شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب

من غرداية وجربة.. إلى جبل نفوسة

شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب
TT

شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب

شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب

ظلت العلاقة بين العرب والأمازيغ في دول شمال أفريقيا تسير على ما يرام، مئات السنين. وبتفجر ما يعرف بثورات الربيع العربي وضعف السلطات المركزية في بلدان مثل ليبيا وتونس، أخذت المناوشات بين الجانبين تطفو على السطح، خاصة في ما يتعلق بإعادة صياغة الأسس التي ينبغي أن تدار عليها كل دولة في المرحلة الجديدة. وزاد من المصاعب مشكلات اقتصادية جمة. وتتهم أطراف عربية جماعات من الأمازيغ بالنزعة الانفصالية والانغلاق على الذات بعيدًا عن الدولة القومية، لكنَّ قادة للأمازيغ يقولون إن العرب، أو بالأصح «العروبيين»، يرفضون الاعتراف بالمكونات الوطنية غير العربية. وعلى خلاف الوضع في بلدان مثل العراق وسوريا، لم تعرف غالبية الدول العربية في شمال أفريقيا «الصراع الطائفي». واتخذت معظم الحركات طابعًا قبليًا أو سياسيًا أو ثقافيًا. لكن ظهرت موجات من العنف والتحفز بين الأمازيغ والعرب في العامين الأخيرين، بالتزامن مع تسريبات استخباراتية عن نشاط إيراني وحركات تبشيرية شيعية في شمال القارة السمراء، بعد عقود من العمل الإيراني في دول وسط القارة.

تكرّرت خلال الصيف الماضي أحداث عنف دامية في منطقة المزاب الجزائرية - التي تضم مدينة غرداية وبضع بلدات محيطة بها - (600 كيلومتر جنوب الجزائر العاصمة) بين الأمازيغ الذين يتبعون المذهب الإباضي، والعرب من السُنُّة المالكيين. وأدى ذلك إلى مقتل 22 شخصا وجرح نحو 700 آخرين. وتجدر الإشارة إلى أن السكان الأمازيغ في غرداية (وبلدات المزاب) في الجزائر الجزائرية وجزيرة جربة في تونس وجبل نفوسة في ليبيا، يتبعون المذهب الإباضي، الذي يختلف، إلى حد ما، عن المذهبين السني والشيعي.
وتقع الخلافات بين الطرفين العربي والأمازيغي عادة بسبب التنافس على الوظائف وملكية الأراضي والمنازل. لكنَّ مصادر أمنية تقول إن الإيرانيين حاولوا، طوال العامين الماضيين، استغلال اللغة الأمازيغية والمذهب الإباضي لتوسيع شقة الخلافات بين مكوّنات الدولة الواحدة كان آخرها في ليبيا. ووفقًا لتحقيقات تجريها الاستخبارات الليبية، يعتقد أنه في حال فشل تشكيل حكومة توافق وطني تحت رعاية الأمم المتحدة، فإن البلاد ستكون مرشحة للتقسيم إلى أربع دويلات وليس ثلاثا.
وكما سبق لـ«الشرق الأوسط» أن أشارت في تقرير لها بهذا المعنى، إلى أنه في السابق كانت الاحتمالات تقول إن ليبيا يمكن أن تتجزأ إلى ثلاث دويلات مبنية على الأقاليم القديمة، وهي إقليم برقة في الشرق وإقليم طرابلس في الغرب وإقليم فزّان في الجنوب. بيد أن التحقيقات تشير إلى أن إيران ربما كانت تعمل، على تشجيع الأمازيغ على الانفصال في دولة رابعة مستقلة، مستقبلا، في منطقة الجبل، غرب طرابلس وجنوبها، إلا أن هشام أحمادي، عضو المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، نفى في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أن يكون هناك أي نشاط إيراني في جبل نفوسة، وقال إن مقاطعة الأمازيغ للبرلمان وهيئة صياغة الدستور يرجع لمعاداة من وصفهم بـ«العروبيين الليبيين» في السلطة للمكوّن الثقافي الأمازيغي.
وخلال جولة في ليبيا هذا الأسبوع، اطلعت «الشرق الأوسط» على معلومات من تحقيقات استخباراتية ومن قادة في جمعيات دعوية سنّية، تشير إلى أن إيران، تحاول التفريق بين العرب والأمازيغ ضمن خطة تهدف إلى بسط نفوذها في شمال أفريقيا. لكن أحمادي، أضاف تعليقا على التسريبات التي خرجت حول هذا الموضع: «لقد فوجئنا بمثل هذا الكلام». وتابع «لو أردنا أن نتعامل مع الأجنبي لتعاملنا مع أميركا أو روسيا، وليس إيران».
ومع ذلك يدّعي محققون ودعاة سُنَّة في شمال أفريقيا، ومنها ليبيا، أن خطر النشاط الإيراني تزايد في الفترة الأخيرة داخل الأوساط الشبابية. وتحدث مصدر أمني في طرابلس عن أن مساعي إيران تعرّضت لضربة في العاصمة الليبية منذ وقت مبكر في مرحلة ما بعد معمر القذافي، خاصة حين أطلق مفتي ليبيا، الشيخ صادق الغرياني، صيحات تحذير مما وصفه بمحاولة الإيرانيين التدخل في الشأن الليبي، من خلال محاولتها نشر التشيع في البلاد. وجرى بعد ذلك حرق مبنى السفارة الإيرانية في طرابلس وحرق منزل السفير المواجه لها.
ولاحقًا، جرى التحقيق مع خمسة شبان على الأقل من طرابلس بعدما أعلنوا موالاتهم لمذهب آيات طهران. ووقف السُنُّة، الذين يمثلون الأغلبية في عموم البلاد، ضد محاولا التشيع، وضد مساعي بعض القيادات الجديدة التي كانت تريد فتح قنوات رسمية مع إيران. وأحرق متظاهرون مكتبة لرجل ليبي يدعى المحمودي، من أصل عراقي في الضاحية الغربية من العاصمة بعدما خصصها لترويج كتب مذهبية شيعية قيل إنها تقدح في رموز السُنُّة. وذكرت المصادر الأمنية أن فشل محاولات إيران في نشر التشيع في مناطق السنّة، ربما كان سببا رئيسيا في توجهها لاستهداف شبان وقادة محليين في منطقة جبل نفوسة ذي الأغلبية التي تتبع المذهب الإباضي.
المفتي الغرياني، دعا الأسر الليبية وأبناءها للتصدي لما وصفه بـ«الألاعيب الإيرانية»، بيد أن المصادر الأمنية تقول إن أصابع إيران ظهرت بشكل فج، بعد ذلك، في أوساط أمازيغية في الغرب، وكذلك بين مهرّبي أسلحة ومتشددين في الجنوب والشرق المتاخم للحدود المصرية. وأشارت إلى أن السلطات الليبية، وهي سلطات ما زالت ضعيفة، تجري تحقيقات حول مزاعم بشأن تحويل جهات إيرانية مبالغ مالية تصل إلى أكثر من خمسين مليون دولار لأتباع من المذهب الإباضي، بغرض تأسيس مراكز ومكتبات دينية وجمعيات خيرية.
ومن جانبه تحدث القيادي الأمازيغي، أحمادي وهو من جبل نفوسة - بثقة، عن أن ليبيا «لا يوجد فيها شيعة.. لا عائلة، ولا شخص ليبي شيعي. لا يوجد أي أثر للشيعة هنا». ويعتقد أحمادي أن من يروّج لمثل هذا الحديث «دول عربية بعينها لها عداء مع الأمازيغ في شمال أفريقيا، وتدعم العروبيين في ليبيا وفي المغرب وفي الجزائر.. هذه المعلومات موجودة لدى الاستخبارات الخاصة بنا»، كما يقول.
ما يستحق الذكر أنه منذ انتهاء نظام القذافي أصبح لدى الأمازيغ في ليبيا، مثل كثير من المناطق في هذا البلد، ما يشبه الأجهزة الأمنية الخاصة، ومجالس عسكرية لكل مدينة، وكتائب كان لها تحالف مع «قوات فجر ليبيا»، وهي تعمل الآن في طرابلس لحماية المصالح الاقتصادية للأمازيغ والعائلات النازحة هربًا من الاقتتال في بعض المناطق الغربية. ووفقا لمصادر في العاصمة الليبية فقد دخل على الخط نشاط أوروبي وفرنسي على وجه الخصوص، مع أطراف في جبل نفوسة، من خلال محاولات لرأب الصدع بين قبائل عربية وأخرى أمازيغية. وعقدت لقاءات بهذا الشأن في تونس خلال العام الماضي. بيد أن أحمادي يرفض أيضًا الإشارة إلى أي وجود فرنسي، قائلا: «للعلم.. الفرنسيون أكبر أعداء للأمازيغ تاريخيًا.. بالعكس، الفرنسيون تعاملوا مع العرب ومع الماليين، وتحالفوا ضد الطوارق الذين هم أمازيغ. الصراع قائم بين الفرنسيين والأمازيغ تاريخيا. من قام بمقاومة الاستعمار الفرنسي في الجزائر هم قبائل الأمازيغ والريفيين».
في المقابل، يقول مصدر أمني إن الوساطة الأوروبية بين قبائل أمازيغية ليبية وأخرى عربية، كانت برعاية شخصيات فرنسية، وجرت وقائعها في اجتماعات عقدت في جزيرة جربة التونسية في مارس (آذار) الماضي، إلا أن المشكلة ليست في الأوروبيين الذين يسعون لتأمين أنابيب تصدير النفط عبر البحر المتوسط من الأراضي الليبية الواقعة تحت سلطة تلك القبائل، وفقا للمصدر نفسه، بل أن المشكلة - كما يقول - تكمن في «محاولات إيران التسلل إلى داخل النسيج الليبي».
يتكون جبل نفوسة الذي يقع جنوب غربي طرابلس، ويطلق عليه الليبيون أيضًا اسم «الجبل الغربي»، من سلسلة مرتفعات صخرية تبلغ أعلى قمة فيه نحو 968 مترا، وتنبسط حول الجبل وديان تكتسي باللون الأخضر في الربيع. ومن أشهر البلدات الواقعة هناك غريان ونالوت ويفرن وجادو والقلعة والرجبان، وغيرها. ويربو إجمالي عدد سكان الجبل على 300 ألف، أغلبيتهم من الأمازيغ الذين يعتنقون المذهب الإباضي. ولأمازيغ منطقة الجبل امتداد يصل حتى البحر المتوسط من خلال مدينة زوارة الساحلية، غرب طرابلس بنحو 120 كيلومترا، وشرق الحدود التونسية بنحو 60 كيلومترا.
أيضًا، للأمازيغ أماكن أخرى في الجغرافيا الليبية خاصة في مدينة غدامس الحدودية في غرب البلاد، وفي الجنوب الغربي، حيث توجد قبائل الطوارق الشهيرة التي لها فروع في دول أفريقية عدة، منها الجزائر ومالي والنيجر، إضافة إلى انتشار فروع للطوارق في الجنوب الشرقي لليبيا، أي في بلدتي جالو وأوجلة. ولقد أدت وسائل التواصل الحديثة عبر الهواتف الجوالة والإنترنت إلى ظهور الحس القومي العابر للحدود لدى الأمازيغ. وراهنًا يرفع الأمازيغ في شمال أفريقيا علمًا موحدًا، ويوضع عادة بجوار العلم الرسمي للدولة التي يوجدون فيها. ويتكون العلم الأمازيغي من ثلاثة خطوط أفقية بالألوان الأزرق والأخضر والأصفر. وفي الوسط يوجد رمز باللون الأحمر عبارة عن عمود على طرفيه طبقان، أحدهما وجهه لأعلى والثاني وجه لأسفل. وتعكس الألوان الثلاثة الأساسية جغرافيًا الدولة الأمازيغية المفترضة، حيث إن اللون الأزرق يمثل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، والأخضر يرمز للطبيعة والجبال الخضراء الواقعة في الشمال، والأصفر يمثل رمال الصحراء الكبرى في الجنوب.
وإلى جانب علم الدولة الليبية، وضع متحدث باسم المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا علم الشعب الأمازيغي، وهو يصف يوم 28 ديسمبر (كانون الأول) حوار الصخيرات الذي توصل لحكومة توافق وطني، برعاية الأمم المتحدة، بأنه «حوار إقصائي». وقال: «المجلس لا يؤيد ولا يعارض حوار الصخيرات، ولا أي حوارات أخرى موازية ما لم يشارك فيها».
واقعة حرق مكتبة المحمودي، بما فيها من كتب شيعية في طرابلس، من الصعب أن يحدث مثلها في أوساط أتباع المذهب الإباضي في شمال أفريقيا، كما يقول الباحث الليبي محمد بو إسماعيل، وذلك «لأسباب تعود بالأساس إلى عدم وجود حساسية تذكر لدى غالبيتهم تجاه المذاهب الأخرى». ويشير بو إسماعيل إلى «تحذير دعاة من ليبيا ومن المغرب وغيرهما، من خطورة العادة الإيرانية القديمة التي تتسلل بها لاستقطاب الشباب عن طريق التشيع ثم تحويلهم إلى (ميليشيات) كما حدث في لبنان واليمن». أو كما يقول الداعية المغربي الشيخ المصطفى لقصير، في أحد محاضراته: «بمجرد التشيّع تتحول إلى عسكر».
يعتنق المحمودي المذهب الشيعي وكان قد وفد إلى ليبيا، وحصل على جنسيتها بعد سنتين من إعلان القذافي عن توجّهاته الداعية لاستعادة بناء الدولة الفاطمية الشيعية في شمال أفريقيا. وبعد سقوط نظام القذافي، ظهر أن عدد من حصلوا على الجنسية الليبية، ممن يعتنقون مذاهب شيعية وغيرها، يبلغ عدة آلاف، وينتشرون في مناطق مختلفة، خاصة في غرب العاصمة. ويعتقد مسؤولون محليون أن العدد ربما كان أكبر من ذلك بكثير.
ولم يظهر أن المحمودي متعصب لتوجهاته الغريبة على المجتمع الليبي ذي الأغلبية السنّية، إلا بعد الثورة التي أطاحت بحكم القذافي. وفي 2012 سافر مع مجموعة من النشطاء الليبيين إلى إيران، وذلك بالتزامن مع انفتاح حكام ليبيا الجدد على طهران، وتنظيم «المجلس الانتقالي» في ذلك الوقت رحلة إلى المدن الإيرانية. وبعد عودته افتتح المحمودي مكتبة لبيع الكتب والصحف في غرب العاصمة، وبدأ في التواصل مع مجموعات جديدة من الشبان الليبيين.
ويضيف الباحث بو إسماعيل أنه تلاحظ أن الكثير من ذوي الأصول العراقية واللبنانية والسورية، ممن تجنّسوا بالجنسية الليبية وتزوجوا وأسسوا أُسرا في ليبيا خلال السنوات العشر الأخيرة، انخرط عدد منهم في أنشطة لترويج كتب شيعية بعد «ثورة فبراير» تحت اسم «التقريب بين المذاهب». ثم يقول إن الفوضى التي ضربت البلاد عقب مقتل القذافي، فتحت الباب على مصراعيه لمنح الجنسية الليبية لدفعات جديدة من العرب ممن ظهر في ما بعد أنهم يعتنقون مذاهب مختلفة منها الشيعي والبهائي والعلوي.
وحتى النصف الأول من عام 2014 كان يجري منح الجنسية لمثل هؤلاء مقابل 1500 دولار. وفي تجمّعات يكثر فيها ذوي الأصول العراقية، في عدة مناطق في غرب ليبيا، حيث إنهم يعملون في التعليم والهندسة والمستشفيات، ظهرت مصطلحات من قبيل «المذهب المظلوم» و«المستبصر» أي الذي دخل المذهب الشيعي. وراجت لعدة أشهر من العام قبل الماضي مناقشات خافتة في تلك التجمعات، وأغلبها في مدينتي طرابلس ومصراتة، تدعو إلى بناء مساجد شيعية والكشف عن مصير الإمام الشيعي موسى الصدر الذي اختفى أثناء زيارته لليبيا عام 1978.
وتعد ليبيا من الدول المهمة لإيران طوال عهد القذافي الذي اعترف بثورة الخميني عام 1979، ووقف مع إيران في حربها مع العراق من سنة 1980 إلى سنة 1988. وهنأ القذافي محمود أحمدي نجاد عند فوزه في انتخابات الرئاسة عام 2009، وفي 2010 زار وزير الخارجية الإيراني ليبيا من أجل بحث التعاون الاقتصادي خاصة في مجال مشاريع النفط والغاز. ولكن ظلت المشكلة الوحيدة بين البلدين تتعلق باختفاء الصدر.
بعدها، بدأ دعاة من الليبيين السُنُّة في التصدي لمحاولات تغيير الهوية المذهبية في طرابلس وعدة مدن في الشرق. وأخذ مشروع الترويج للمذهب الشيعي في التراجع، ضمن موجة عداء لإيران وقول المفتي الليبي إن أطرافا موالية لطهران تنشر المذهب الشيعي في البلاد، وتشجع على تسفير الشبان للدراسة المجانية في المدارس الدينية الإيرانية. بينما هاجم الداعية الليبي الشيخ سالم بن عمار ما وصفه بـ«المشروع الشيعي الذي يريد موطئًا لأقدامه في ليبيا». وأضاف: «هذا هو أخطر ما يواجه ليبيا بعد سنوات من الثورة على القذافي». وجرى منع الزوار العرب الذين سبق لهم زيارة إيران من دخول ليبيا، والتدقيق في خلفيات الأجانب ممن يطلبون الزواج من ليبيات.
وفي المقابل، ظهر نشاط مماثل في بلدات في الجبل الغربي، مثل دعاوى «التقريب بين المذاهب»، وكتيبات منها «إني اهتديت» للشيعي التونسي محمد السماوي. وشجع على ذلك، كما يقول مصدر أمني ليبي، زيارة لمناطق الأمازيغ كان قد قام بها مسؤول من إحدى الدول الصديقة لإيران، وتتبنى في نفس الوقت المذهب الإباضي. ويضيف أنه توجد مراكز في جزيرة جربة التونسية لنشر المذهب الشيعي يتردد عليها ليبيون وجزائريون ومغاربة.. «ومن جربة يجري أيضًا تنظيم سفريات لشبان معظمهم من الإباضيين إلى الحوزات الشيعية في لبنان للدراسة».
وتسبب النشاط الإيراني في ليبيا في تبادل الملاسنات المذهبية والعرقية بين مواقع وقنوات تلفزيونية ليبية وأخرى محسوبة على إيران. فبينما عرضت قناة «ليبيا 1» مقابلات مع شبان ليبيين يبدون الندم بعد أن تشيعوا على أيدي أسرهم ذات الأصول العراقية، ردّت قناة «أهل البيت» بإذاعة اتصالات مزعومة ممن أطلقت عليهم «ليبيون شيعة». كما حرصت «قناة العالم» الإيرانية على التركيز على مطالب الأمازيغ في شمال أفريقيا، بينما أطلق أحد المعلقين الليبيين ما سماه «صيحة للإباضية المخدوعين بشيعة طهران». وقال الباحث بو إسماعيل، إن «مثل هذا الضجيج المذهبي لم يكن معروفا في المنطقة من قبل».
وفي محاضرة له يقول الشيخ المغربي، لقصير، محذرًا من النشاط الإيراني في الدول المغاربية، إن إيران لم تعد تدرب الشيعة في داخلها، ولكن تدربهم في معسكرات سرية في بلد آخر.. وبالتالي حين يتردد الشبان على مثل هذه المعسكرات لا يمكن أن تجد في جوازات سفرهم ختم الدخول لدولة إيران.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.