات ذات النزعة السياسية».
وبعد حزمة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا إثر الصراع الأوكراني الأخير، نأى الكثير من أعضاء المجلس المذكور بأنفسهم بعيدًا عن أعمال الصندوق، وفي الآونة الأخيرة، وجد الصندوق نفسه تحت أضواء غير مريحة تتعلق باستثمارات كبيرة لصالح شركة ذات صلات سياسية معينة. وفي أواخر العام الماضي، منح «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» قرضًا بقيمة 1.75 مليار دولار إلى شركة سيبور الروسية العملاقة العاملة في قطاع البتروكيماويات وذات العلاقات الوثيقة بالكرملين.
وخيمت مثل تلك المخاوف ولفترة طويلة على المشهد الاستثماري في روسيا، إذ تلعب السياسة دورًا كبيرًا وبالغ العمق في قطاع الأعمال الروسي. ثم تفاقمت تلك المخاوف مع المحنة الاقتصادية الحالية، حيث تكافح الحكومة للتعامل مع أسعار النفط المنخفضة والعقوبات الاقتصادية الغربية.
وتربط أحد كبار المساهمين الرئيسيين في شركة سيبور، وهو غينادي إن. تيمشينكو، علاقات طويلة الأمد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويُدرج اسم تيمشينكو على قائمة العقوبات الاقتصادية بالولايات المتحدة الأميركية بصفته عضوًا في «الدائرة الداخلية» المقربة من الرئيس الروسي.
ومن بين كبار الملاك أيضًا، كيريل إن. شامالوف، وهو نجل نيكولاي تي. شامالوف الذي نال بالمثل حظه من العقوبات الغربية لارتباطه المباشر بالرئيس الروسي. وتنقل وسائل الإعلام الروسية والغربية وعلى نطاق واسع أن كيريل شامالوف هو صهر الرئيس الروسي. ويقول المحلل السياسي ستانيسلاف إيه. بيلكوفسكي «في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية الروسية، وظهور مثل تلك الأنباء على سطح الأحداث، قد يعبر الأمر عن ضربة قوية وخطيرة ضد السيد بوتين»، مشيرًا إلى إقراض بعض الشخصيات ذات الصلة المباشرة بعائلة بوتين.
يدافع «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» عن صفقة شركة سيبور، ويقول إنها تتفق مع المبادئ التوجيهية للصندوق الاستثماري. ووصف الرئيس التنفيذي للصندوق كيريل ديميترييف، في بيان مكتوب، القرض بأنه ذو دوافع تجارية وتمت الموافقة عليه تمشيًا مع الممارسات المعمول بها في أعمالنا.
ويرفض بوتين، على غرار الكثير من المسؤولين الروس، مناقشة الأمور العائلية أو الكشف عن أنشطة الأعمال التجارية لعائلته. ولقد رفض شامالوف تأكيد أو نفي ما إذا كان متزوجًا من كريمة بوتين الأصغر سنًا، كما لم يرد ممثل شامالوف على الأسئلة المكتوبة الموجهة إليه. وقد صرحت شركة سيبور في بيان لها أن الشركة لن تعلق على «تكهنات» بأن أحد المساهمين هو صهر الرئيس، وقالت إن المساهمين في أية حالة ليس لديهم دور في المفاوضات المالية الخاصة بالشركة.
كما رفضت شركة لودوغا الإدارية المملوكة لشامالوف في بيان لها تأكيد أو نفي ما إذا كان مالكها صهرًا لرئيس البلاد، مؤكدة على أنه «مثالاً بأي شخص آخر، فإن كيريل شامالوف له كامل الحق في الخصوصية».
ويقول بيلكوفسكي المحلل السياسي: «تفيد التقاليد السوفياتية بأن الأقارب لا يجب أن يكونوا في الواجهة العامة».
كان الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف قد أسس الصندوق الاستثماري في عام 2011 بهدف واضح هو استعادة الثقة في المناخ الاستثماري الروسي.
وأراد ميدفيديف من خلال ذلك الصندوق جذب المستثمرين الأجانب إلى الشركات في بلاده، وحاول تحفيزهم من خلال مطابقة صناديق التمويل الحكومية مع رؤوس الأموال الخاصة. والشراكة مع الحكومة، من شأنها تقليل مخاوف المستثمرين حول مخاطر التأميم والتنظيم التعسفي. ولحشد المزيد من التأييد، عين الصندوق الاستثماري عددًا من كبار المستثمرين للعمل في المجلس الاستشاري للصندوق. وإلى جانب المديرين التنفيذيين من مؤسستي تي بي جي وبلاكستون، عين الصندوق كذلك ليون بلاك من مؤسسة أبوللو للإدارة العالمية، وريتشارد إم. دالي، العمدة السابق لمدينة شيكاغو، وكيرت جوركلاند من مؤسسة بريميرا، وغيرهم من المديرين التنفيذيين من الصين ومنطقة الشرق الأوسط.
وركزت الموجة الأولى من الصفقات على الاستثمارات الأساسية في الشركات العاملة في مشروعات البنية التحتية الروسية ومشروعات إمداد الطبقة المتوسطة، وفي استثمار نموذجي عمد الصندوق مع مؤسسة بلاك - روك عام 2012 على ضخ 50 مليون دولار في سلسلة من المستشفيات الخاصة تحت عنوان مستشفيات الأمومة والطفولة، واستثمر الصندوق أيضًا مائة مليون دولار في مشروعات متعددة، جنبًا إلى جنب مع شركة بارينغ فوستوك كابيتال وشركاه، وهي إحدى شركات الأسهم الخاصة الروسية.
ولكن اللاعبين الغربيين تراجعوا بعدما استهدفت العقوبات الغربية بنك فنيشكونوم، وهو البنك الرئيسي للصندوق ومن كبريات البنوك الحكومية الروسية، في ردة فعل دولية على التدخل العسكري الروسي في الحرب الدائرة شرقي أوكرانيا. حيث قام شوارزمان وبوندرمان بسحب أسمائهما من القائمة المنشورة لمستشاري الصندوق عام 2014.
ومع تباطؤ الاقتصاد الروسي وانقطاع التمويل للمشروعات، سمحت الحكومة الروسية لـ«الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» بالاستفادة من الموارد في «صندوق الضمان الاجتماعي»، الذي يعتبر صندوق للثروة السيادية وهو جزء من نظام التقاعد في البلاد.
وفي صفقتين متتاليتين، ساعد «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» استثمار ما يقرب من 800 مليون دولار من أموال نظام التقاعد في الشركات التي تبني خطوط الطاقة الكهربائية وتوسيع شبكة الإنترنت ذات النطاق العريض إلى المناطق الريفية. وسرعان ما تبع ذلك استثمار كبير مع شركة سيبور الروسية.
وفي ديسمبر (كانون الأول)، أفصح الصندوق عن استثمارات بقيمة إجمالية بلغت 5.05 مليارات دولار لشركة سيبور لبناء مصنع للبتروكيماويات في مدينة توبولسك في سيبيريا، لصناعة السلائف الكيميائية للمنتجات البلاستيكية والمطاط الصناعي.
وحقق الصندوق إلى جانب المستثمرين الأجانب، بما فيهم مصادر من منطقة الشرق الأوسط، وصندوقان ألمانيان، اللذان ربطا التمويل بتصدير السلع الصناعية الألمانية، نحو 3.3 مليار دولار.
كما عمل «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» كذلك على ترتيب قرض بقيمة 1.75 مليار دولار من صندوق الضمان الوطني. ولقد تمت هيكلة هذا القرض تحت مسمى سندات بأقل من أسعار الفائدة السوقية والمبيعة إلى صندوق الثروة السيادية.
يقول فلاديمير إيه. ريزخوف، النائب السابق لرئيس البرلمان الروسي، عبر مكالمة هاتفية: «يمكنك مشاهدة صراع المصالح جليًا هنا»، فصندوق الضمان الوطني، ملزم قانونًا بتغطية العجز في نظام التقاعد مثل ذلك العجز المشهود في روسيا اليوم بسبب انخفاض أسعار النفط. ولسوف تنخفض معاشات التقاعد خلال هذا العام نسبة إلى التضخم. وتعتبر شركة سيبور واحدة من أكبر شركات البتروكيماويات في روسيا، وهي تعمل على معالجة الإمدادات الغنية في البلاد من النفط والغاز وتحويلها إلى بلاستيك، والمطاط الصناعي، وغير ذلك من المنتجات. ومن منظور السياسة الصناعية، تساعد أنشطة الشركة في تنويع الاقتصاد الروسي عن طريق إنتاج المنتجات ذات القيمة المضافة من موارد البلاد.
وفي مؤتمر صحافي بتاريخ 17 ديسمبر (كانون أول)، واجه فلاديمير بوتين، الأسئلة حول صلة القرابة. برفض الإفصاح عن التفاصيل المتعلقة بعائلته. ونفى أية علاقة لهما بعالم الأعمال، وأدلى بكلمات مقتضبة حول أنشطتهم اليومية.
وطرح صحافي من صحيفة «آر بي سي»، وهي الصحيفة الروسية التي حققت في الصفقات التجارية لشامالوف، سؤالاً على الرئيس الروسي، حول ما إذا كانت كريمته، والمعروفة باسم إيكاترينا بوتينا، تعيش في روسيا تحت اسم مستعار هو كاترينا تيخونوفا، هي نفسها؟
وفي وقت سابق، ذكرت صحيفة «آر بي سي» أن هناك مشروعًا تنمويًا كبيرًا على أراض مملوكة لجامعة موسكو الأهلية تديره سيدة تعرف باسم كاترينا تيخونوفا تبلغ من العمر (29 عاما)، التي شوهدت علنا في أكثر من مناسبة برفقة شامالوف. وفي وقت لاحق، قال أحد المدونين الروس ويدعى أوليغ كاشين أنه تعرف على الهوية الحقيقية للسيدة تيخونوفا كريمة الرئيس بوتين في مقالة له بعنوان «إنها هي». ولقد ذكرت كل من وكالة «رويترز» وبلومبيرغ تفاصيل زفاف الزوجين المذكورين. ورفض الرئيس الروسي الإجابة على الأسئلة المتعلقة بعائلته في المؤتمر الصحافي.
وقال بوتين، وفقًا لنسخة الكرملين من تصريحاته: «إنني أقرأ، بطبيعة الحال، على الإنترنت وفي بعض المنشورات الأخرى حول إيكاترينا تيخونوفا، تمامًا كما قرأت أشياء عن أقارب محتملين آخرين في أوقات مختلفة». وقال الرئيس الروسي إن كريمته تعيش في روسيا، ولكنه رفض التأكيد على ما إذا كانت هي نفسها السيدة تيخونوفا. وتابع الرئيس الروسي قوله: «إنني فخور ببنتي. وإنهما يبدآن أولى خطواتهما في حياتهما العملية، ولكنهما حققتا نجاحات جيدة. وهما لا تعملان في السياسة أو التجارة، ولا تهتمان كثيرًا بالشؤون العامة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



«وول ستريت» تتراجع وسط تساؤلات بشأن استدامة طفرة التكنولوجيا

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتراجع وسط تساؤلات بشأن استدامة طفرة التكنولوجيا

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، خلال تعاملات الخميس، مع عزوف المستثمرين عن أسهم الشركة الأم لـ«غوغل»، عقب نتائج أثارت مخاوف بشأن استدامة طفرة التكنولوجيا العالمية، في حين ارتفعت الأسهم الأوروبية بدعم من نتائج قوية للشركات.

وفي آسيا، أغلقت الأسهم الكورية الجنوبية على انخفاض، وتراجعت أسهم هونغ كونغ وشنغهاي، بينما ارتفعت الأسهم اليابانية.

في المقابل، صعدت المؤشرات الأوروبية بعدما أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تثبيت تكاليف الاقتراض، الأربعاء.

وتراجع اليورو بعدما أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد اعتزامها التنحي عن منصبها في فبراير (شباط) المقبل.

وقال مدير الاستثمار بشركة «إيه جيه بيل»، راس مولد، إن الأسواق الأوروبية حققت مكاسب قوية، الخميس، مدعومة بنتائج أعمال إيجابية للشركات، مخالفة بذلك الاتجاه السلبي الذي ساد الأسواق الآسيوية خلال الليل.

وأسهمت الأرباح القياسية لشركتَي النفط «شل» و«توتال إنرجيز» في دعم بورصتيْ لندن وباريس، بعدما استفادت الشركتان من اضطرابات إمدادات النفط والغاز في الشرق الأوسط، التي عززت الأسعار وهوامش التكرير.

لكن أسعار النفط الخام تراجعت بنحو 2 في المائة، وسط تقارير عن تجدد الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران لتجنب شن ضربات إضافية.

وفي «وول ستريت»، تراجع مؤشر «ناسداك» المجمع، الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا، بنسبة 1.4 في المائة عند الافتتاح، بعدما هوت أسهم «ألفابت» على أثر إعلانها أرباحاً دون التوقعات، مع استمرار الإنفاق الكبير على الذكاء الاصطناعي.

وقال محلل شركة «تريد نيشن»، ديفيد موريسون إن السهم هبط سريعاً بأكثر من 10 في المائة، بعدما ركز المستثمرون على الانخفاض الحاد في التدفقات النقدية الحرة وتباطؤ نمو محرك البحث «غوغل».

وتتصاعد المخاوف من أن يؤدي تنامي استخدام أدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تقويض نشاط «غوغل» الأساسي في البحث والإعلانات، الذي يشكل مصدراً رئيسياً لإيرادات الشركة.

وزادت النتائج المخيبة للتوقعات لشركة «سامسونغ إلكترونيكس» الكورية الجنوبية الشكوك بشأن العوائد المتوقعة من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. ورغم تسجيل الشركة، أكبر منتِج لرقائق الذاكرة في العالم، أرباحاً فصلية قياسية، فإن نتائج قطاع أشباه الموصلات جاءت دون توقعات السوق.

في المقابل، أعلنت «مايكروسوفت» إيرادات وأرباحاً تجاوزت التوقعات، مدعومة بأداء قطاع الحوسبة السحابية «أزور»، وارتفعت أسهمها بنسبة 0.8 في المائة.

وقال جيم ريد، من «دويتشه بنك»، إن نتائج شركات التكنولوجيا ستظل محور اهتمام الأسواق، مع إعلان «أمازون» و«إنتل» نتائجهما بعد إغلاق السوق الأميركية.

وكانت الأسواق قد سجلت مكاسب قوية، خلال اليومين السابقين، بدعم من نتائج شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية المتخصصة في الرقائق، إلى جانب إعلان شركة «أنثروبيك»، المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي «كلود»، تقديم ملف للاكتتاب العام الأولي.


لاغارد: ارتفاع أسعار الطاقة يزيد مخاطر التضخم ويهدد النمو

لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)
لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)
TT

لاغارد: ارتفاع أسعار الطاقة يزيد مخاطر التضخم ويهدد النمو

لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)
لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن الأوضاع المالية في منطقة اليورو أصبحت أكثر تشدداً منذ الاجتماع السابق للبنك، محذرة من أن الضبابية المالية وتدهور معنويات الأسواق قد يزيدان صعوبة الحصول على التمويل ويضغطان على الطلب.

تصريحات لاغارد جاءت بعدما أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه حذر من أن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد مخاطر صعود التضخم ويهدد بإضعاف النمو الاقتصادي، في وقت أصبحت فيه الأوضاع المالية أكثر تشدداً منذ اجتماعه السابق.

وأوضحت لاغارد في مؤتمر صحافي أن مخاطر التضخم تميل إلى الاتجاه الصعودي، في وقت ارتفعت فيه أسعار الطاقة إلى مستويات تتجاوز الافتراضات الأساسية التي يستند إليها البنك المركزي في توقعاته. وفي المقابل، أشارت إلى أن مخاطر النمو الاقتصادي تميل إلى الجانب السلبي، بما يعكس تزايد الضغوط التي تواجه اقتصاد منطقة اليورو.

وأضافت أن تدهور معنويات الأسواق قد يؤدي إلى مزيد من التشدد في شروط التمويل، بما يحد من الطلب الاقتصادي، فيما قد تسهم الضبابية بشأن الأوضاع المالية العامة في زيادة الضغوط على الظروف المالية.

وفي ما يتعلق بالأجور، قالت لاغارد إن نمو الأجور المتفق عليها يُتوقع أن يتراوح بين 2.5 و2.8 في المائة خلال ما تبقى من عام 2026، مشيرة إلى أن ضغوط الأجور لا تزال معتدلة، وأن معظم مؤشرات توقعات التضخم على المدى الطويل تدور حول مستوى 2 في المائة.

وشددت على ضرورة أن تكون التدابير المالية مؤقتة وموجهة ومصممة وفقاً للظروف، مؤكدة أن الاستقرار المالي العام يمثل ركيزة أساسية.

ويواجه البنك المركزي معادلة دقيقة بين احتواء الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع الطاقة وتجنب تشديد إضافي قد يزيد الضغوط على النشاط الاقتصادي، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد المخاوف بشأن أوضاع المالية العامة في بعض دول المنطقة.

وأكد البنك أنه سيواصل اتخاذ قراراته بناءً على البيانات الواردة وتقييم توقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، من دون الالتزام مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة.


لاغارد تنسحب مبكراً لفتح الطريق أمام اختيار خلفها قبل الانتخابات الفرنسية

لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)
لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

لاغارد تنسحب مبكراً لفتح الطريق أمام اختيار خلفها قبل الانتخابات الفرنسية

لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)
لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)

في توقيت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً تضخمية متجددة وتحديات مالية متصاعدة، أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد اعتزامها مغادرة منصبها في 7 فبراير (شباط) 2027، قبل نحو تسعة أشهر من انتهاء ولايتها، فاتحةً الباب أمام سباق مبكر على خلافة أحد أكثر المناصب تأثيراً في الاقتصاد العالمي، بالتزامن مع الاستعدادات للانتخابات الرئاسية الفرنسية.

وتغادر لاغارد المنصب فيما يواجه البنك المركزي الأوروبي تحدياً نقدياً معقداً، يتمثل في التعامل مع الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة في ظل الحرب مع إيران، من دون زيادة الضغوط على اقتصاد يعاني بالفعل من مخاطر ضعف النمو.

وجاء إعلان الاستقالة في يوم أبقى البنك أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه حذّر من تصاعد مخاطر التضخم بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، ما يعزز ترقب الأسواق لاحتمال استئناف رفع الفائدة في ديسمبر (كانون الأول).

ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إعداد انتقال منظم للقيادة، مشيداً بما وصفه بـ«الالتزام الأوروبي» و«العمل الحازم» للاغارد. وقال، في منشور على منصة «إكس»، إن مسيرتها تذكّر بأن الاستقرار «ليس أمراً مضموناً أبداً»، بل يتحقق بالعمل الحازم وخدمة المصلحة العامة والثقة في المستقبل المشترك.

وأضاف ماكرون أن خلافة لاغارد ينبغي أن تُحضّر «بطريقة منظمة ومتوازنة مع شركائنا الأوروبيين»، في إشارة إلى أهمية التنسيق بين الدول الأعضاء في اختيار الرئيس المقبل.

تثبيت الفائدة وتحذير من صدمة الطاقة

وقد أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، لكنه أشار إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يفاقم مخاطر التضخم ويزيد الضغوط على النمو.

وقال البنك في بيان إن أسعار الطاقة واصلت الارتفاع، «ما يفاقم المخاطر المحيطة بتوقعات التضخم ويدفع بمخاطر النمو نحو الجانب السلبي». وأضاف أن التضخم الأساسي ظل مستقراً إلى حد كبير، وأن الأجور لم تُظهر استجابة ملموسة لارتفاع الأسعار، محذراً من أن اشتداد صدمة الطاقة واستمرارها لفترة أطول قد يرفعان التضخم ويقوضان النمو.

وكان البنك قد رفع الفائدة مرتين خلال العام، في مسعى لمنع انتقال ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب مع إيران إلى موجة تضخمية مستدامة. ومع أن القرار الأخير أبقى السياسة النقدية دون تغيير، فإن مسار الفائدة المقبلة سيظل مرتبطاً بتطور أسعار الطاقة والتضخم ومدى ظهور آثار تضخمية من الجولة الثانية.

وتزداد صعوبة المهمة مع تشدد ظروف التمويل وارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي، خصوصاً في فرنسا. فقد اتسعت الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات إلى نحو 155 نقطة أساس، وسط مخاوف المستثمرين بشأن الدين العام الفرنسي والآفاق المالية للبلاد.

ويؤدي ارتفاع العوائد وتباطؤ الائتمان إلى تشديد الأوضاع المالية حتى من دون رفع جديد للفائدة، لكنه يزيد في الوقت نفسه مخاطر اضطرابات الأسواق وتراجع النشاط الاقتصادي. وقد يضطر البنك إلى مراقبة هذه الضغوط عن كثب، مع احتفاظه بأدوات يمكن استخدامها لمواجهة اضطراب التمويل إذا اقتضت الضرورة.

سباق الخلافة قبل الانتخابات الفرنسية

يمنح رحيل لاغارد المبكر القادة الأوروبيين فرصة اختيار خلفها قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع 2027، بينما لا يزال ماكرون في منصبه للمشاركة في المشاورات. وتكتسب هذه المسألة أهمية في ظل تقدم اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي، وما قد يترتب على الانتخابات من تغييرات في التوازنات السياسية الأوروبية.

ولا تقتصر الاستحقاقات على رئاسة البنك؛ إذ تنتهي ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في مايو (أيار) 2027، فيما يُنتظر أن تغادر إيزابيل شنابل المجلس التنفيذي في يناير (كانون الثاني) المقبل لتولي منصب في صندوق النقد الدولي.

وتفتح هذه التغييرات المجال أمام مفاوضات أوسع بشأن توزيع المناصب القيادية، مع مراعاة التوازن بين الدول الأعضاء واختلاف توجهاتها حيال السياسة النقدية. وقد تسعى الحكومات إلى تنسيق التعيينات ضمن تسوية واحدة بدلاً من التعامل مع كل منصب على حدة.

ويبرز كلااس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هرنانديز دي كوس، المحافظ السابق لبنك إسبانيا والمدير العام الحالي لبنك التسويات الدولية، ضمن الأسماء المطروحة لخلافة لاغارد. لكن السباق لا يزال مفتوحاً، ومن المتوقع أن يتأثر بالمساومات المتعلقة بالمناصب الأخرى داخل البنك.

لاغارد خلال مؤتمر صحافي بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في دار ضيافة البنك المركزي الألماني

استقلالية البنك في قلب الحسابات

ويكتسب اختيار الرئيس المقبل أهمية تتجاوز تغيير الشخص الذي يتولى المنصب؛ فرئيس البنك المركزي الأوروبي يقود المؤسسة المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة في منطقة اليورو، ويؤدي دوراً محورياً في إدارة الأزمات المالية وحماية استقرار الأسعار.

تأتي عملية الخلافة في وقت تزداد فيه الضغوط على الاقتصاد الأوروبي بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبط بالحرب مع إيران، وتنامي مخاوف التضخم، وارتفاع عوائد السندات الحكومية، ولا سيما في فرنسا، حيث أثارت أوضاع المالية العامة قلق المستثمرين.

وكان البنك قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الخميس، في قرار لم يبدّل الموقف النقدي فوراً، لكنه لم ينهِ حالة الترقب بشأن الخطوات المقبلة. وستظل قرارات الفائدة مرتبطة بتطورات التضخم والطاقة والنمو، أياً كان الشخص الذي سيتولى الرئاسة بعد لاغارد.

وتعني هذه المعطيات أن الرئيس الجديد سيواجه اختباراً مبكراً في الحفاظ على استقلالية السياسة النقدية أمام الضغوط السياسية، مع الموازنة بين احتواء التضخم وتجنب تشديد مفرط يزيد الأعباء على الاقتصادات المثقلة بالديون.

إرث لاغارد ومرحلة ما بعد الرحيل

وتولت لاغارد رئاسة البنك المركزي الأوروبي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، بعد قيادتها صندوق النقد الدولي، وقادت المؤسسة خلال أزمات متلاحقة شملت جائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، والتوترات التجارية والجيوسياسية.

وخلال الجائحة، أطلق البنك برنامجاً طارئاً لشراء السندات بقيمة 1.35 تريليون يورو لدعم الاقتصاد ومنع تشدد الأوضاع المالية. ومنذ ذلك الحين، واجه البنك تحديات متباينة بين دعم النشاط الاقتصادي وكبح التضخم، في ظل اختلاف الأوضاع المالية والاقتصادية بين دول منطقة اليورو.

ولا يُتوقع أن يؤدي تغيير الرئيس وحده إلى تحول فوري في نهج البنك، إذ تُتخذ قرارات السياسة النقدية بصورة جماعية، ويظل مسار الفائدة محكوماً بالبيانات الاقتصادية. لكن التعيين المقبل سيحدد ملامح القيادة في مرحلة قد تتطلب قرارات صعبة بشأن التضخم، والاستقرار المالي، وقدرة البنك على احتواء تداعيات الأزمات من دون المساس باستقلاليته.

وبذلك، لا تمثل استقالة لاغارد مجرد مغادرة مبكرة لمسؤولة أوروبية بارزة، بل بداية معركة على قيادة المؤسسة النقدية، تتداخل فيها حسابات الانتخابات الفرنسية مع توازنات القوى داخل الاتحاد الأوروبي، فيما تترقب الأسواق ما إذا كانت عملية الخلافة ستعزز الثقة في البنك أم تفتح باباً جديداً للجدل بشأن استقلالية قراراته.