بداية ساخنة لـ«دافوس».. والجدل سيد الموقف في القضايا الكبرى

حماية المناخ وإنقاذ النفط و«ثورة الروبوتات» أبرز عناوين اليوم الأول

كلاوس شواب مؤسس ومدير منتدى دافوس يلقي كلمته في اللقاء الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية أمس (أ ف ب)
كلاوس شواب مؤسس ومدير منتدى دافوس يلقي كلمته في اللقاء الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية أمس (أ ف ب)
TT

بداية ساخنة لـ«دافوس».. والجدل سيد الموقف في القضايا الكبرى

كلاوس شواب مؤسس ومدير منتدى دافوس يلقي كلمته في اللقاء الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية أمس (أ ف ب)
كلاوس شواب مؤسس ومدير منتدى دافوس يلقي كلمته في اللقاء الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية أمس (أ ف ب)

بدأت أمس فعليات المنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع دافوس السويسري التي تستمر لمدة أربعة أيام. وشهد اليوم الأول جلسات علنية «ساخنة» تناولت قضايا «شائكة» بما حولها من آراء متباينة، سواء عن فوائد التقدم التقني، أو الجدل حول آليات إنقاذ أسعار النفط، وكذلك حول دور العالم في احتواء اللاجئين.
ويشارك في القمة رقم 46 للمنتدى، والتي جاءت تحمل عنوان «الثورة الصناعية الرابعة»، وفود رفيعة من 40 دولة، كما تستضيف نحو 2500 شخصية من كبار الساسة والمديرين التنفيذيين والخبراء، إلى جانب 14 فائزا بجائزة نوبل من حول العالم، و1000 شركة عالمية.
وافتتح كلاوس شواب، الرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي، جلسات المنتدى صباح أمس، مؤكدا أن «العالم يقف على حافة ثورة تكنولوجية من شأنها أن تغير الطريقة التي نعيش بها، وطرق التواصل في بيئة العمل حول العالم.. فقد تم طمس الخطوط الفاصلة بين المجالات المادية والرقمية والبيولوجية بين الثورة الثالثة والثورة القادمة، لتزيد التحولات التكنولوجية اليوم من سرعة امتداد الثورة الصناعية الثالثة لتصبح ثورة جديدة، مع قوة لم يسبق لها مثيل في الوصول إلى المعرفة ومجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية والمركبات الذاتية والحوسبة الكمية».
ورغم إشارة شواب إلى المخاوف من التطور التقني في قوله، إن «احتمالات اختراقات التكنولوجيا الناشئة تتضاعف.. فالذكاء الاصطناعي في كل مكان حولنا، وقد توافرت كميات هائلة من البيانات والبرمجيات لاكتشاف أدوات جديدة للخوارزميات (الحلول الرياضية المنطقية التي تستخدم في علوم الحاسب الآلي)». إلا أنه تابع قائلا «مثلها مثل سابقتها من الثورات الصناعية، فستحدث الثورة الصناعية الرابعة قدرة جديدة من رفع مستويات الدخل العالمية وتحسين معدلات جودة الحياة للسكان في جميع أنحاء العالم. فالتكنولوجيا جعلت من المنتجات والخدمات متعة في حياتنا الشخصية. وفي المستقبل سوف يزيد الابتكار التكنولوجي من مكاسب طويلة الآجل في الكفاءة والإنتاجية وانخفاض تكاليف الاتصالات والنقل والخدمات اللوجيستية، وانخفاض تكلفة التجارة العالمية.. وكلها أمور تفتح أسواق جديدة وتدفع عجلة النمو الاقتصادي».
وفيما يبدو أنه محاولة لحسم الجدلية القائمة ما إذا كانت الفوائد أكبر من المضار من الثورة المنتظرة، قال رئيس المنتدى: «في نهاية المطاف، فإن قدرة النظم الحكومية والهيئات العامة للتكيف ستحدد بقاءهم على قيد الحياة، إذا ثبت أنها قادرة على احتضان التغير الجديد وإخضاع هياكلها إلى مستويات من الشفافية والكفاءة التي تمكنهم من الحفاظ على قدرتها التنافسية.. أما إذا كانت لا يمكنها أن تتطور، فسوف تواجه مشكلات متزايدة».
لكن شواب أوضح ميله إلى دعم التغيير رغم بعض التردد، خاصة في قوله: «ستغير الثورة الصناعية الرابعة ليس فقط ما نقوم به، بل أيضًا ما نحن عليه.. وسوف تؤثر على هويتنا وجميع القضايا المرتبطة بذلك، خاصة في شعورنا بالخصوصية وملكية أفكارنا وأنماط استهلاكنا. فأنا متحمس جدا وأتبنى منذ وقت بعيد التكنولوجيا، ولكن في بعض الأحيان أتساءل ما إذا كان التكامل التكنولوجي يقلل من قدراتنا البشرية، مثل التعاطف والتعاون، فعلاقتنا المستمرة مع الهواتف الذكية تحرمنا من واحد من أصول الحياة وهي الوقت».

أسعار النفط
وتوالت النقاشات في المنتدى، فحملت الجلسات نقاشات حول النفط وأسعاره وتأثيرها على الاقتصاد العالمي. وكانت هناك آمال حول أن تكون هناك نهاية سعيدة في 2016، إلا أن فرنسيس لاكوا، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، قال إن العام الحالي هو الثالث على التوالي الذي يحمل تخمة في المعروض، خاصة مع انخفاض الطلب في الصين ورفع العقوبات عن إيران، مما يزيد من احتمالات استمرار الأوضاع على ما هي عليه.
وبدوره، قال خبير النفط التركي فاتح بيرل: «لا أرى سببا لتوقع زيادة مفاجئة في الأسعار خلال 2016»، كما قال توني هيوارد، رئيس مجلس إدارة شركة «جلينكور بي»، إن «أسواق النفط لن تتحسن من صدمة المعروض. إلا إذا تراجعت معدلات الإنتاج الحالية. فببساطة هناك نفط أكثر من الحاجة».

أزمة اللاجئين
وحول قضية أخرى، قالت كريستين لاغارد خلال جلسات المنتدى، إن أزمة المهاجرين في أوروبا ينبغي أن تعزز النمو الاقتصادي على المدى القصير، ومع ذلك حذرت من أن الجهود الرامية إلى إدماج اللاجئين من منطقة الشرق الأوسط على المدى الطويل يمكن أن يكون له تأثير اقتصادي سلبي، ما لم تتم مساعدتهم في العثور على وظائف.. موضحة أن «التكامل في سوق العمل السريعة يمكن أن يفتح الفوائد الاقتصادية المحتملة لتدفق اللاجئين».
وقال يواخيم غاوك رئيس ألمانيا، إن «الهجرة ليست مشكلة جديدة، أنها موجودة منذ عقود حيث يحاول الناس الهروب من الخطر والعثور على حياة أفضل، فهي أقدم عمل لمواجهة الفقر.. ولنلقِ نظرة على الحائزين لجائزة نوبل في الولايات المتحدة الأميركية والفائزين بجوائز الأوسكار، فقد انتفعت الدول من اكتشاف مواهب المهاجرين، فالهجرة والاندماج وجهان لعملة واحدة، ويجب أن يبقيا جنبا إلى جنب، فهي في الأساس جزء من معاهدة جنيف، غير أنها مسؤولية إنسانية لاحتواء الهاربين من أماكن الحرب أو الاضطهاد».
وتابع غاوك دفاعه عن القضية قائلا: «حين يتم الاندماج بالشكل المطلوب، يصبح اللاجئون أو المهاجرون جزءًا أساسيًا في دفع الاقتصاد، ليخلق لدينا جيل جديد متعلم بشكل جيد ليساهم في التطور، كما أن العمالة المهاجرة أحد أساسيات النمو الاقتصادي وزيادة الإنفاق الاستهلاكي، ومنها لدفع عجلة النمو الاقتصادي».

قضية المناخ
وخلال الجلسات المتعددة أمس، هاجم الممثل الأميركي ليوناردو دي كابريو «جشع صناعة الطاقة التي تؤثر على تغير المناخ». بينما قال ستيورات غاليفور، رئيس مجموعة «إتش إس بي سي» إن «معدلات الإقراض لمحطات الطاقة أصبحت أكثر صرامة»، وهو أيضًا متفائل بارتفاع معدلات تمويل الطاقة البديلة انطلاقا من انخفاض أسعار النفط.
كما شدد غاليفور على أن سحب التمويل من الوقود الأحفوري سيكون له عواقب غير مقصودة، معترفا بأن الاجتماع السنوي للمجموعة واجه كثيرا من الاعتراضات حول الاستثمار في تلك الصناعة في محاولة لإنهاء أي استثمار في الوقود الأحفوري. وقالت كريستينا فيغيريس، خبيرة الأمم المتحدة حول المناخ، إن واحدة من أهم نقاط الجلسة تركزت في الابتعاد عن الاستثمار في جميع أنواع «الوقود الكربوني»، والاتجاه بصورة أكبر نحو «بدائل الطاقة النظيفة».

التحول الرقمي الصناعي
وفي مناقشة حول التحول الرقمي للصناعات، وهو أهم المناقشات التي وضعها المنتدى على قائمته لهذا العام، أوضح الحاضرون أن العالم في مراحل مبكرة من هذا التحول الأساسي الجديد، من حيث الاتجاه إلى «الرقمنة» digitalization وتحويل الصناعة القائمة، وحل بعض القضايا الأكثر إلحاحا في العالم.
وخلال المناقشات اعتبرت 71 في المائة من الشركات أن نجاح المشاريع الرقمية بمثابة مقامرة، وعلاوة على ذلك أن أكثر من نصف تلك الشركات اعترف أنه «من الصعب معرفة الخيارات الصحيحة، أو حسمها».
وفي جلسة خاصة عقدت حول توقعات الرؤساء المشتركين في المنتدى، صباح أمس، قالت الناشطة الحقوقية الشابة أميرة اليحياوي، رئيسة جمعية «البوصلة» التونسية: «نحن نخشى تطورات الروبوتات والتكنولوجيا، ونخشى إذا لم تعد هناك ضرورة للإنسان على كوكب الأرض». وأضافت: «يجب أن تركز الثورة الرابعة على قيمة الإنسان، ولماذا ينبغي لنا أن نكون الجنس الأكثر أهمية على الأرض.. وبالتالي يجب أن يكون هناك ثورة القيم».
وعلى الجانب الآخر، يؤكد المدير التنفيذي لشركة «مايكروسوفت»، كساتيا ندالا، أنه «يجب أن يناقش المنتدى التطور التكنولوجي حول العالم»، وتابع أن «الثورة التكنولوجية يجب أن توزع بشكل عادل بين الدول لأجل التطوير».
وبدوره، يرى بروس وينت، رئيس منتدى التحول الرقمي، أن «الإنترنت هو تغير للطريقة التي نعيش بها، وكذلك العمل والإنتاج والاستهلاك.. حيث إن التكنولوجيا الرقمية ستتسبب في تعطل النماذج الموجودة لدينا حاليًا، والتي أصبحت قديمة».
وعلى الجانب الآخر، قال كلاوس كلاينفيلد، رئيس مجلس إدارة شركة «ألوكا»، رئيس مجلس الإدارة السابق لـ«سيمنز»، إن «الثورة الصناعية الرابعة ستسمح لنا أن نفعل الأشياء التي لم نكن قادرين على القيام بها، فنحن قادرون اليوم على فعل أشياء في 20 دقيقة كنا نقوم بها في 20 يوما.. والتحدي بالنسبة للشركات الكبيرة أن تتقبل التغير، وتدرك أن هناك ثورة مستمرة».
وقالت ميغ ويتمان، الاقتصادية الأميركية، إن العامل الحاسم في التحول الرقمي الجيد هو السرعة، فإذا لم تمتلك الشركات التطور بوتيرة تسمح لهم بالفوز، سيجدون أنفسهم بنهاية القائمة بوتيرة أسرع». بينما يوضح مارك بينيوف، رائد أعمال الإنترنت الأميركي، أن «الثورة الصناعية تبدأ من نقطة واحدة مهمة جدا، وهي الثقة.. فهي تعد ثورة أخلاقية وثقافية. وهذه فرصة لجميع المؤسسات أن تتحلى بنسبة كبيرة من الشفافية والإفصاح، وهو مستوى جديد ومختلف لبناء شبكات اجتماعية تتسم بمستويات جديدة من الثورة الثقافية، فقيم هذه الثورة تختلف تماما عن قيم سابقتها».



إعجاب وقلق من القاذفات الأميركية في قاعدة عسكرية بريطانية

قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» (د.ب.أ)
قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» (د.ب.أ)
TT

إعجاب وقلق من القاذفات الأميركية في قاعدة عسكرية بريطانية

قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» (د.ب.أ)
قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» (د.ب.أ)

اتخذ تشارلي كامينغ، كغيره من الفضوليين، مكاناً بجوار سياج القاعدة العسكرية في فيرفورد في الريف الإنجليزي، ووجّه عدسة كاميرته نحو قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» تشارك في الحرب في الشرق الأوسط.

وفيرفورد الواقعة جنوب غربي إنجلترا، هي إحدى القاعدتين اللتين سمحت المملكة المتحدة للولايات المتحدة باستخدامهما لتنفيذ «عمليات دفاعية ضد إيران» في إطار الحرب التي بدأتها مع إسرائيل في 28 فبراير (شباط). والقاعدة الأخرى هي دييغو غارسيا في المحيط الهندي.

وأقبل مئات الأشخاص إلى محيط قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي، منذ وصول القاذفات الاستراتيجية الأميركية إليها في السادس من مارس (آذار)، بعد أيام من بدء الحرب.

ويقول كامينغ (17 عاماً)، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «جئت لألتقط صوراً (لنشرها) على (إنستغرام)». وبينما يعرِب عن قلقه من نشر هذه الطائرات، يضيف: «أجد أن مشاهدتها أمر مثير للإعجاب فعلاً».

إلى جانبه، وقف صديقه جيمس مارتن (18 عاماً)، وهو شاب شغوف بالطيران جاء من أكسفورد غير البعيدة من فيرفورد.

ويقول: «رؤية هذه الطائرات تقلع في اتجاه منطقة حرب هي تجربة غريبة نوعاً ما؛ لأننا حتى الآن لم نر سوى طائرات تنفذ مهمات تدريبية اعتيادية».

خلال عطلة نهاية الأسبوع، اصطفت سيارات آتية من مختلف أنحاء البلاد على امتداد طرق محيطة بفيرفورد. واتخذ عشّاق طيران وسكان وراكبو درّاجات أماكن مطلّة على القاعدة، مستغلين الأجواء المشمسة... وحمل هؤلاء كاميرات ومناظير وسلالم صغيرة قابلة للطي، بينما جلس آخرون إلى كراسي وهم يتناولون السندويشات والشاي.

ومن هؤلاء، قاد ديف سافيدج شاحنته لثلاث ساعات من وسط ويلز، ليتمكن وابنه من بلوغ القاعدة قبل الفجر، ويتحدث بإعجاب عن القاذفات.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أحب قوّتها وحجمها. تنتابني الحماسة لرؤية شيء بهذا الحجم وعلى هذا القدر من الإبهار».

قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» (د.ب.أ)

بدوره، يتحدث أدريان الذي يعمل في مستودع بمدينة دونكاستر في شمال البلاد، عن شغفه بالطائرات الحربية، أثناء مشاهدته إقلاع قاذفة «بي - وان» بُعيد الفجر بقليل.

ويقول هذا الرجل البالغ 58 عاماً: «على الطريق، عدد السيارات يوازي تلك التي تحضر في أيام الاستعراضات الجوية».

ويتابع، بينما يؤشر إلى سماعاته العازلة للضجيج: «تكاد قاذفة (بي - 1) أن تكون من الأكثر إصداراً للضجيج، لم يسبق أن سمعت هديراً بهذه القوة».

خلف الحماسة الظاهرة لمشاهدة الطائرات الحربية، لا يخفي الحاضرون قلقهم جراء دقة الوضع في الشرق الأوسط وغموض الدور الذي تؤديه بريطانيا.

تواصلت «وكالة الصحافة الفرنسية» مع وزارة الدفاع الأميركية، لكنّها لم تُجب عن الأسئلة المتعلّقة باستخدام القاعدة في الحرب الجارية في الشرق الأوسط.

غير أنّ تقديرات صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» في المكان تشير إلى أنّ نحو ست قاذفات «بي - 52» و12 قاذفة «بي - 1» استخدمت القاعدة، بحيث نفّذت كل منها عمليتين أو ثلاث عمليات إقلاع وهبوط يومياً.

كما شهدت القاعدة إقلاع طائرات شحن تابعة لسلاح الجو الأميركي.

ولم تستقطب القاعدة في الآونة الأخيرة عشّاق الطائرات فحسب، بل استقطبت متظاهرين حضروا للتعبير عن معارضتهم للحرب في الشرق الأوسط.

ووجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات لاذعة لرئيس الوزراء كير ستارمر لرفضه في البداية السماح باستخدام القواعد البريطانية في إطار الحرب على إيران، قبل أن يجيز استعمالها في إطار «دفاعي».

تُظهر استطلاعات الرأي أن معظم البريطانيين يعارضون الحرب، ونصفهم يرفض استخدام واشنطن قواعد سلاح الجو الملكي.

ويُوضح جيمس مارتن الذي يعيش على بُعد نحو عشرين كيلومتراً من قاعدة جوية بريطانية، أن نظرة السكان إلى الطائرات الحربية تبدّلت بسبب الحرب.

ويقول: «في كل مرة تحلّق فيها طائرة مقاتلة فوق رؤوسهم، ينتابهم قلق مما قد يعنيه ذلك»، مضيفاً أن «سرعة تطوّر الأوضاع (في الشرق الأوسط) مخيفة».


فرنسا: اليمين المتطرف واليسار المتشدد يتحكمان في الانتخابات المحلية

الاشتراكي إيمانويل غريغوار المرشح لمنصب عمدة باريس يلقي كلمة بعد صدور نتائج الجولة الأولى للانتخابات المحلية الأحد (أ.ف.ب)
الاشتراكي إيمانويل غريغوار المرشح لمنصب عمدة باريس يلقي كلمة بعد صدور نتائج الجولة الأولى للانتخابات المحلية الأحد (أ.ف.ب)
TT

فرنسا: اليمين المتطرف واليسار المتشدد يتحكمان في الانتخابات المحلية

الاشتراكي إيمانويل غريغوار المرشح لمنصب عمدة باريس يلقي كلمة بعد صدور نتائج الجولة الأولى للانتخابات المحلية الأحد (أ.ف.ب)
الاشتراكي إيمانويل غريغوار المرشح لمنصب عمدة باريس يلقي كلمة بعد صدور نتائج الجولة الأولى للانتخابات المحلية الأحد (أ.ف.ب)

شكلت نسبة مشاركة الناخبين الفرنسيين في الجولة الأولى من الانتخابات المحلية (البلدية) المتاحة أمام مواطني الاتحاد الأوروبي المستقرين في فرنسا، مفاجأة للمراقبين ومؤسسات استطلاع الرأي، إذ إنها وصلت إلى 56 في المائة، متقدمة 11 نقطة لما كانت عليه في انتخابات 2020. وما يزيد من أهمية المفاجأة أن الانتخابات حصلت وسط تطورات دولية كالحرب بين إيران والثنائي الأميركي - الإسرائيلي وحرب لبنان وفضائح جيفري إبستين الجنسية وامتداداتها الفرنسية، حيث كان من المفترض بها أن تشيح الأنظار عن الاستحقاق الانتخابي الداخلي.

ملصق انتخابي ممزق لمرشحة يمينية متطرفة في باريس (أ.ف.ب)

وثمة 3 عوامل لعبت دوراً في دفع أكثر من نصف الناخبين البالغ عددهم 48.7 مليون إلى صناديق الاقتراع، وأولها اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي ستجرى بعد 13 شهراً والتي ستحصل من غير مشاركة الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يمنعه الدستور من الترشح لولاية ثالثة؛ والعامل الثاني أن الانتخابات توفر صورة شاملة لميزان القوى السياسي في البلاد، وتحديداً بالنسبة لموقع وقوة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، الذي يأمل في أن تفتح له الانتخابات الرئاسية المقبلة أبواب قصر الإليزيه، إما أمام رئيسه جوردان بارديلا، أو أمام زعيمته التاريخية مارين لوبن في حال لم تصدر بحقها إدانة تحول دون ترشحها للمنصب الرئاسي؛ والعامل الثالث أن الانتخابات المحلية، بحد ذاتها، تهم المواطنين، نظراً لأنها تتناول حياتهم اليومية واهتماماتهم الصحية والتعليمية والعمرانية. لذا، فإن 50 ألف لائحة تنافست و900 ألف مرشح خاضوا غمارها في 35 ألف مدينة وبلدة وقرية.

رئيس بلدية مرسيليا الاشتراكي المنتهية ولايته بونوا بايان يدلي بصوته في الانتخابات المحلية الأحد (رويترز)

وتبين نتائج الجولة الأولى أن «التجمع الوطني» آخذ في تعزيز حضوره على المستوى المحلي، خصوصاً في معاقله بجنوب البلاد وشمالها؛ فقد فازت لوائحه في 24 مدينة وبلدة؛ أبرزها بيربينيان وفريجوس (الساحل المتوسطي)، وفي هينان - بومون (شمال). كما أن لوائحه تحتل موقعاً متقدماً في 60 مدينة (متوسطة) وبلدة. والأهم من ذلك أن مرشحي «التجمع» يحتلون موقعاً جيداً للتنافس على مدن رئيسية؛ مثل مرسيليا (المدينة الكبرى الثانية في البلاد) وطولون ونيس (عبر حلفائه)، وكركاسون، وكلها تقع في جنوب فرنسا.

لكن حضور «التجمع الوطني» ما زال ضعيفاً في باريس وليون وتولوز وبوردو وستراسبورغ ونانت وغيرها من المدن الكبرى، ما يعني أن انتشاره غير متكافئ. وما يريده حزب بارديلا - لوبن الفوز بمدينة مرسيليا، التي تحولت إلى رمز بالنظر لما تمثله على المستوى الوطني بوصفها بوابة لفرنسا على المتوسط ودوله. وحصلت لائحة «التجمع الوطني» بقيادة فرنك أليزيو، على 3.02 من الأصوات فيما سبقه بونوا بايان، رئيس بلدية المدينة الإشتراكي المنتهية ولايته بأقل من نقطتين. بيد أن الأخير رفض اندماج لائحته مع لائحة «فرنسا الأبية» اليسارية المتشددة، التي حصلت على 12 في المائة من الأصوات، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً لمنافسه اليميني المتطرف المرجح تحالفه مع لائحة اليمين المعتدل، الحاصلة على 12.5 في المائة.

لكن المفاجآت ما زالت واردة بانتظار أن تنتهي مهل تسليم اللوائح النهائية عصر الثلاثاء. والحسم سيكون الأحد المقبل؛ موعد الجولة الثانية والنهائية.

زعيم «اتحاد الحق من أجل الجمهورية» اليميني المتطرف إريك سيوتي المرشح لمنصب عمدة مدينة نيس يحيي أنصار بعد إعلان نتائج الدورة الأولى للانتخابات المحلية (أ.ف.ب)

الأنظار على باريس

وتبقى الأنظار مركزة على العاصمة باريس ومصير بلديتها التي يسيطر عليها الاشتراكيون منذ 24 عاماً. ويسعى اليمين، متمثلاً في وزيرة الثقافة السابقة رشيدة داتي، لانتزاعها من اليسار الذي يقود لائحته الاشتراكي إيمانويل غريغوار.

ووضع باريس بالغ التعقيد، حيث تأهلت 5 لوائح للجولة الثانية؛ فلائحة غريغوار جاءت في المقدمة مع حصولها على 38 في المائة، فيما لائحة داتي متأخرة عنها بـ13 نقطة، ما يشكل خيبة للوزيرة السابقة، التي عانت من منافس لها من المعسكر نفسه. ويرفض غريغوار التحالف مع صوفيا شيكيرو، متزعمة لائحة «فرنسا الأبية» التي حصلت على 11.7 في المائة، نظراً للحساسيات القائمة بين الاشتراكيين من جهة، وجان لوك ميلونشون، زعيم الحزب الطامح للترشح لرئاسة الجمهورية للمرة الرابعة من جهة أخرى. وتؤخذ عليه مواقفه المتطرفة ودعمه للفلسطينيين، وأحياناً معاداة السامية، وهو ما ينفيه بقوة.

وبعكس غريغوار، فإن معسكر اليمين ساعٍ لاستعادة باريس بكل الوسائل، بما في ذلك تحالف لائحة داتي مع لائحة بيار إيف بورنيزال، الوسطي (11.3 في المائة) ورهانه على الاستفادة أيضاً من أصوات مرشحة الجناح الآخر لليمين المتطرف (غير التجمع الوطني) برئاسة ساره كنافو. من هنا، فإنه يصعب التنبؤ بما سيحصل في العاصمة الأحد المقبل.

صوفيا شيكيرو التي تتزعم لائحة «فرنسا الأبية» في باريس تلقي كلمة بعد صدور نتائج الجولة الأولى للانتخابات المحلية الأحد (أ.ف.ب)

وثمة خلاصة مزدوجة تفرض نفسها بعد الجولة الأولى، وجهها الأول أن الرهان على ضمور «فرنسا الأبية» بسبب مواقف ميلونشون، واستهدافها؛ ليس فقط من اليمين بجناحيه المتطرف والتقليدي، بل أيضاً من اليسار الاشتراكي، لم يكن صائباً. فالحزب فاز منذ الدورة الأولى في مدينة سان دوني، الملاصقة لباريس (شمال) والتي تعيش فيها نسبة كبيرة من المهاجرين، كما أنه سيهيمن على مدينة روبيه (شمال) وكورنوف (ضاحية باريسية)، فضلاً عن أن له دوراً مؤثراً في نتائج الدورة الثانية في مدن رئيسية كباريس وليل وتولوز.

ما يريده ميلونشون وحزبه، حقيقة، هو أن يتمكن من فرض نفسه مرشحاً لليسار العام المقبل بتهميش أي مرشح آخر. وتبعاً لما تأتي به استطلاعات الرأي، فإن ميلونشون سيكون في مواجهة مرشح اليمين المتطرف، ما يوفر له «فرصة العمر» لأن يصبح يوماً رئيساً للجمهورية.

وزيرة الثقافة السابقة رشيدة داتي المرشحة في باريس تلقي كلمة بعد صدور نتائج الجولة الأولى للانتخابات المحلية الأحد (أ.ف.ب)

غياب الحزب الرئاسي

ثمة ظاهرة أفرزتها نتائج الجولة الأولى؛ وهي غياب ممثلين للحزب الرئاسي ممثلاً «معاً من أجل الجمهورية» الذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق غبريال أتال. ويرى المراقبون أن مرور 9 سنوات على وجود الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه، لم يكن كافياً لتجذر حزبه، ولا للتيار السياسي الذي أطلقه. من هنا، فإن كثيرين يرون أن «الماكرونية السياسية» ستنتهي مع انتهاء ولايته الثانية العام المقبل.

ويسعى ماكرون الذي أصبح ضعيفاً في الداخل منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أفقدته الأكثرية في الجمعية الوطنية، من خلال حراكه الخارجي إن بالنسبة للحرب في أوكرانيا، أو للحرب الأخيرة في الخليج والشرق الأوسط والوضع في أوروبا، لأن يكون طرفاً فاعلاً على المسرح الدولي. لكن الصعوبة بالنسبة إليه أن ثقل فرنسا في الخارج يقاس بما هي عليه في الداخل لجهة الانقسامات السياسية العميقة وزيادة مديونيتها وتراجع اقتصادها، وكلها عوامل يأخذها الخارج في الحسبان.


قبرص تستضيف اجتماعات الاتحاد الأوروبي رغم هجوم مسيّرة إيرانية على أراضيها

وزير خارجية قبرص قسطنطينوس كومبوس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 16 مارس 2026 (رويترز)
وزير خارجية قبرص قسطنطينوس كومبوس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 16 مارس 2026 (رويترز)
TT

قبرص تستضيف اجتماعات الاتحاد الأوروبي رغم هجوم مسيّرة إيرانية على أراضيها

وزير خارجية قبرص قسطنطينوس كومبوس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 16 مارس 2026 (رويترز)
وزير خارجية قبرص قسطنطينوس كومبوس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 16 مارس 2026 (رويترز)

تستعد قبرص لاستقبال اجتماعات وزراء الاتحاد الأوروبي حسبما كان مخططاً لها في غضون الأشهر المقبلة، بعد حالة من الغموض والترقب بسبب تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

وفي تصريحات لإذاعة «ريك» القبرصية، الاثنين، أوضح وزير الطاقة ميخاليس داميانوس أن جميع اجتماعات التكتل غير الرسمية المجدول انعقادها في الجزيرة المتوسطية بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) ستُعقد كما كان مقرراً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

واتخذت قبرص، التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، خطوة استباقية بنقل جميع الاجتماعات غير الرسمية المقررة لشهر مارس (آذار) الحالي إلى منصات شبكة الإنترنت أو تأجيلها، وذلك إثر هجوم استهدف قاعدة عسكرية بريطانية على أراضيها في بداية الشهر ذاته.

وأكد داميانوس عودة الهدوء إلى المشهد قائلاً إن «الأمور عادت إلى طبيعتها تماماً، حيث ستُجرى كل الفعاليات المقررة في قبرص خلال الفترة من أبريل إلى يونيو بصورة اعتيادية».

ووفقاً للسلطات القبرصية، تعرّضت قاعدة أكروتيري لهجوم شنته مسيّرة إيرانية من نوع «شاهد» خلال ليلة الثاني من مارس الحالي، ويُعتقد أن عناصر «حزب الله» اللبناني المدعوم إيرانياً أطلقتها من داخل الأراضي اللبنانية.

وعقب الحادث، نشرت عدة دول من الاتحاد الأوروبي إضافة إلى المملكة المتحدة، طائرات مقاتلة وفرقاطات للمساعدة في حماية الجزيرة.