برلمان القرم أعلن الاستقلال.. ويانوكوفيتش يعد بالعودة

رئيس الاستخبارات الأوكرانية السابق لـ («الشرق الأوسط»): نريد دفع بوتين للتفاوض

ناشطون أوكرانيون يرفعون أعلام بلادهم في ميدان الاستقلال بالعاصمة كييف أمس احتجاجا على التدخل الروسي في شبه جزيرة القرم (إ.ب.أ)
ناشطون أوكرانيون يرفعون أعلام بلادهم في ميدان الاستقلال بالعاصمة كييف أمس احتجاجا على التدخل الروسي في شبه جزيرة القرم (إ.ب.أ)
TT

برلمان القرم أعلن الاستقلال.. ويانوكوفيتش يعد بالعودة

ناشطون أوكرانيون يرفعون أعلام بلادهم في ميدان الاستقلال بالعاصمة كييف أمس احتجاجا على التدخل الروسي في شبه جزيرة القرم (إ.ب.أ)
ناشطون أوكرانيون يرفعون أعلام بلادهم في ميدان الاستقلال بالعاصمة كييف أمس احتجاجا على التدخل الروسي في شبه جزيرة القرم (إ.ب.أ)

أكدت وزارة الخارجية الروسية أمس أن إعلان الاستقلال الذي وافق عليه البرلمان المحلي الموالي لموسكو في شبه جزيرة القرم الأوكرانية «شرعي تماما». وجاء في بيان للوزارة على موقعها على الإنترنت قبل إجراء الاستفتاء الأحد حول انضمام القرم إلى روسيا «إن وزارة الخارجية الروسية تعتبر قرار برلمان القرم شرعيا تماما».
وأعلن نواب برلمان القرم الموالي لروسيا أمس استقلال شبه الجزيرة عن أوكرانيا، مستبقين بهذه الخطوة الاستفتاء الذي يجرى الأحد لإلحاقها بروسيا. واستند النواب إلى سابقة كوسوفو لتبرير خطوتهم من وجهة النظر الدولية. وجاء في بيان لهذا البرلمان الذي تعتبره سلطات كييف غير شرعي أن 78 من 81 نائبا كانوا موجودين، أقروا «إعلان استقلال جمهورية القرم ذات الحكم الذاتي ومدينة سيباستوبول».
ويشير النص إلى ميثاق الأمم المتحدة «وسلسلة وثائق دولية أخرى تعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها» وكذلك الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في 22 يوليو (تموز) 2010 ومفاده أن «إعلان الاستقلال الأحادي الجانب من جانب قسم من دولة لا ينتهك أي عرف في القانون الدولي».
وإذا أدى استفتاء 16 مارس آذار إلى إلحاق القرم ومدينة سيباستوبول بروسيا، فإن القرم ستعلن «دولة مستقلة تحظى بسيادة مع نظام جمهوري للحكم». وأضافت الوثيقة أن «جمهورية القرم ستصبح دولة ديمقراطية وعلمانية ومتعددة الجنسيات تتعهد بالحفاظ على السلام والوفاق بين الإثنيات والأديان على أراضيها». وفي حال التصويت لصالح إلحاق القرم بروسيا فإن شبه الجزيرة «ستتوجه إلى اتحاد روسيا لكي يجري ضمها على أساس اتفاق حكومي مناسب بصفتها قسما جديدا من الاتحاد». وأضاف البيان أن هذا النص اعتمد أيضا من قبل مجلس بلدية سيباستوبول.
على صعيد آخر، قالت وزارة الخارجية الروسية إن وزير الخارجية سيرجي لافروف أبلغ نظيره الأميركي جون كيري أمس بأن أي حل للأزمة الأوكرانية يجب أن يأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأوكرانيين في كل المناطق واحترام حق سكان القرم في تقرير مستقبلهم. وأضافت الوزارة في بيان أن كيري ولافروف تبادلا وجهات النظر بشأن مقترحات محددة طرحتها روسيا والولايات المتحدة لتحقيق السلم والوفاق المدني في أوكرانيا. ولم تذكر الوزارة أي مؤشر على توصلهما إلى اتفاق لكنها قالت إنهما سيواصلان المشاورات.
في غضون ذلك، كرر الرئيس الأوكراني المعزول فيكتور يانوكوفيتش أمس أنه لا يزال الرئيس الشرعي للبلاد والقائد الأعلى للجيش وأنه واثق من أن القوات المسلحة الأوكرانية سترفض تنفيذ أي أوامر إجرامية. وفي بيان أصدره من المدينة الروسية روستوف أون دون التي فر إليها الشهر الماضي هاجم يانوكوفيتش من سماهم عصابة القوميين المتشددين والفاشيين الجدد الذين حلوا بدلا من حكومته وانتقد داعميهم الغربيين. وقال يانوكوفيتش للصحافيين في المدينة الروسية الجنوبية في ثاني ظهور له منذ الإطاحة به في 22 فبراير (شباط) أريد أن أسأل رعاة قوات الظلام هذه في الغرب هل أصبتم بالعمى.. هل نسيتم ما هي الفاشية، أنا واثق من أن ضباط وجنود أوكرانيا.. يعرفون قيمتكم ولن ينفذوا أوامركم الإجرامية.
ويزعم يانوكوفيتش أن قوات المعارضة أطلقت النار على الشرطة والمدنيين خلال الاحتجاجات ضد حكمه الشهر الماضي. وتمسك يانوكوفيتش بقوله إن متطرفين استولوا على السلطة في العاصمة الأوكرانية كييف. وقال إن الانتخابات الرئاسية المقررة في 25 مايو (أيار) ستكون غير قانونية وغير شرعية وإنه سيعود إلى كييف «فور أن تسمح الظروف بذلك». واستطرد: «أنا واثق من أن الانتظار لن يكون طويلا». وأدلى يانوكوفيتش بهذه التصريحات بعد أن أبلغ الرئيس الأوكراني المؤقت أولكسندر تيرتشينوف البرلمان أمس أن أوكرانيا ستنشئ قوة حرس وطني جديدة من قدامى العسكريين ردا على محاولات روسيا ضم القرم.
وقال تيرتشينوف إن سوء إدارة القوات المسلحة في ظل سلفه المعزول يعني الاضطرار لإعادة بناء الجيش الأوكراني من الصفر بشكل فعلي. وقال القائم بأعمال وزير الدفاع إن البلاد ليس لديها سوى ستة آلاف جندي مشاة جاهزين للقتال مقابل ما يزيد على 200 ألف جندي روسي على حدودها الشرقية.
وقال الرئيس الأوكراني المعزول فيكتور أمس إن منطقة القرم تنفصل عن أوكرانيا، ووجه اللوم إلى خصومه الذين أطاحوا به من السلطة وحملهم مسؤولية ما يحدث في شبه جزيرة القرم المطلة على البحر الأسود.
وفي بيانه للصحافيين قال يانوكوفيتش أيضا إن المساعدات الأميركية لأوكرانيا غير مشروعة لأن القانون الأميركي لا يسمح للحكومة الأميركية بتأييد «عصابات».
من جهة أخرى في سيمفروبول (أوكرانيا) استولت ميليشيات موالية للروس على مطار سيمفروبول، الأبرز في شبه جزيرة القرم الأوكرانية الانفصالية، ومنعوا كل الرحلات باستثناء تلك المقبلة من موسكو أو المتجهة إليها كما أفاد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية. ويمنع المسلحون الصحافيين من التحدث إلى موظفي المطار. وقال أحد الرجال المسلحين معرفا فقط عن اسمه الأول ايفان لوكالة الصحافة الفرنسية إنهم «أغلقوا برج المراقبة ومدارج الهبوط» ولا يسمحون إلا للطائرات المقبلة من موسكو بالهبوط أو لتلك المغادرة إليها بالإقلاع. وأضاف أنهم قاموا بذلك «لمنع وصول موالين لبانديرا إلى كييف»، في إشارة إلى الزعيم القومي الاوكراني ستيفان بانديرا الذي تعاون مع ألمانيا النازية قبل أن تسجنه.
وقال صحافي آخر لوكالة الصحافة الفرنسية غادر صباح أمس من كييف إلى سيمفروبول إنه تم تحويل مسار رحلته إلى أوديسا قبل أن تضطر للعودة إلى نقطة الانطلاق.
ولم تقطع حركة المواصلات عبر السكك الحديد مع بقية أنحاء أوكرانيا لكن المسافرين وخصوصا الشبان الذين يحملون حقائب كبرى، يجري تفتيشهم عند وصولهم إلى سيمفروبول من قبل ميليشيات موالية للروس.



فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.


أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
TT

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)

أعلن الجيش الأوكراني، الجمعة، أنه سيلتزم ابتداءً من الثلاثاء، هدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة للاحتلال الروسي، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

يأتي ذلك بعدما أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الروسي أن قواته ستلتزم هدنة محلية في أوكرانيا ابتداءً من الثلاثاء، للسماح بتنفيذ عمليات إنسانية في مدينة أوليشكي.

وكانت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب صرحت في إعلان مفاجئ، الجمعة، بأنها نجحت في تأمين وقف محلي لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا في مدينة أوليشكي المنكوبة، حيث لا يزال السكان عالقين ويعانون من نقص في الغذاء.

وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «بهدف تنفيذ عملية إنسانية في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة لاحتلال مؤقت، ترسي أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار في منطقة محددة، ابتداء من الساعة الثالثة فجر يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) بتوقيت كييف».

وفي منشور على المنصة الروسية «ماكس»، أكد الجنرال فاليري غيراسيموف رئيس هيئة الأركان العامة أن قواته ستلتزم هذه الهدنة «ابتداءً من الساعة 04:00 (01:00 بتوقيت غرينتش) في 27 أكتوبر 2026»، في إطار «العملية الإنسانية الجارية في محيط» مدينة أوليشكي.

وأشار إلى أن الهدنة ستُطبّق «في محور خيرسون»، من دون التطرق إلى تفاصيل إضافية عن نطاقها الجغرافي أو مدتها.

وأوضح أن قواته ستجري «استطلاعاً تقنياً» على الأرض لضمان إيصال المساعدات الإنسانية وسلامة المدنيين في هذه المنطقة الشديدة الخطورة على الجبهة.

ويواجه سكان أوليشكي نقصاً متزايداً في المواد الغذائية والأدوية. وتقر كل من أوكرانيا وروسيا بوجود أزمة إنسانية في المنطقة، لكنهما تتبادلان الاتهامات حول المسؤولية عن هذا الوضع، بحيث يتهم كل طرف الآخر بعرقلة إيصال الإمدادات الغذائية وتنفيذ عمليات الإجلاء.

وسيطرت القوات الروسية على مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا، عام 2022 في مستهل الغزو. وتعرضت المدينة لأضرار جسيمة من جراء تدمير سد كاكوفكا عام 2023، ما تسبب في فيضانات مدمرة على طول نهر دنيبر. وتتبادل موسكو وكييف الاتهامات بالمسؤولية عما حصل. وانخفض عدد سكان المدينة من نحو 24 ألف نسمة إلى نحو ألفي نسمة حالياً.