هل نجح نيتشه حقًا في تحطيم المقدس؟

ضرب المعنى الإنساني في الصميم وأغرق القرن العشرين في مزيد من العلمنة

فريدريك نيتشه
فريدريك نيتشه
TT

هل نجح نيتشه حقًا في تحطيم المقدس؟

فريدريك نيتشه
فريدريك نيتشه

يعد نيتشه (1844 - 1900) بحق، مدشن فكرة التفكيك التي راجت بقوة في القرن العشرين عند الكثير من الفلاسفة، أمثال هايدغر وفوكو ودريدا وغيرهم. وهو فيلسوف مثير للجدل. هناك من يحبه إلى أقصى درجة، ويعتبره الرجل الذي فاه بالحقيقة، على أساس أن الحقيقة مجرد وهم وقد نسينا أنها كذلك. فهو استطاع أن يقشر الأغلفة التي سميت قيما ومُثُلا، التي عمل بها الإنسان على ستر حقيقته، التي هي، في نهاية المطاف، أصله الحيواني. كأن الإنسان خلال مسيرته الطويلة، لا يريد الاعتراف بجذوره الغارقة في الطبيعة، فعمل على إيهام نفسه بنماذج مثالية، يختفي فيها خجلا وهربا من الحقيقة المرة، وهي أننا نصارع في الحياة من أجل البقاء، مثلنا مثل باقي الحيوانات، وأن ما يسمى العقل الذي يتبجح به الإنسان، هو مجرد سلاح كالناب والمخلب عند الأسد. وكيف لا يصدر ذلك عن نيتشه، وقد جاء في حقبة القرن التاسع عشر، المشحون بنظرية التطور، إلى درجة أن الفيلسوف جون ديوي قال: إن نيتشه هو ابن داروين وشقيق بسمارك. لكن هناك من يكرهه، ويحمله تبعات نزع القداسة عن كل شيء. انه من ضرب المعنى الإنساني في الصميم، وأغرق القرن العشرين في مزيد من العلمنة والأرضنة. لقد جعل حياة الإنسان كصحراء جدباء من دون بوصلة، ما عدا بوصلة الطاقة الحيوية القائمة على منطق القوة، التي يعتبرها البعض سببا في نشوب الحربين العالميتين وظهور الأنظمة الكليانية من فاشية ونازية. وبغض النظر عن حب الرجل أو كراهيته، فمن المؤكد أن الأمر لا يخلو من تطرف في الحكم عليه، باعتباره الفاعل الوحيد، واليه يعود كل ما حدث من تقويض للسير أو المرويات الكبرى، التي غذت المعنى لدى الإنسان، وأقصد بذلك، الأسطورة والدين والميتافيزيقا، بل حتى القيم الإنسانية التي أنتجتها الحداثة، كالحرية والديمقراطية والعدالة. فزمن العبقريات قد ولى. ونيتشه مجرد جزء من نسق شامل. انه، في حقيقته، حلقة ضمن مسار اللائكية، التي بدأت في القرن السابع عشر، مع رواد العلم الحديث، كغاليليو وكبلر وديكارت ونيوتن، ونزعتهم الآلية التي تعاملت مع العالم كساعة ضخمة وصماء، تشتغل بمنطق السبب والنتيجة. وهؤلاء أفرغوا الطبيعة من كل سحر وقداسة، ومن كل نزعة إحيائية. هذه النزعة الميكانيكية، التي مهدت للتفسيرات الغارقة في الدنيوية، ستستمر في الاشتغال كنموذج ذهني موجه، لتنفجر بقوة وبطريقة أكثر شراسة، ولتمس كل جوانب الشأن الإنساني في القرن التاسع عشر. لهذا فنيتشه هو، فقط، ترس في ماكينة النزعة الدنيوية التي سعت وما تزال إلى عزل الأرض عن السماء.
في مقالنا هذا، سنحاول إلقاء نظرة على تفكيكية نيتشه للقيم التي اعتادها البشر. كما سنبحث عن القيم البديلة التي بشر بها وجعل منها الخلاص البشري.
لقد اشتغل نيتشه بمنطق المطرقة لتحطيم الأوثان. فما المقصود بالأوثان عنده؟ إنها كل المثل العليا القديمة والحديثة، سواء كانت باسم الدين أو باسم الميتافيزيقا، أو حتى باسم كل الآيديولوجيات التقدمية التي تريد إخضاع الحياة لقيم متعالية، باسم العقل أو الأخلاق أو التاريخ.
إن ما أنتجه الزمن الحديث، بدءا من القرن السابع عشر، من نزعة إنسانية ظهرت تارة كشيوعية وتارة أخرى كديمقراطية، والتي نادت بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، يعتبره نيتشه، مجرد أوثان أيضا. وهذا ما جعل منه عنوان كتاب له هو: «أفول الأوثان». كان قصد نيتشه الأساسي، هو فضح الحوافز الخفية لدى المثاليين بكل أصنافهم المذكورة أعلاه، والعمل على خلع قناعاتهم المزيفة التي يظهرون من خلالها مشروعيتهم. لكن في الحقيقة، كان الأمر مجرد وهم، أي أنه كان يسعى نحو بيان النوايا المتسترة وراء الظاهر الذي ليس سوى بهرج كاذب. وهذا العمل الباحث عن المخفي وراء الظاهر، هو ما يسمى عنده «الجينيالوجيا» أي دراسة الجذور والطبقات الأصل التي تعود إليها الأشياء، وكأنها تقشير للأغلفة السطحية والمزيفة التي تغطي جوهر الإنسان، الذي هو في حقيقته إرادة بقاء. وهذا ما سنعمل على توضيحه هنا:
إن نيتشه هو ابن القرن التاسع عشر - الذي ورث كل الإرث الأنواري، بما هو نقد للجاهز - والذي بدأ مع ديكارت، وتم تتويجه بكانط. لكنه أراد أن يذهب بالنقد إلى أقصى مداه، وبطريقة جديدة لا هوادة فيها، تقوم على التحطيم والتفكيك، وإبراز البهرج الكاذب للظاهر المزعوم، والحفر في الجذور الخفية. بعبارة أخرى، يعد نيتشه حليفا للأنوار في الأساس، لكنه خصم لها في الآن نفسه، لأنها هي أيضا، لن تسلم من مطرقته. فالنزعة الإنسانية التي خلقتها الأنوار، هي وثن جديد من حيث لا تحتسب. فالأنوار من وجهة نظره، مذنبة، لأنها وقفت في الطريق أثناء صراعها ضد الأوثان الميتافيزيقية. فنحن نعلم أن النقد الحداثي نشأ على فكرة الوضوح الديكارتي. فكل ما هو غامض، يجب استبعاده من مجال الحقيقة، لأنه يكون بؤرة للخداع والتلاعبات. وهنا بالضبط، نلمس عتابا لنيتشه للأنوار، فهو يراه قد خذلنا ولم يسر إلى نهاية الطريق. ناهيك عن أنه خلق بدوره، مُثلا جديدة هي أيضا أوهام، من قبيل: الذات، الوعي، الإرادة، العقل، التاريخ، التقدم، الحرية، الديمقراطية. فكلها تصورات سيعمل نيتشه على جعلها تتصدع، لأنها، في الأصل، ذات جذور دينية بلبوس دنيوي، وترفض الحياة، وتجعل من نفسها قناعات يمكن التضحية من أجلها. بل هي تدين من لا ينصاع لها، وترى في نفسها المصدر المشروع والوحيد للمعنى. فلماذا يرفض نيتشه كل فكرة تنفي الحياة، لأنها وهمية وخطيرة وشاذة؟ وكيف ذلك؟
إن القيم المتعالية وهمية، لأنها ستجعلنا، بحسب نيتشه، نحكم على الحياة ونحن في قلبها من الخارج، وهو تشويه فظيع للواقع. وهي أمر خطير، لأنها ستؤدي إلى إضعافنا، وإلى إخماد قوانا الحية. أما كونها شاذة، فلأن فيها كبت لغرائزنا التي هي الطبيعة الحقيقية لن. وهو ما سيحملنا على إعادة إيجادها خلسة، بحيث سيتسرب المكبوت قصد الإشباع، ولكن بغير وضوح، أي بأقنعة وألبسة تنكرية كاذبة.
مما سبق، سنفهم عبارة شهيرة مرتبطة بنيتشه، هي العدمية التي لا يقصد بها ذلك المعنى المعتاد والمتعارف عليه. ففي اللغة المتداولة يقصد بالعدمي: الشخص الذي لا يعتقد في شيء. لكن نيتشه سيضخ في لفظة العدمية معنى خاصا، يتمثل في الإيمان بمثل متعالية، تنفي الحياة وتشوهها. بعبارة أخرى، يعد العدمي، هو كل من يرتبط بقيم عليا تنفي الأرض باسم السماء، وتنفي الدنيا باسم الآخرة. فماذا يطلب نيتشه بالضبط؟ انه يطلب المحايثة عوضا عن المفارقة. أي على الإنسان أن يبقى لصيقا بقيم الأرض وهي قيم البقاء. وأن لا يحلق بعيدا نحو قيم مفارقة للواقع، تجعله يستنزف طاقاته من أجل ما يعتبره نيتشه السراب. لكن، أليس نزع القيم التي أضفت على الإنسانية المعنى، وأعطته مبرر الوجود عبر التاريخ، وجعلته يحس بالأمن، تحت دعوى أنها أوهام، أمرا خطيرا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فماذا يقترح نيتشه كبديل للخلاص؟
يرى نيتشه أن نسف الأوثان بالمطرقة والعمل على تهشيمها، سوف لن يزيدنا وضوحا في الرؤية، أو يخلصنا من القيود التي تفرضها علينا تلك الأوثان فقط، بل سيحرر طاقاتنا واستعداداتنا الحيوية المقموعة، ويجعلنا ننطلق في حياة أكثر قوة وثراء.
إن القيم التي يقترحها نيتشه يجب أن لا تخرج عن المحايثة، بمعنى أنها لا ينبغي أن تصدر إلا من صلب الأرض، وأن لا تعلو أبدا على الحياة. إن المخرج الذي وجده نيتشه مرتبط بالزمن الحاضر. فعندما يعيش المرء لحظة قوية وبحرية قصوى، أو عندما يحب بجنون، أو عندما يبدع عملا، أو عندما يكتشف مجهولا من العالم، فإنه يكون متصالحا مع الواقع، ويحس بما يسميه نيتشه «بخفة الراقص»، إلى درجة أن المرء يتمنى استمرار هذه اللحظات إلى الأبد.
إذن يعد الرجاء في دوام لحظات الذروة، باعتبارها توافقا كاملا مع الحاضر من دون قيود الماضي، أو هواجس المستقبل قمة الخلاص الإنساني. إذ يصبح الحاضر مستحقا وليس مجهضا، ويعاش كأنه بذرة من الأبدية. وهنا بالضبط، تزول المخاوف والحيرة من الموت. إذن التصالح مع الحاضر وملامسة تلك اللذة الأبدية، التي تصبح كالمطلق الذي نرجو إحياءه والى الأبد، هو العود الأبدي عند نيتشه. إن نيتشه ينشد أبدية ليست مثالية تتم بعد الموت، بل أبدية محايثة يمكن بلوغها. إنها الجنة الموعودة في الأرض. وربما هنا بالضبط، يكون نيتشه قد رهن الفكر، وخصوصا الغربي منه، في مزيد من اللائكية، بحيث جرى الترويج لإمكانية انبعاث الحياة الطيبة في هذه الدنيا، وليس تأجيلا لما بعد الموت.
في الختام، هل حقا تعد إرادة سحب الخلاص من السير والقيم الكبرى، تحت دعوى أنها متعالية، وفيها تزييف للواقع وإهدار للطاقة الإنسانية، وإجهاض للوجود الأصيل للإنسان، وجعله مغتربا وممزقا عن حقيقته، والاكتفاء فقط، بما هو محايث ودنيوي، قد جلب الخلاص للبشرية؟ إن المشهد التاريخي خلال القرن العشرين والقرن الواحد العشرين، يبرز، في بعض الأحيان، عكس ذلك. إذ دخلت الإنسانية في أزمة معنى رهيبة، جعلت المطالبة بعودة المقدس والديني ملحة، وبدا الهجوم الضاري على النزعات التفكيكية الهدامة واضحا، بما فيها نيتشه، إلى درجة عكس الآية تماما. فعوضا عن الحديث عن تصدع المتعالي، أصبحنا نتحدث عن تصدع الدنيوي واعتباره تأويلا بائسا ومريضا للعالم. وهنا أستحضر عنوان كتاب المفكر طه عبد الرحمن «بؤس الدهرانية».



أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».


عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال، وجلّها يعود إلى الأزمنة الحديثة. في الواقع، يحضر العمال بشكل هامشي أو ثانوي في أعمال فنية متعدّدة المصادر تعود إلى الحقبة التي سبقت هذه الأزمنة، وقلّما نجد أثراً فنياً كلاسيكياً خُصّص بشكل أساسي لهم. تبرز في هذا الميدان لوحة من الميراث الفني الأموي، تبدو استثنائية في موضوعها كما في تأليفها المتقن، وتشكّل جزءاً من جداريات قُصير عمرة في بادية الأردن، ويجمع أهل الاختصاص على القول بأنّها تُمثّل العمّال الذين بنوا هذا القصير.

يجمع قُصير عمرة بين حمّام كبير مؤلّف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. تزيّن هذه القاعات جداريّات تجمع بين مواضيع إنشائية متعدّدة، تشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في مجمل العالم المتوسطي، بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية. يلفّ هذا البرنامج الاستثنائي جدران هذه القاعات، ويمتدّ إلى سقوفها. في هذا السياق، تزين سقف الإيوان الغربي المقوّس شبكة من اثنين وثلاثين مكعباً، رُتّبت في أربعة صفوف متساوية الأبعاد، اشتمل كل صف منها على ثماني لوحات، وفيها يظهر أشخاص في أوضاع مختلفة، تختزل متاع الدنيا بصنوفها المتعدّدة. في المقابل، يتكرّر هذا التأليف على سقف الإيوان الشرقي؛ إذ نقع كذلك على أربعة صفوف متساوية، اشتمل كلّ منها على ثماني لوحات، تمثّل كلّها عمّالاً من أصحاب الحرف المتنوّعة.

تحتلّ هذه الشبكة مساحة السقف المقوّسة، وتتكوّن من جزأين متساويين متعاكسين، يتكوّن كلّ منهما من شريطين من الخانات المكعّبة، يُشكّل كلّ منها لوحة يحدّها إطار خاص بها، كما في الشرائط المصوّرة المعاصرة. تحتاج قراءة هذه الصور بشكل دقيق إلى الرسوم التوثيقية التي تُظهر عناصرها بشكل جليّ، وتتمثّل برسم شامل يعود إلى مطلع القرن الماضي، نُشر في أول بحث علمي كشف عن قصير عمرة، وسلّط الضوء على جدارياته. إلى جانب هذا الرسم، يحضر رسم معاصر نُشر في مجلّد صدر عام 2007، وفيه تحضر تفاصيل كشفت عنها أعمال البحث التي سبقت هذا الإصدار. تواصل استكشاف الموقع في السنوات التالية، وشهد حملة ترميم جديدة شملت هذه الجدارية، وأعادت إليها بريقها الأوّل، كما كشفت عن تفاصيل جديدة ظهرت في لوحاتها بعدما كانت ممحوة.

في الخلاصة، تتكوّن هذه اللوحة من صفين متوازنين من جهة، يقابلهما صفان متوازنان من الجهة الأخرى. خُصّص الصفّ الأسفل من القسم الأول لأعمال البناء، من قطع الحجارة ونقلها على ظهور الجمال، ثم حملها إلى معلّم البناء. وخُصّص الصف الثاني للأعمال المعدنية، من الصهر والطرق، إلى التشذيب والتبريد. في الجهة المعاكسة، خُصّص الصف الأسفل لأعمال القصارة، كما توحي العناصر التصويرية القليلة التي بقيت من هذا الصف الذي تلف وانمحى بشكل كبير. وخُصّص الصف الأعلى لأعمال النجارة، كما يتّضح عند قراءة صوره التي حافظت على أغلب مكوّناتها. يتألّف كل صف من ثماني خانات متساوية. الإطار واحد وجامع، وقوامه خلفيّة تتألف من ثلاثة أقسام أفقية. يحتل القسم الأسفل مساحة كبرى من كل خانة، وهو باللون الأبيض العاجي، وتعلوه مساحة زرقاء، تحدّها مساحة بيضاء. يتشابه العمال من حيث الشكل الخارجي، ويبدو لباسهم واحداً، ويتألف من رداء أبيض بسيط ينسدل حتى الركبتين، مع حزام مجرّد يلتف حول الخصر.

في الصف المكرّس لقطع الحجارة، من اليسار إلى اليمين، يحضر أوّلاً عامل يقف في وضعية نصف جانبية، حاملاً أداة طويلة تبدو أشبه بمسطرة للقياس. ثم يحضر في الخانة الثانية عامل يحمل أداة مغايرة، تبدو أشبه بمطرقة ثاقبة طويلة. ويحضر في الخانة الثالثة عامل يحمل ما يُعرف بأداة الكُوس التي تُستخدم لتحديد الزوايا. في الخانات الثلاث التالية، يظهر عامل يرفع حجارة فوق ظهر جمل، ثم يظهر هذا الجمل وهو يجر هذه الحمولة، ويظهر العامل وهو يقود هذا الجمل في خانة مستقلّة. في الخانة السابعة، يحلّ عاملان ينقلان حجراً ثُبّت على رافعة، وفي الثامنة، يظهر عامل بين واجهتين صغيرتين متوازيتين.

في الصف المكرّس للأعمال المعدنية، يظهر أولاً حداد وسط مسبك، ثم حداد يطرق سنداناً، ثم حداد يرفع مطرقة، ومن بعده حرفي ينشغل بالعمل على خشبة مثبّتة على حاملتين مثلّثتين. في الخانة الخامسة، يظهر حِرفي آخر يسقي الحديد في حوض على الأرجح، وفي السادسة، يظهر حِرفي جالساً أمام حوض مشابه. تتصل الخانة السابعة بالخانة الأخيرة، حيث يواجه حرفياً زميلاً يتوجه نحوه رافعاً ذراعيه في اتجاهه.

الصف المخصص لأعمال القصارة تلف بشكل كبير، وبدا ممحواً في مطلع القرن الماضي، غير أن بعض ملامحه اتّضحت في زمننا. في وسط هذا الشريط، يظهر مشهد تحميل دابة، ويحضر في تأليف يشابه التأليف المعتمد في الصف المكرّس لقطع الحجارة، وفيه يحلّ حمار مكان الجمل، كما كشفت أعمال الترميم الحديثة العهد. في المقابل، حافظ الصف المخصّص لأعمال النجارة على ست من خاناته الثماني. ضاعت الخانة الأولى، كما ضاعت الخانة الأخيرة، وظهر في الخانة الثانية نجاران ينشران لوحاً خشبياً، وفي الثالثة نجار يعمل على لوح آخر، وفي الرابعة حرفي يحمل مطرقة، وفي الخامسة حرفي يقف رافعاً خشبة بين يديه، وفي السادسة حرفي يجلس أرضاً حاملاً كذلك مطرقة. انمحت الخانة السابعة بشكل كبير، وما بقي منها يكشف عن حرفي يعمل في منشرة على الأرجح.

يطغى على هذه الجدارية البديعة الأسلوب الروماني، وهو الأسلوب الذي يغلب على مجمل جداريات قُصير عمرة. يستعيد هذا التأليف العديد من العناصر التي تعود إلى هذا الطراز، غير أنه يجمعها في قالب كُرس بأكمله للعمّال الذين قاموا بتشييد الموقع وتزيينه، من البنائين إلى النجارين مروراً بالحدادين والمقصّرين، ممّا يجعل منه لوحة استثنائية تتميّز بموضوعها، وتلمع بثراء صورها المتقنة.


الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش
TT

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب العراقي نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

ولعل المحطة الأبرز لهذا الفورور هي عندما حطّ رحاله على كتفي الممثلة المصرية الفاتنة مريم فخر الدين حين مثلت مع العندليب عبد الحليم حافظ في فيلم «حكاية حب» حيث أدّى أغنيته الشهيرة «بتلوموني ليه» (عُرض الفيلم في 1959).

تنهض الرواية برمتها على هذه التفصيلة. يروي عبد الستار في روايته، أن مريم فخر الدين استعارت هذا المشلح من المونولوجيست العراقية «وحيدة جميل»؛ (وهذا من مخيلة الكاتب)، لترتديه في الفيلم. و«وحيدة» لم تتلقَّ في حياتها هدية أقيم من هذا المشلح الذي أهداها إياه وزير دفاع الاتحاد السوفياتي السابق عندما كان في زيارة إلى بغداد بخمسينات القرن الماضي. ولهذا كانت متعلقة بفورورها... فيما «صابر عفيف»، هذا الرجل/ الطفل كان متعلقاً بتلابيب فستان والدته.

في خضم الزحمة، ضاع مشلح الشنشيلا، لكنه سيظهر لاحقاً في أوساط طبقة المشاهير والأثرياء، قبل أن يستقر على كتف الشهبانو فرح ديبا بلهوي، لدى لجوئها مع زوجها إلى القاهرة عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد علم «صابر» بذلك، اتصل تليفونياً بسكرتير الشهبانو مطالباً باستعادة الفورور. وهو اتصال سيكلّفه عمله في دار «كريستيز»، التي ستستغلّ هذا الخطأ الذي اقترفه «صابر» لطرده من العمل، والاستحواذ على الفورور.

أضاعت «وحيدة» الفورور.. وخسرت ابنها «صابر» حين انتقلت حضانته إلى عمه بعد إعدام والده، ثم تلاشى حلمها في الحصول على لحن من فريد الأطرش، قبل أن تموت كدراً في لبنان.

هذه هي قصة «الفورور» باختصار. وقد يبدو البحث عن المشلح أشبه بسردية تشويقية تحاكي الحبكات البوليسية. لكن الرواية ليست كذلك.

الفورور هو فقط ذريعة ليخلق لنا صاحب رواية «يوليانا» خطين سرديين، الأول مُغرق في رومانسية مشرقية («وحيدة» وبحثها عن الشهرة)، والثاني يكشف عن برودة المؤسسات الرأسمالية الغربية («كريستيز» و«سوذبيز» وغيرهما من دور المزادات العريقة).

سنقرأ في رواية «فورور» عن الفن بأشكاله: الغناء والعزف والتمثيل.. وأيضاً الرسم. وسنجد في الرواية؛ إلى جانب عبد الحليم ومريم فخر الدين، فريد الأطرش وفيلمون وهبة... وفنانين تشكيليين مثل حافظ الدروبي ولوحته المشهورة «باعة البطيخ»، ويوهان غونتر ولوحته «يد الخريف». وسننتقل من بلد إلى آخر مع «وحيدة» وابنها ومشلحها البيج، بين العراق ومصر ولبنان ولندن.

لكننا نقرأ أكثر عن كيفية صناعة النجوم في كواليس تجارة الفنّ ودنيا المال والحياة المخمليَّة، وكيفية إبرام الصفقات في دار «كريستيز» وطرقها في الحصول على اللوحات المهمة والتلاعب بأسعارها لبيعها بأثمان خيالية، عبر أساليب ملتوية تعتمدها هذه الدار وغيرها لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمبادئ أو القيم الفنية. وهكذا يصبح «صابر»؛ ذلك الوسيط البسيط الذي يزوّد «كريستيز» بلوحات مهمة، شخصاً لا بد من الاستغناء عنه، لكي تتمكن الدار من الاستيلاء على الفورور الشنشيلا وأيضاً على كَمَان خاص بخالته «بدرية» عازفة الكمان المشهورة.

في الصفحة الـ73 من الرواية، يقول «الطفل صابر»: «وأنا في القاهرة كنت غير ذلك الشاب الذي حضر حفلة فريد الأطرش بمدرج لبنان في عالية. لا أملك الفضول؛ وإنما الشعور بالأسى... شيء يشبه عاطفة إطعام القطط والعصافير، والشيء الوحيد الذي رافقني هناك هو أن (وحيدة جميل) ضاعت وسط هذا العالم». أما في الصفحة الـ110، فنرى «الرجل صابر» الذي ينازع من أجل هويته... «سيلين (حبيبته) تخبرني الكثير عن نفسي، وتعرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني».

تتخيّل هذه الرواية، كما يقول الناشر، «ما لم يحدث، وما كان يُفترض به أنْ يحدث»، وهي تصوّراتٌ يتخلّلها الحبّ الجارف في زمنٍ لم يكن كاملَ الجمال، لكنَّه باهرٌ ويستحقّ أنْ يُسردَ.

إنها رواية متعددة الطبقات، فهي رواية الحنين في مقابل التوحش، والبحث عن الدفء مقابل برودة العالم الرأسمالي، ورواية رجل هو في الحقيقة لا يزال طفلاً في أعماقه، يمتهن بيع الفن في مزادات عالمية باردة تقيس القيم بالأرقام، لا بالقيمة الجمالية للفن.

و«فورور» هي الرواية الرابعة للقاصّ والروائي العراقي نزار عبد الستّار بعد «يوليانا» (2016)، و«ترتر» (2018)، و«مسيو داك» (2020).

* صحافي وكاتب سعودي