مخدرات إيران تدمر شبابها.. وحرسها الثوري يوظفها سلاحًا ضد دول الجوار

العراق تحول من بلد ترانزيت إلى مستخدم لها.. وحزب الله حول بفتاوى من طهران لبنان مركزًا لترويجها

صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران
صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران
TT

مخدرات إيران تدمر شبابها.. وحرسها الثوري يوظفها سلاحًا ضد دول الجوار

صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران
صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران

قبل أيام أعلن رئيس مركز مكافحة المخدرات في الشرطة الإيرانية، الجنرال علي مؤيدي، عن اعتقال 260 ألف شخص في قضايا تتعلق بالمخدرات، 180 ألفا منهم متاجرا و80 ألف مدمنا، وضبط 420 طنا من أنواع المخدرات وتفكيك ما لا يقل عن ألفي عصابة تهريب مخدرات في غضون تسعة أشهر الماضية.
رغم ذلك تبقى إيران أكبر معبر (ترانزيت) للمخدرات في العالم فضلا عن کونها من أكثر البلدان استهلاكا لها. وبحسب مصادر مطلعة فإن موقوفين بتهمة الاتجار بالمخدرات في سجن «كارون» الواقع في الأحواز، ذكروا أنهم كانوا «ضحية» أجهزة مخابرات إيرانية في عملية تهريب المخدرات من أفغانستان إلى العراق. وتشير المعلومات أن العصابات المرتبطة بشخصيات وجهات متنفذة هي التي تملك قوة التحرك والنشاط في تهريب السلع والمخدرات من دون ملاحقة أمنية التي غالبا ما تشمل صغار المتاجرين.
بل إن هناك أدلة على أن الحرس الثوري وفيلق القدس التابع له الذي يتزعمه قاسم سليماني يتولى الإشراف على عمليات تهريب المخدرات إلى العراق، بما فيه إقليم كردستان، ومن العراق إلى دول الخليج، فيما تؤكد مصادر لبنانية أن حزب الله استحصل فتاوى شرعية من إيران لترويج المخدرات. «الشرق الأوسط» تلتقط في هذا التحقيق كيف يستخدم النظام الإيراني المخدرات التي تفتك بالمجتمع الإيراني سلاحا لزعزعة خصومه.
تؤكد المعلومات المتوفرة أن تهريب المخدرات «المنظم» إلى داخل العراق بدأ مع التدخل الإيراني عبر الميليشيات وعصابات المخدرات والجريمة المنظمة برعاية جهاز المخابرات الدولي الإيراني ومخابرات الحرس الثوري وفيلق القدس.
وكشف المساعد الدولي في مركز مكافحة المخدرات، أسد الله هادي نجاد، أن أكثر من 35 في المائة من المخدرات المنتجة في أفغانستان، تمر من إيران باتجاه الدول الأخرى. وبحسب المسؤول الإيراني الرفيع تعد إيران الطريق المثالي لعصابات الاتجار بالمخدرات كما تشهد إيران استثمارا واسعا من قبل العصابات المهربة للمخدرات في إنتاج المخدرات الصناعية وتهريبها وتوزيعها في المناطق الأخرى. ويقدر إنتاج المخدرات في أفغانستان بستة آلاف و400 طن سنويا بحسب تقارير الأمم المتحدة.
وکشف رئيس مرکز مکافحة المخدرات التابع للشرطة الإيرانية عن شبكة تهريب مخدرات دولية وتشير المعلومات التي وردت على لسان الجنرال علي مؤيدي إلى أن العصابة الدولية نشطت في محافظات بلوشستان وقم وسمنان وطهران بأساليب «معقدة» قبل تفكيكها على يد شرطة مكافحة المخدرات واعتقال عشرة من أعضاء العصابة وضبط ثلاثة أطنان.
وتقدر السيولة المالية لتجارة المخدرات في إيران بأكثر من عشرة آلاف مليار تومان إيراني بحسب وزير الداخلية الإيراني، رحمان فضلي، الذي أكد أن تلك الأموال تلعب دورا أساسيا في السياسة الداخلية الإيرانية عبر تمويلها الحملات الانتخابية. وقبل ذلك، كان الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد قد لمح إلى تورط الحرس الثوري في السيطرة على السوق السوداء وتهريب السلع والمخدرات عندما وصفهم في إحدى خطبه بـ«إخوتنا المهربين».
وبحسب تحقیق صحافي نشره «رادیو زمانه» الإيراني فی مارس (آذار) 2015 فإن مواقف متعددة من المسؤولين الإيرانيين أظهرت في السنوات الأخيرة دور السلطة الإيرانية ودوائر حكومية في التهريب الدولي للمخدرات. ووفقا للتحقيق فإن الدبلوماسي الإيراني السابق في اليابان، أبو الفضل إسلامي، ذكر أن دور الحرس الثوري في تهريب المخدرات بدأ منذ ثمانينات القرن الماضي عقب تراجع أسعار النفط وأشار التحقيق إلى تصريح وزير العدل الإيراني، مصطفى بور محمدي في يناير (كانون الثاني) 2013 مع صحيفة «تجارت فردا» الذي كشف النقاب عن دور بعض الأجهزة الإيرانية في التهريب الدولي للمخدرات قائلا: «من المؤكد أن المخدرات بأي صورة خيانة بالبشرية ولا منافع فيما تقوم به بعض المؤسسات. ومن يفعل ويفكر بذلك يضر البلد ولا مصلحة لنا فيه».
وأشار التحقيق إلى مسؤولين إيرانيين دعوا إلى تأمين «معبر آمن» لعصابات تهريب المخدرات من الحدود الأفغانية إلى الحدود الغربية في إيران ردا على قطع المساعدات الأجنبية لإيران لمكافحة المخدرات وكان المدعي العام الإيراني السابق، دري نجف آبادي من بين الذين دعوا إلى ذلك في 2004 كما صدرت مواقف مشابهة من أعضاء سابقين في لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه وأحمد بيش بين. وبدوره كان عضو المكتب الإعلامي في حكومة أحمدي نجاد قد أثار جدلا واسعا عندما اقترح أن تقوم إيران بفتح طريق لعبور المخدرات ضد الدول الغربية التي طالبت بتحسين أوضاع حقوق الإنسان ووقف الإعدامات في إيران.
يشار إلى أن الحرس الثوري يتكفل منذ سنوات بتأمين الحدود الشرقية مع باكستان وأفغانستان وهو ما يثير الشكوك حول علاقته بعصابات تهريب المخدرات ومسارات مرورها إلى الدول الأخرى وبحسب التحقيق المشار إليه، فإن صحيفة «التايمز» في 2011 أفادت نقلا عن العضو السابق في مخابرات الحرس الثوري، سجاد حق بناه، أن الحرس الثوري متورط بتهريب المخدرات وتوزيعها في منطقة الشرق الأوسط فيما وضعت وزارة الخزانة الأميركية في مارس 2012، القيادي في فيلق قدس الإيراني، غلام رضا باغباني على لائحة العقوبات الإيرانية.
وكان الكونغرس الأميركي قد كشف في تقرير له صدر في 2012، عن علاقة إيران وحزب الله بعصابات تهريب المخدرات في المكسيك وفقا لاعترافات أدلى بها منصور عرب سيار الذي خطط لاغتيال وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير عندما كان سفيرا لبلاده في واشنطن.
راجت في العراق لرخص ثمنها وتراخي الرقابة
يؤكد محافظ ديالى السابق عمر الحميري إن أكثر من 90 في المائة من المخدرات والحشيشة التي تدخل إلى العراق مصدرها إيران عبر الحدود الشاسعة الممتدة مع العراق وخصوصا مع محافظة ديالى وأن تدفق تلك المواد السامة يمثل مؤامرة يراد منها خلق آفة تهدد المنظومة الاجتماعية وتزيد من أعباء المشهد الأمني في العراق والمحافظة.
وقال الحميري لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الموضوع الخطير كان قد أثار اهتمام إدارة محافظة ديالى سابقًا والأجهزة الأمنية فيها، وتم إلقاء القبض على عدد من العصابات التي تقوم بإدخال كميات هائلة من المواد المخدرة كالحبوب والحشيشة وغيرها ونقلها إلى جميع المحافظات العراقية، والغريب في الأمر أن تلك العصابات المنظمة ازداد نشاطها بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة مما تسبب في انتشار ظاهرة الإدمان بين الشباب وأكدت دراسة قامت بها إحدى الفرق الصحية والرقابية أن المخدرات انتشرت بين الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و30 سنة في المحافظة وباقي محافظات العراق».
وأضاف الحميري «يقينًا أن هناك غطاء سياسيا لتلك العصابات التي تقوم بنقل المواد المخدرة والحشيشة بهذه الكميات الهائلة إلى العراق، وأن ما يحدث يمثل مؤامرة يراد منها خلق آفة تهدد المنظومة الاجتماعية وتزيد من أعباء المشهد الأمني باعتبار أن الإدمان وسيلة لخلق المجرمين للإضرار بالصالح العام في اتجاهات مختلفة، بينما في المقابل نشهد سكوتا من قبل الجهاز الأمني المعني (مديرية مكافحة الجرائم) عن هذا الأمر بل تبدو هذه المديرية بعيدة كل البعد عما يجري من بيع وشراء وترويج لتلك المخدرات داخل المحافظة التي يجري بيعها بشكل علني وأمام أنظار الناس».
يذكر أن تجارة المخدرات راجت في العراق بعد أحداث 2003. جراء التراخي الأمني الذي ساد في تلك الفترة. وأشارت تقارير دولية صدرت عن مكتب مكافحة المخدرات في الأمم المتحدة إلى أن العراق تحول إلى محطة ترانزيت لتهريب المخدرات من إيران وأفغانستان نحو دول الخليج العربي، محذرة في الوقت نفسه من احتمال تحوله إلى بلد مستهلك.
من جهته، قال الناشط المدني العراقي عدي الزيدي في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «مما لا شك فيه أن الجميع يعلم أن المخدرات هي آفة أسوأ من الحروب وكان العراق من أنظف الدول ليس على المستوى الإقليمي بل حتى على المستوى العالمي حتى عام 2003 عندما غزت أميركا العراق وقامت بحل جميع الأجهزة الأمنية ومنها جهاز مكافحة المخدرات ليصبح العراق بعد ذلك سوقا رائجة للمخدرات الإيرانية ولدينا في الجنوب والناصرية خصوصا يباع أكثر من 400 كيلو من الحشيشة والمخدرات الأخرى أسبوعيًا بين الحين والآخر تلقي السلطات الأمنية القبض على عصابة تتاجر بالمخدرات لكن لتنشط أخرى». ويضيف «بينما كانت حالات التعاطي في العراق لا تتعدى مائتي حالة قبل الاحتلال وكان المدمنون يتلقون العلاج في معاهد خاصة للعلاج، هناك الآن عشرات الآلاف ممن يتعاطون المخدرات من دون أي مكافحة أو عزل أو علاج». ويوضح أن المخدرات «تأتي الآن على شكل معسل الذي يستعمل للنرجيلة ويكون سعره أقل بكثير من سعره في الدول الأخرى والهدف هو نشر هذا الطاعون بين الشباب وتدمير المجتمع العراقي خصوصا عناصره الشابة».
وأضاف الزيدي «أن القانون العراقي كان يعاقب كل من يساهم بنقل المخدرات أو يستخدمها بالإعدام، لكن بعد التغيير عام 2003، أصبحت المخدرات مصدرا مهما لتمويل الجماعات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة وتبييض الأموال».
ويقول رواد أحد المقاهي الشعبية في منطقة العشار وسط مدينة البصرة في جنوب العراق إن سعر سيجارة الحشيشة الإيرانية رخيص جدًا قياسًا بباقي البلدان حيث لا يتعدى سعرها الدولار ونصف دولار، مشيرا إلى أن إقبال الشباب عليها أخذ يزداد بشكل خطير، حيث يمكن لآلاف العاطلين عن العمل من الشباب وصغار السن تناولها بسبب رخص ثمنها ويتهافت هؤلاء الشباب على تدخين الحشيشة هربا من ظروفهم الاجتماعية السيئة كفقدان المعيل أو البطالة.
بدوره أكد صاحب مقهى آخر أن «انخفاض أسعار الحشيشة جلب لنا زبائن أكثر رغم أننا لا نقدمها لهم في مقهانا، لكننا نرى غالبية الشباب يضعون على الشيشة التي يطلبونها من المقهى الحشيشة، وهناك حشيشة النرجيلة، والأفيون الإيراني والأفغاني».
طهران تستخدمها لتخريب أوضاع إقليم كردستان
وفي كردستان تعددت أشكال الخطر الإيراني على الإقليم الذي يمتلك حدودا طويلة مع إيران. فبالإضافة إلى التدخلات السياسية والأمنية لنظام طهران وأجهزته في الإقليم ومحاولاته لقطع المياه على مناطق الإقليم المختلفة، يعمل النظام الإيراني من خلال خطة موسعة يشرف عليها قادة الحرس الثوري وفيلق القدس والاطلاعات الإيرانية (المخابرات والاستخبارات) منذ سنوات على ضخ كميات كبيرة من المواد المخدرة إلى الإقليم ونشرها بين الشباب بطرق مختلفة.
وكشف خالد وَنَوشة، القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني - إيران، لـ«الشرق الأوسط»: «يكثف النظام الإيراني محاولاته من أجل ضخ هذه السموم بشكل سري إلى داخل إقليم كردستان، وتشترك كافة مؤسسات النظام الإيراني في إنجاز هذا المخطط للنيل من الإقليم وشعب كردستان، ويشرف على تنفيذه بشكل رسمي قيادة الاطلاعات الإيرانية والحرس الثوري الإيراني عن طريق شبكات التجسس التابعة للاطلاعات، ونما انتشار هذه الآفة بشكل ملحوظ بين الشباب لأن النظام الإيراني يعمل بشكل متواصل من أجل نشر أكبر كمية من هذه المواد بين الشباب الكرد، وضرب المجتمع الكردي وتحطيم الإنسان الكردي وتدمير إقليم كردستان وهذا ما تسعى إليه طهران».
وكشف وَنَوشة أن «قنصليتي إيران في أربيل والسليمانية بإقليم كردستان منشغلتان بتخريب الأوضاع في الإقليم، من خلال التجسس بالإضافة إلى أن قسما من المواد المخدرة تدخل الإقليم عن طريق موظفي هاتين القنصليتين، فهما أصبحتا مركزين لاستخدام هذا السلاح ضد إقليم كردستان، كذلك تعملان باستمرار عن طريق التواصل مع الأشخاص التابعين لإيران على الإشراف على هذه العملية».
من جهته، يوضح حسين يزدان بنا، قائد الجناح العسكري لحزب الحرية الكردستاني الإيراني، لـ«الشرق الأوسط»: «لا يشرف أشخاص عاديون على تجارة المواد المخدرة في إيران، لأن الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية التابعة لنظام طهران هي التي تمارس هذه التجارة وتشرف عليها، سواء داخل إيران أو عملية تصديرها إلى الدول المجاورة، وتجارتها وتصديرها محصوران بيد الحرس الثوري والاطلاعات وفيلق القدس الذي يقوده قاسم سليماني، ويشرف كل معسكر من معسكرات هذه القوات على دولة معينة في المنطقة، مثلا معسكر رمضان يختص بشؤون العراق، ومعسكر حمزة خاص بتركيا وأذربيجان، أما دول الخليج العربي فخصص النظام لها مجموعة من المعسكرات، وكل معسكر من هذه المعسكرات مسؤول عن إدارة ومراقبة وتصدير هذه المواد المخدرة إلى هذه الدول، والهدف من تصدير هذه المواد ليس تجاريا بل هي وسيلة سياسية يستخدمها النظام في طهران لإنشاء أزمات في المجتمع الكردي، والمجتمعات الأخرى المستهدفة والمجاورة لإيران»، مشيرا إلى أن هذه العمليات «تنفذها إيران بشكل سري جدا بحيث لا يمكن معرفة الإحصائيات الخاصة بالكميات المصدرة من هذه المواد، وتجري هذه العمليات على طول الشريط الحدودي في غرب وجنوب إيران مع العراق، والمؤسسات الأمنية في الإقليم تلقي أسبوعيا القبض على الكثير من الأشخاص الذين ينقلون هذه المواد إلى الإقليم».
في لبنان.. حزب الله دخل على الخط بقوة بعد عام 2000
بعد إنهاء حزب الله اللبناني عملياته العسكرية في منطقة القصير السورية وبعض مناطق القلمون القريبة من هذه المنطقة عام 2013، أعلن عن اكتشاف الكثير من الأماكن التي كانت «الجماعات المتطرفة» تستخدمها لإنتاج «حبوب الكبتاغون» وتصنيعها، ومن ثم تصديرها إلى السوقين اللبنانية والسورية لتمويل نفقاتها العسكرية والأمنية أو استخدامها بين أفرادها الذين تدفع بهم إلى المعارك، خاصة العمليات الانتحارية، حسب توصيف وسائل الإعلام التابعة لهذا الحزب.
لكن مصادر لبنانية واسعة الاطلاع تشكك بهذه الرواية لأنه كان يفترض بها – إذا صحت – أن تؤدي إلى تراجع حجم وكمية المواد المشابهة المنتشرة في الأسواق اللبنانية أولا، وأن تتراجع عمليات التهريب عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية اللبنانية باتجاه دول العالم خاصة دول الخليج ثانيا. إلا أن عمليات التهريب بعد هذا التاريخ، وبجهد بسيط وفي تتبع فقط لما أعلنته الأجهزة الأمنية اللبنانية وسلطات الأمن العام في المنافذ الرسمية، لم تتراجع، بل ارتفع منسوبها وكذلك حجم وكمية المواد التي حاول تجار المخدرات تهريبها من لبنان إلى مختلف الاتجاهات.
والحقيقة التي تتكشف من جراء متابعة العمليات التي قامت بها الأجهزة الأمنية، تظهر وجود مصانع كبيرة وضخمة تعمل في مناطق مختلفة على الأراضي اللبنانية وتتمتع بحماية أمنية من أطراف نافذة في لبنان، تقوم على تصنيع كميات كبيرة من حبوب الكبتاغون وتسهل عملية تهريبها عبر المنافذ الرسمية برعاية من قوى الأمر الواقع التي تملك نفوذا في هذه المنافذ وتتحكم بها.
وقبل عام 2000 لم يدخل حزب الله في دائرة المستفيدين من عمليات زراعة وتصنيع المخدرات، على الرغم من انتشاره الكبير وتأييده الواسع بين الجماعات والعشائر التي تقوم على زراعة الممنوعات، خاصة في منطقة البقاع وبعلبك الهرمل. لكنه في المقابل لم يقم بأي خطوة للحد من هذه الظاهرة أو المساهمة في محاربتها ومحاربة زراعتها، على الرغم من أنها تتعارض مع التعاليم والأحكام الشرعية والدينية والفقهية التي كان يدعو ويحض الناس على تطبيقها، مفضلا عدم الدخول في مواجهة مع الجماعات التي تقوم بزراعتها حتى لا يخسر تأييد العشائر التي ينتمون لها.
لكنه وبعد عام 2000. أي بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، ظهرت لديه الحاجة للحصول على معلومات استخباراتية من الجانب الإسرائيلي، فلجأ إلى الاستحصال على فتاوى شرعية من مرجعيته الدينية في إيران، بجواز استخدام المخدرات وتوريدها إلى شبكات تهريب إسرائيلية مؤلفة من ضباط وجنود إسرائيليين مقابل الحصول على معلومات عسكرية وأمنية يستخدمها في إطار التخطيط للعمليات التي يقوم بها ضد الإسرائيليين.
وهذا الأسلوب سبق أن اعتمده حزب الله في التعامل مع قوات جيش أنطوان لحد التابع لإسرائيل قبل عام 2000، حيث كان ينسق بعض العلميات للاستيلاء على المواقع العسكرية من دون قتال ليستخدمها في الترويج الإعلامي والعسكري لقدراته في مواجهة الأعداء والخصوم.
هذه المخدرات كان مصدرها إيران، خاصة عبر أجهزة الحرس الثوري، التي كانت تصادرها قوات الأمن الإيرانية من شبكات التهريب التي كانت تخرج من أفغانستان عبر الأراضي الإيرانية باتجاه أوروبا.
وخلال الحرب الإسرائيلية عام 2006. جرى حديث جدي عن أن الأموال التي رصدتها إيران لمساعدة حزب الله في إعادة الإعمار والتي وصلت إلى حدود 4 مليارات دولار، أنها أموال جاءت من كولومبيا، أي أن إيران استغلت علاقتها بكارتيلات المخدرات في أميركا اللاتينية وقامت بتبييض أموالهم ونقلها إلى لبنان «المال النظيف» لمساعدة حزب الله، ما يقلل عليها الفاتورة المالية.
وتقول مصادر في شعبة مكافحة المخدرات وتبييض الأموال والإرهاب في الجمارك اللبنانية بأنه في عام 2007 ضبطت هذه الشعبة كميات من «بودرة» جاهزة للتحويل إلى حبوب الكبتاغون على معبر العبودية على الحدود الشمالية بين لبنان وسوريا، وصادرت 103 كيلوغرامات منها. وكانت هذه الحادثة أول المؤشرات على بداية ظهور هذا النوع الجديد في لبنان حسب هذه المصادر.
وتضيف، أن السنوات العشر الأخيرة، نشطت صناعة الكبتاغون داخل سوريا في ظل حكم بشار الأسد، وعمدت عصابات التهريب إلى استخدام الأراضي اللبنانية كمحطة «ترانزيت» باتجاه دول الخليج والأسواق الأوروبية، في حين كان لبنان مشهورا بالاتجار بمادة الكوكايين التي كانت تنتج من زراعة الأفيون أو نبتة الخشخاش في سهول البقاع والهرمل.
وتقول شعبة مكافحة المخدرات بأن عمليات التهريب من سوريا بعد الأزمة في هذا البلد نشطت بشكل كبير، خاصة في ظل عدم قدرة الأجهزة الأمنية اللبنانية على ضبط الحدود بسبب عدم قدرتها على القيام بواجباتها بسبب انتشار قوى الأمر الواقع في إشارة إلى سيطرة حزب الله على المنطقة وتحويلها إلى منطقة عسكرية لعناصر ميليشياته.
الوضع الأمني والعسكري المستجد في سوريا، حول لبنان من بلد «معبر» إلى بلد «مصنع» وأصبحت معامل التصنيع تنتج حبوب الكبتاغون داخل الأراضي اللبنانية داخل مناطق أمنية لا يمكن للدولة أن تدخلها أو تراقبها. لكنها اكتفت بعمليات ضبط الكثير من عمليات التهريب ومصادرة المواد الأولية المستخدمة في التصنيع في المنافذ الرسمية.
وتصنيع الكبتاغون لا يحتاج إلى معدات ضخمة، فالآلة المستخدمة في تصنيعه هي عبارة عن ماكينة تصنيع «شوكولا» بعد إدخال تعديلات عليها لإنتاج حبوب صغيرة. وعند تشغيل ماكينة تصنيع الحبوب فإنها تكون قادرة على إنتاج نحو 700 حبة في الدقيقة، أو ما يقارب مائة ألف حبة في اليوم.
ويكاد يكون من شبه المؤكد أن حزب الله أو المحسوبين عليه أو المقربين منه بعد عام 2006 تولوا مهمة تصنيع حبوب الكبتاغون، إذ تفيد تقارير صحافية مدعومة بمصادر معلومات أمنية أن هذا الحزب عمد إلى استيراد الآلات الخاصة في صناعة هذه الحبوب من إيران في إطار المساعدات العينية التي قدمتها إيران ومؤسسة حرس الثورة للحزب ولبنان تحت غطاء دعم الشعب اللبناني بعد حرب يوليو (تموز) 2006.
ويعتبر هاشم الموسوي، شقيق النائب عن حزب الله في البقاع حسين الموسوي (أبو هشام) أحد أبرز وأخطر مصنعي حبوب الكبتاغون وأكبر المهربين. إذ عمد إلى إنشاء مصنعين لإنتاج هذه الحبوب واحد في منطقة بعلبك داخل مبنى أسسه ليكون حوزة علمية دينية وآخر في منطقة «التيرو» في صحراء الشويفات جنوب العاصمة بيروت تحت عنوان «مصنع نايلون» وكل مصنع وصلت قدرته الإنتاجية إلى مائة ألف حبة يوميا.
وكان حزب الله يرسل ما ينتجه من هذه الحبوب عبر شبكات تهريب سورية – لبنانية، إلى الساحل السوري وتركيا التي تعتبر طريق أول نحو أوروبا، كما أنه يقوم بنقلها إلى دمشق ودرعا لتصل السعودية عبر الطريق البري من الأردن، بالإضافة إلى طرقات التهريب عبر البادية السورية إلى العراق، والتي كانت سهلة بفضل شبكات المخابرات السورية والعراقية المتعاونة مع الحزب.
وتفيد تقارير تابعت هذه الصناعة أن تصنيع هذه الحبوب انتقل على عدة مراحل إلى الداخل السوري، وتركز في عدة مناطق منها حمص وجرود القلمون القريبتان من مصدر المواد الأولية في البقاع اللبناني، حيث كان يشرف عليه عدد من الصيادلة السوريين، ومنهم صيدلانية من مدينة حمص ألقي القبض عليها قبل عدة سنوات، كما تم إلقاء القبض على رئيس شبكة التهريب والتصنيع هذه، المدعو أبو عباس، وهو من بلدة سورية على الحدود اللبنانية السورية.
وأبو عباس هذا هو المسؤول عن فتح معامل تصنيع الكبتاغون في سوريا منذ بداية 2006، كما أنه المسؤول عن تهريب الحبوب إلى السعودية، الأمر الذي دفع السعودية لمطالبة السلطات السورية أواخر 2010 بالقبض عليه وتسليمه لها، وبالفعل تم القبض على أبو عباس حينها، غير أن نظام الأسد أفرج عنه مع بداية الثورة السورية، ليتضاعف نشاطه عما كان عليه.
وكان عام 2013 محطة مفصلية في علاقة حزب الله بمصانع الكبتاغون في منطقة البقاع شرق لبنان، عندما قامت دورية من القوى الأمنية بمداهمة حوزة الإمام الحسين للعلوم الدينية التي أسسها هاشم الموسوي، وعهد بإدارة الحوزة إلى الشيخ عباس ناصر. عندها لم يسمح لعناصر القوة الأمنية من دخول الحوزة إلا بعد أن قام الشيخ عباس بنقل صناديق قال للطلاب الذين قاموا بحملها بأنها تحتوي على مجموعة من الكتب إلى منزل يقع خلف الحوزة. فلم تجد القوة المداهمة ما كانت تبحث عنه.
لم يطل الأمر حتى أقفلت الحوزة بالشمع الأحمر، بعد أن تم مداهمتها بغتة ومن دون سابق إنذار وعثر في داخلها على كميات من حبوب الكبتاغون، ما أكد أن هذه الحوزة كانت تستخدم من قبل هاشم الموسوي كغطاء ديني لتصنيع وترويج حبوب الكبتاغون. ويتم تصديرها إلى الخارج خاصة إلى العراق وأفريقيا وأميركا اللاتينية والدول الخليجية خاصة المملكة العربية السعودية، والتي كانت تعتبر حسب هذه الشبكة أكثر الأسواق استهدافا.
بعد التحقيقات الأولية مع الموقوفين، أحيلت القضية على القضاء اللبناني، فبدأ حزب الله تحركا سريعا لإبقاء القضية بعيدا عن الرأي العام والإعلام، وبذل جهودا حثيثة من أجل تمييعها ودفنها في مهدها. فعين الحزب محاميا للموقوفين منع إجراء أي تحقيق قضائي معهم عبر استمراره بتقديم الدفوع الشكلية بحجة مراجعة الملف على مدى أكثر من سنة. في إطار مخطط واضح يهدف إلى إماتة القضية في الإعلام من أجل الضغط على القضاء لاحقا لإطلاق سراح المتهمين. بعد سنة ونصف على اكتشاف القضية وإلقاء القبض على بعض المتورطين أصبح المتهمون خارج السجن حيث أطلق سراحهم بكفالة مالية قدرها مليونا ليرة لبنانية. وهذا ما أثار استغرابا واسعا في المجتمع اللبناني، ثم جرى تهريب هاشم إلى العراق وفق ما أفادت عدة مصادر لبنانية.



خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.