ليبيا على شفا هاوية «الاقتصاد الريعي»

«المركزي» سيلجأ إلى الاحتياطي «المستنزف» إذا استمر التدهور

جانب من عمليات التكرير في حقل السرير النفطي في ليبيا (رويترز)
جانب من عمليات التكرير في حقل السرير النفطي في ليبيا (رويترز)
TT

ليبيا على شفا هاوية «الاقتصاد الريعي»

جانب من عمليات التكرير في حقل السرير النفطي في ليبيا (رويترز)
جانب من عمليات التكرير في حقل السرير النفطي في ليبيا (رويترز)

تقترب ليبيا المنهكة اقتصاديًا وسياسيًا، من الدخول في «أزمة الاقتصاد الريعي» مع تراجع أسعار النفط إلى ما دون 30 دولارًا، وتوقعات بمزيد من النزول لسعر البرميل خلال العام الحالي، وسط هبوط الإنتاج الليبي من الخام إلى ما دون 400 ألف برميل يوميًا.
والاقتصاد الريعي هو اعتماد الدولة على مصدر واحد للدخل (الريع)، وهذا المصدر غالبًا ما يكون مصدرًا طبيعيًا ليس بحاجة إلى آليات إنتاج معقدة، كمياه الأمطار والنفط والغاز.
وكان بنك «ستاندارد تشارترد» آخر البنوك التي خفض توقعها المستقبلي لأسعار النفط إلى 10 دولارات، لينضم بذلك إلى بنوك «غولدمان ساكس» و«آر بي إس» و«مورغان ستانلي»، وآخر مرة انخفضت فيها الأسعار إلى مستوى 10 دولارات كانت في ذروة الأزمة المالية الآسيوية في عام 1998.
وحذر مدير مكتب الإعلام لمصرف ليبيا المركزي عصام العول، من بدء دخول ليبيا في أزمة «الاقتصاد الريعي» مع تراجع أسعار النفط إلى ما دون 30 دولارًا، خصوصا أن هامش الربح هنا سيساوي صفرا في ظل الإنتاج الحالي الذي لا يتجاوز 400 ألف برميل يوميًا.
وأوضح العول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» حول مدى تأثير الأزمة على ليبيا: «الأمر واضح، اضرب عشرين دولارا (حال وصول سعر النفط لهذا المستوى) في 400 ألف برميل يوميًا مع هامش ربح بسيط، ما يرد إلى ليبيا لا يكفي المرتبات، وبخاصة أن ليبيا اقتصادها ريعي يعتمد على النفط فقط».
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد قالت الأسبوع الماضي، إن إنتاج ليبيا من النفط الخام ما زال أقل من 400 ألف برميل يوميًا بعد الهجمات التي تعرضت لها مرافق نفطية مؤخرًا، نتيجة تصاعد هجمات تنظيم داعش الأسبوع الماضي لتشمل مرفأي تصدير النفط الرئيسيين «السدرة» و«رأس لانوف»، حتى أثارت الهجمات اشتباكات بين مسلحين وحرس المنشآت النفطية وتسببت في حرائق في خمسة صهاريج لتخزين النفط في السدرة وصهريجين آخرين في رأس لانوف.
لكن ومع ذلك فإن إنتاج الخام في شرق البلاد يبقى مستقرًا نسبيًا، إذ صدرت شركة الخليج العربي للنفط (أجوكو) فرع المؤسسة الوطنية للنفط في الشرق، نحو 64 مليون برميل من الخام في 2015 في واحدة من أفضل النتائج في السنوات القليلة الماضية، ونحو 13 مليون برميل أخرى أنتجتها الشركة جرى تكريرها في ليبيا للاستخدام المحلي في مصفاتي السرير والحريقة بشرق البلاد ومصفاة الزاوية في الغرب. وكانت ليبيا تنتج نحو 1.6 برميل يوميًا من الخام قبل الاضطرابات السياسية الأخيرة.
وطالب مدير مصرف ليبيا المركزي بـ«تغليب مصلحة الوطن والتكاتف والتوافق»، مشددا على أن «مصرف ليبيا المركزي لا يستطيع العمل وحده دون حكومة موحدة يتكاتف عملها مع المصرف المركزي لوضع خطة طارئة لمواجهة هذه التحديات الاقتصادية الصعبة التي ستجتاح جميع دول العالم، وليبيا ليست بمنأى عنها إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التدهور الاقتصادي والوضع الأمني الحالي، لا مناص من التكاتف والوحدة، أمامكم وطن مهدد مع ظروف اقتصادية دولية سيئة».
وتسعى الأمم المتحدة لحشد التأييد لاتفاق لتشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا لكن الخطة لاقت معارضة من أعضاء في البرلمانين المتنافسين في البلاد (طرابلس والبيضاء).
وكشف العول، عن أن مصرف ليبيا المركزي سيلجأ إلى الاحتياطي النقدي، لتوفير وصرف المرتبات إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، رغم أن الاحتياطي قد استنزف منه الكثير، وقد حذر المصرف كثيرًا قبل ذلك من الوصول إلى تلك المرحلة.
ويتراوح احتياطي ليبيا من النقد الأجنبي ما بين 87 و76 مليار دولار، وفقًا لبيانات من مسؤولين في مدينتي البيضاء وطرابلس، اللذين اتفقوا على أن ليبيا أنفقت ما يزيد على ربع الاحتياطي من النقد الأجنبي عام 2014، لتعويض الهبوط في إيرادات النفط، بالمقارنة مع 105.9 مليار دولار عام 2013.
وتبلغ قيمة الرواتب التي صرفها مصرف ليبيا المركزي حتى 30 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2015، نحو 16.4 مليار دينار (11.7 مليار دولار)، في موازنة تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 28.4 مليار دينار (20.4 مليار دولار)، بعجز 12.5 مليار دينار (8.9 مليار دولار).
وانهيار أسعار النفط قد يعجل بحل الأزمة في ليبيا، أو قد يهدم ما تبقى منها.. ويتوقف ذلك على ما يقرره الشعب الليبي نفسه ومسؤولوه.
ويقول كامل عبد الله، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، المتخصص في الشأن الليبي: «إلى الآن لا يبدو أن الليبيين يشعرون بالخطر في ظل استهداف تنظيم داعش للبنية التحتية لقطاع النفط في البلاد، وأعتقد أن التطورات الدولية في أسواق الطاقة إلى الآن لا تحظى باهتمام كاف من الليبيين».
وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن «انهيار أسعار النفط وتمدد (داعش) والأزمة الاقتصادية إذا لم توحد الليبيين فلا شيء آخر سيوحدهم». موضحًا أنه من المفترض أن يؤدي الشعور بالخطر بالليبيين إلى الوحدة لكن استمرار الخلافات السياسية والجهوية في ليبيا تحظى في الوقت الراهن بالأولوية.
وإذا لم يتمكن الليبيون من تنحية خلافاتهم والسماح بتشكيل حكومة جديدة قد تشهد البلاد أزمة اقتصادية خانقة مدعومة بتدهور الأوضاع المحلية وانهيار أسعار الطاقة، حتى إذا عاد الإنتاج الليبي إلى معدلاته قبل 2011 المقدرة بنحو 1.6 مليون برميل يوميًا، فلن يتمكن هذا الإنتاج من سد فجوة الأسعار التي تسبب فيها الانخفاض الحالي، لأن مصدر الدولة الوحيد هو النفط.
وحذر عبد الله من اعتماد مصرف ليبيا المركزي والدولة الليبية على الاحتياطي النقدي، مقابل أن الحكومة المقبلة تعتمد على الوعود الدولية بالإفراج عن الأرصدة المجمدة، وهذا يفسر سبب عدم الشعور الحقيقي بالخطر، «لأنهم يدركون أن هذه الأرصدة ستسمح باجتياز الأزمة، ولكن إذا انتهى الاحتياطي ستلجأ الدولة للاستدانة من الخارج أو بيع استثماراتها في بعض الدول، فهناك استثمارات عاملة وتدار من قبل الدول الموجودة فيها».. موضحا أن استمرار الأزمة منذ خمس سنوات دفع دولا أفريقية إلى التفكير في تأميم الاستثمارات الليبية هناك.
وتمتلك ليبيا استثمارات متعددة في دول أفريقية وعربية وأجنبية، من خلال صندوق الثروة السيادي الذي يتبع هيئة الاستثمار الليبية، والذي يبلغ حجمه نحو 60 مليار دولار.



العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».