تونس تعلن حظر التجول الليلي.. وجلسة حكومية طارئة لتدارس الأزمة

رئيس الوزراء يؤكد السيطرة على الوضع.. والمرزوقي يدعو إلى انتخابات مبكرة

شبان عاطلون عن العمل خلال مشاركتهم في تظاهرة للمطالبة بالتشغيل والتنمية في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
شبان عاطلون عن العمل خلال مشاركتهم في تظاهرة للمطالبة بالتشغيل والتنمية في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
TT

تونس تعلن حظر التجول الليلي.. وجلسة حكومية طارئة لتدارس الأزمة

شبان عاطلون عن العمل خلال مشاركتهم في تظاهرة للمطالبة بالتشغيل والتنمية في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
شبان عاطلون عن العمل خلال مشاركتهم في تظاهرة للمطالبة بالتشغيل والتنمية في العاصمة أمس (إ.ب.أ)

أعلنت تونس حظر التجول في كامل تراب الجمهورية، يبدأ من الثامنة ليلا إلى الخامسة صباحا، وذلك بداية من الليلة الماضية، في خطوة كانت منتظرة بسبب الانفلات الأمني الخطير الذي امتد من القصرين إلى بقية المدن، ووصل إلى الأحياء الشعبية القريبة من العاصمة، وأيضًا بسبب خوف السلطات من ازدياد تدهور الأوضاع الأمنية بعد انطلاق احتجاجات ليلية خرجت عن طابعها السلمي، وتبعتها عمليات نهب وتخريب للمؤسسات الحكومية والأملاك الخاصة.
وقالت وزارة الداخلية في بلاغ لها، إنه «نظرا لما شهدته البلاد من اعتداءات على الأملاك العامة والخاصة، وما بات يُشكله تواصل هذه الأعمال من مخاطر على أمن الوطن والمواطن، فإنه تقرر بداية من اليوم (أمس) إعلان حظر التجول بكامل تراب الجمهورية»، ودعت المواطنين إلى الالتزام بمقتضيات حظر التجول.
وكانت السلطات التونسية قد لجأت إلى هذا الإجراء بداية في ولاية (محافظة) القصرين، حيث انطلقت شرارة الاحتجاجات الاجتماعية، قبل أن تمتد إلى بقية البلاد بعد توسع رقعة الاحتجاجات.
وسينتهي إعلان حظر التجول، وفق خبراء أمنيين، عندما تنتهي المخاطر التي أدت إلى اتخاذ هذا القرار، وهو غير محدد المدة، على غرار إعلان حالة الطوارئ. ومن شأنه حسب نفس المصادر، تخفيض الضغوط المسلطة على قوات الأمن والجيش في مواجهة المحتجين، وهو ما سيساعدها في السيطرة على مظاهر الانفلات الأمني الذي عاشته عدة أحياء شعبية خلال الليلة قبل الماضية.
وتجددت أمس الاشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن في عدد من الولايات، ومن بينها سيدي بوزيد، وقفصة وبنزرت، وسليانة والقصرين، التي تجمع بها نحو 1500 عاطل عن العمل أمام مقر الولاية، مطالبين بمقابلة الوالي (المحافظ) لبسط مطالبهم من جديد. أما في مدينة قفصة فقد تواصل إقفال خدمات سكك الحديد لنقل المسافرين، ومادة الفوسفات الحيوية للاقتصاد.
وفي حي «البوكري»، الذي يعد أحد الأحياء الشعبية الفقيرة القريبة من العاصمة، أغلق صباح أمس عدد من المحتجين الطريق الرئيس الرابط بين المنيهلة والمركب التجاري، وحي التضامن وطالبوا بتمتيع العائلات المعوزة بمساكن اجتماعية، فيما ساد هدوء حذر معظم المدن التونسية الأخرى، التي عرفت احتجاجات قوية أول من أمس، وامتدت شرارتها لأول مرة إلى حي التضامن بالعاصمة خلال مواجهات ليلية مع قوات الأمن.
وأعلن رئيس الوزراء الحبيب الصيد أمس أن الوضع بات «تحت السيطرة»، وقال متحدثا في باريس عقب مأدبة غداء مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في قصر الإليزيه، إن «الهدوء يعود» إلى المدن، والوضع «تحت السيطرة حاليا». كما تحدث عن الاضطرابات التي انطلقت من القصرين بوسط البلاد، وامتدت إلى الكثير من المدن الأخرى، مؤكدا أنها «مشكلة اقتصادية، مشكلة طلبات وظائف»، ووعد في هذا الصدد باتخاذ «تدابير جديدة في إطار برنامج إنمائي». لكنه أكد في المقابل أنه «ليس لدينا عصا سحرية لإعطاء وظائف للجميع في نفس الوقت».
وعلى أثر هذه الاحتجاجات والمسيرات، أصبحت أنظار المتابعين تتجه إلى الاجتماع الوزاري الذي سيعقده رئيس الحكومة اليوم (السبت)، حيث ينتظر الكثير من المواطنين من الحكومة التركيز على قضية التشغيل ومحاولة تصحيح المسار الاجتماعي والاقتصادي، بعد النجاح النسبي الذي عرفه المسار السياسي.
وفي محاولة لخفض درجة التوتر الاجتماعي والأمني، دعا الصيد إلى ضبط النفس، وقال إن رجال الأمن تعاملوا مع الاحتجاجات برصانة، معتبرا أن الاحتجاجات الأخيرة خرجت عن طابعها السلمي، وأن الدولة مطالبة بأن تقوم بصلاحياتها وتنفذ الدستور الجديد، كما نفى نيته الاستقالة من منصبه تحت ضغط الاحتجاجات.
وفي غضون ذلك، دعا الرئيس السابق المنصف المرزوقي أمس إلى إجراء انتخابات مبكرة في البلاد، على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية التي ضربت عدة مدن منذ نحو أسبوع، معتبرا أن الحكومة الحالية فشلت ولا مستقبل لها. وصرح المرزوقي، الذي خسر انتخابات 2014 أمام الباجي قايد السبسي، والذي أطلق حزب (تونس الإرادة الجديد) بأن «الحكومة هي من أضعف الحكومات وليس لها مستقبل.. ورئيس الحكومة يتلقى الأوامر من رئيس الجمهورية»، مضيفا أن «التحالف الحالي في البرلمان فشل في حل المشكلات الاجتماعية.. ويجب تغيير المشهد السياسي الحالي عبر انتخابات تشريعية مبكرة».
ووفق المحلل السياسي جمال العرفاوي، فإن حكومة الصيد تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية كثيرة، ومهمتها تزداد تعقيدا بتنامي المخاطر الإرهابية وتحصن العشرات من المتطرفين على مقربة من مدينة القصرين (وسط غربي تونس)، وهي تنظيمات تسعى، على حد قوله، إلى استغلال الاحتجاجات للدعاية لفشل المسار السياسي في تونس، واستقطاب المزيد من الشباب الغاضب إلى صفوفها. واعتبر العرفاوي حزمة الإجراءات التي أعلنتها الحومة لفائدة القصرين مجرد مسكنات لن تنتهي إلى نتيجة، وقال إن الحل الأمثل هو البحث عن أسباب الأزمة، وإقرار حلول اجتماعية واقتصادية عاجلة. وبعد نحو ستة أيام من الاحتجاجات، أعدت وزارة الداخلية تقارير حول ما خلفته المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن، حيث أشارت في حصيلة أولية إلى إصابة 59 رجل أمن، وحرق سبع سيارات أمنية، ورشق مجموعة من المقار الأمنية بقنابل المولوتوف.
وفي السياق ذاته، قال العميد خليفة الشيباني، المكلف الإعلام والاتصال بالإدارة العامة للحرس الوطني، إن قوات الأمن اعتقلت 16 شخصا على خلفية أحداث عنف وتخريب وسرقة شهدها حي التضامن بولاية أريانة القريبة من العاصمة، مسجلا اقتحام عدد من المراكز الأمنية والمستودعات التابعة للبلدية والجمارك، وسرقة وتخريب محتويات عدد من الفضاءات التجارية والفروع البنكية بالمنطقة. وفي تفسيرها لما عرفته تونس من احتجاجات سلمية مطالبة بالتنمية والتشغيل قبل أن تتحول إلى احتجاجات عنيفة، نبهت بدرة قعلول، رئيسة مركز الدراسات الأمنية والاستراتيجي، إلى إمكانية وجود مخطّط فوضوي هدّام يستهدف الأمن القومي للبلاد، وكيان الدولة التونسية، على حد تعبيرها، واتهمت أطرافا سياسية لم تسمها بالإعداد الكامل لهذه الأرضية تحت شعار ما يسمى «ثورة الجياع»، أو «ثورة المهمّشين» وتحت راية التأجيج الاجتماعي، واستغلال وتوظيف ثغرات الحكومة، والحديث عن الفساد ونهب الثروات الوطنية. لكنها أشارت في المقابل إلى أن هذه «الاحتجاجات ستتواصل في حال عدم تمكن الحكومة من إيجاد حلول تنموية جذرية، ومباشرة تطبيقها، وإذا ما شعرت الحكومة بأنها عاجزة عن الوفاء بتعهداتها وجب عليها مصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع في البلاد».
من ناحية أخرى، نجحت وحدة عسكرية بالمرتفعات المتاخمة لمدينة القصرين (وسط غربي تونس) في رصد مجموعة إرهابية، كانت بصدد التنقل بجبل سمامة، وداهمتها مما أجبرها على الانسحاب ودخول المرتفعات الجبلية الوعرة.
ووفق بلاغ لوزارة الدفاع التونسية، فقد خلفت وراءها دابتين محملتين بألغام مضادة للعربات وألغام مضادة للأشخاص جاهزة للاستعمال، ولغم حارق جاهز للاستعمال، وألغام حارقة في طور التحضير في أوعية بلاستيكية، بالإضافة إلى حزام ناسف. وأضافت الوزارة في ذات البلاغ بعثورها في نفس المنطقة على آثار دماء، مما يرجح وقوع إصابات في صفوف المجموعة الإرهابية بعد حصول اشتباكات بين التشكيلة العسكرية والعناصر الإرهابية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.