الغرب ومفهومه للحضارة ومسارها منذ عصر الأنوار

انطلق من بناء الذات وتحرير العقل وأظهر قيمه المعاصرة

غلاف كتاب «الحضارة ومضامينها»
غلاف كتاب «الحضارة ومضامينها»
TT

الغرب ومفهومه للحضارة ومسارها منذ عصر الأنوار

غلاف كتاب «الحضارة ومضامينها»
غلاف كتاب «الحضارة ومضامينها»

بمنهجه الأركيولوجي القائم على البحث والحفر في الأرشيفات يذكر فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب»، الذي لدينا ترجمة له بالعربية من طرف: د. علي مقلد، ومراجعة د. مطاع صفدي، عن مركز الإنماء القومي سنة 1990، قصة ذلك الجندي الفرنسي «روبيرت فرنسوا داميان» في أواسط القرن الثامن عشر الذي هاجم الملك لويس الخامس عشر بسكين فأصابه بجرح خفيف، فتم القبض عليه وحكم عليه بالإعدام سنة1757 من أجل فهم جيد لمفهوم الحضارة، بكل معانيه التاريخية والفكرية والسياسية، في ظل الحمولات الآيديولوجية التي تعتمل داخله، لا بد من وضع المفهوم في الإطارات الفكرية التي أنتجته؛ لأن ربط الأشياء والمفاهيم بسياقاتها يتيح لنا فهما جيدا لها، بدل البقاء تائهين في ظل أطروحات وفهم متعدد، خاصة في عالمنا العربي الإسلامي، الذي لم يحدد بعد فهمه للحضارة ولمعانيها، لكي يتمكن من الانخراط بشكل فعال في مسارات التقدم والانعتاق، بدل البقاء خارج السياق، واجترار خطابات غير محددة، واستهلاك المفاهيم والشعارات بطريقة مشوهة، خاصة وأن المعرفة تنعكس على السلوكيات والمواقف والقناعات، ما قد يحرمنا من مواقف صحيحة تحرك عجلتنا المعطوبة.
هذا المقال، أقدم رؤية تاريخية وتأصيلية للمفهوم، كما جرى استحضاره والاشتغال عليه، وكما تأسس وتبلور في المرحلة الحديثة، وتطور في المرحلة المعاصرة.
الحضارة وعصر الأنوار
عندما نتحدث عن الحضارة، غالبا ما نربطها بشعب معين، وننسبها إلى حقبة تاريخية وأخرى جغرافية محددتين في الزمان والمكان. فنقول الحضارة المصرية، والحضارة اليونانية، والإسلامية وهكذا. ويتبادر إلى الأذهان، أن هذا المفهوم قديم جدا قدم تلك الحضارات. لكن الحقيقة، هي أن الحضارة مجرد مفهوم حديث ارتبط بعصر الأنوار، في القرن الثامن عشر. فقبل هذا التاريخ، لم يكن أي وجود للمفهوم، لم يجر استحضاره في أي كتابات أو تحليل. لكن علينا ألا نتجاهل أن جذور المفهوم ترجع إلى القدم، إلى التحضر في مقابل التوحش، والمدنية في التعارض مع الهمجية. لقد بني المفهوم على حمولات متعالية متعجرفة، تنظر إلى الأنا كقيمة عليا، وتنظر للآخر كبربري متوحش يجب غزوه وتخليصه من بربريته. وهذا ما ظهر واضحا في الحضارتين اليونانية والرومانية، وكذلك المصرية والإسلامية. يؤكد ذلك، بروس مازليش، في كتابه «الحضارة ومضامينها». سيتبلور مفهوم الحضارة بقوة، في العصر الحديث، وبالضبط مع عصر النهضة. فمعلوم أن النهضة عملت على بناء الحضارة الأوروبية، والتي حاولت الاستفادة من الحركة الفكرية والفلسفية والإصلاحية، وبعث الآداب والفنون اليونانية والرومانية، باعتبارها آدابا عملت على الاشتغال على الإنسان، وتغيير رؤاه وتمثلاته، في ظل سطوة دينية كبيرة، وكنيسة اهترأت أفكارها وقيمها، وأصبح من الضروري تجاوزها وبناء مجتمع أكثر وضوحا.
من هنا، سوف ينطلق الإنسان الغربي في عملية مستمرة طويلة، يجري العمل من خلالها، على بناء الذات وتحرير العقل. سوف تبدأ عملية التفكير في الذات وفي الآخر. وستظهر قيم معينة كاللطف، والتهذيب، والتعليم، والفن، والأدب، والتنازل عن العنف. وهذا ما عمل ستيفان غيغر على توضيحه في كتابه «أصول اللطف»، ووضحه نوربرت إلياس بقوله: «عندما يعلم مجتمع ما أفراده جيدا، إلى درجة تكون كل المجموعات فيه قادرة على تقديم هذا التنازل، عن العنف، آنذاك، يمكن الحديث عن الحضارة، وليس فقط عن المجتمع». وهذا ما أوضحه أيضا، الفيلسوف الألماني، إيمانويل كانط، في حديثه عن التحضر، حيث يقول: «عندما تبلغ ثقافتنا درجة عالية من الفن والعلوم، فإننا نتحضر إلى درجة نكون فيها مثقلين بكل أنواع اللياقة الاجتماعية والعفة (..) وأن فكرة الفضيلة تعد جزءا من الثقافة، ولكن تطبيق هذه الفكرة التي تنتج فقط عن مطابقة الفضيلة في حب الشرف وحشمته الخارجية، يؤدي حتما إلى التحضر».
ما دامت الحضارة في ارتباط جوهري مع المجتمع، فهي لن تعرف التقدم إلا عندما تعمل مجموعة من الفلاسفة، خاصة أصحاب الفلسفة السياسية، كتوماس هوبز، واسبينوزا، ولوك، وغيرهم. عندما ينظرون إلى المجتمع، باعتباره كيانا متغيرا يجري تشكيله من طرف البشر. هنا سوف يجري الحديث بشكل أعمق، عن الرأي العام والفضاء العام، والثورة على المستوى السياسي، وبناء الدولة والمجتمع، والاقتصاد، وتحسين أساليب الراحة، وإقرار التعليم، والتصرفات الأكثر تأدبا، وثقافة الفنون، والعلوم، والتنمية التجارية، والصناعة، والحصول على السلع المادية، وبلوغ أنواع الترف. وفي تحليلات مونتسكيو لدستور أمة، وما دعاه بروح أمة ما، هو ما نستطيع تسميته بالحضارة.
والخلاصة، هي أن مفهوم الحضارة هو نتاج للروح الإصلاحية لعصر الأنوار. إن اللحظة التاريخية التي تظهر فيها الكلمة «حضارة»، تسجل مجيء انعكاسية الذات، وانبثاق وعي يظن أنه يفهم طبيعة نشاطه الخاص، وأنه يدرك كيف تتطور الحقيقة الجماعية، وكيف ينبغي لها أن تنظم. لقد نشأ المفهوم عن وعي متغير، وعن رغبة إنسانية مستنيرة في معرفة ذاتها في شكل أكثر تطورا.
ثانيا: مآلات المفهوم في المرحلة المعاصرة
سوف يتغير معنى مفهوم الحضارة بشكل بالغ، في المرحلة المعاصرة، حيث يستحضر الوجه الخفي لها بشكل بالغ الوضوح. لا يمكن أن ننكر بأن مفهوم الحضارة، ظل في ارتباط تام بآيديولوجيا استعمارية متوحشة، انطلقت في العصر الحديث شرقا وغربا، مدافعة عن الحضارة الأوروبية، تحاول غزو العالم والشعوب الأخرى، وجعل العالم كله يعيش على النمط الغربي. وهذا ما حدث في الاكتشافات الجغرافية لأميركا والهند وأفريقيا، حيث جرى فرض النموذج الغربي فرضا، بطرق متوحشة وهمجية، وبعون من رؤى فكرية، خاصة الداروينية الاجتماعية، التي اعتبرت اللامساواة من طبيعة البشر. ما جعل من مفهوم الحضارة الذي كان الغرب ينادي به، محط سؤال ونقاش كبيرين، إلى الحد الذي سوف يدفع مونتين، في مقال له بعنوان «آكلو لحوم البشر»، إلى إطلاق الوصف على الأوروبيين الذين يفترض أنهم متحضرون، حيث يوصفون بالعنف والتوحش. وسوف يدعو روسو إلى العودة إلى حياة الطبيعة، باعتبار أن الحضارة هي مصدر كل الشرور.
لقد تعزز هذا الوصف بتقدم الدراسات الأنثربولوجية، التي عادت لتطرح سؤال الإنسان، بمعانيه الصحيحة. فإذا كان الغربي طرح السؤال حول ما هو الإنسان؟ وأجاب بمعاييره، واعتبر أن الآخر لم يصل بعد إلى مرتبته، وبالتالي، تنبغي إعادة صياغته. وهذا ما أوضحه الدكتور مصطفى حجازي بشكل بالغ، في كتابه سيكولوجية الإنسان المقهور، حين أكد أن الغرب صاغ نظريات في العلوم الإنسانية، اعتبرت الإنسان المستعمر، ناقصا بالضرورة، عنيفا بالطبع، متوحشا، يحتاج إلى من يقوده وينقله من وضعه إلى وضع آخر. لكن الفكر الأنثربولوجي، وخصوصا مع كلود ليفي شتراوس، سوف يعتبر أن من الصعب التمييز بين البشر، وأن كل إنسان يمتلك خاصية معينة من الثقافة، لا يمكن الإقرار بتقدم شعب عن شعب آخر.
ويرى فرويد، أن الحضارة عبء قمعي يجلب الشقاء، ما دامت تقوم على الإكراه وإنكار الغريزة. فالفرد ينمو ليبلغ مرحلة الرشد عن طريق قمع وتسام، وما شابه ذلك من الآليات النفسية، حيث تحل الغريزة محل العقل، والتعبير العنيف عن المشاعر محل التوافق الحذر في المصالح. وقد حكمت على الإنسان بالسخط والشقاء. فهي تحمل جانبا قاتما بالضرورة. وستقطع الصلة مباشرة بالتفوق الأوروبي المزعوم على نحو بعيد المدى. وهي ناقلة للتعاسة، وهو ما سوف يصل إلى حدوده القصوى في المرحلة المعاصرة، خاصة مع الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وبينما نتلقى الفلسفة الغربية، نكون مطالبين بالعمل على التحلي برؤية نقدية، تنظر للكأس من جوانبه المليئة والفارغة. فالوعي بالجانب الفارغ، هو ما بإمكانه أن يجعلنا نستفيد من الجوانب المليئة. فطبيعة الفكر البشري تحتمل النقص. ومن يرفض فكرة بأكملها لأنها تحمل نقصا معينا، يظل تفكيره ناقصا ويحرم من أفكار ثمينة. ومن مأساتنا أننا نرفق عملية النقد بالرفض. ولكن الغرب ينتقد ويستمر في بناء أسسه التي تشكل وجوده، والتي لا يمكنه بأي حال من الأحوال التفريط فيها.



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».