شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب

من غرداية وجربة.. إلى جبل نفوسة

شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب
TT

شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب

شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب

ظلت العلاقة بين العرب والأمازيغ في دول شمال أفريقيا تسير على ما يرام، مئات السنين. وبتفجر ما يعرف بثورات الربيع العربي وضعف السلطات المركزية في بلدان مثل ليبيا وتونس، أخذت المناوشات بين الجانبين تطفو على السطح، خاصة في ما يتعلق بإعادة صياغة الأسس التي ينبغي أن تدار عليها كل دولة في المرحلة الجديدة. وزاد من المصاعب مشكلات اقتصادية جمة. وتتهم أطراف عربية جماعات من الأمازيغ بالنزعة الانفصالية والانغلاق على الذات بعيدًا عن الدولة القومية، لكنَّ قادة للأمازيغ يقولون إن العرب، أو بالأصح «العروبيين»، يرفضون الاعتراف بالمكونات الوطنية غير العربية. وعلى خلاف الوضع في بلدان مثل العراق وسوريا، لم تعرف غالبية الدول العربية في شمال أفريقيا «الصراع الطائفي». واتخذت معظم الحركات طابعًا قبليًا أو سياسيًا أو ثقافيًا. لكن ظهرت موجات من العنف والتحفز بين الأمازيغ والعرب في العامين الأخيرين، بالتزامن مع تسريبات استخباراتية عن نشاط إيراني وحركات تبشيرية شيعية في شمال القارة السمراء، بعد عقود من العمل الإيراني في دول وسط القارة.

تكرّرت خلال الصيف الماضي أحداث عنف دامية في منطقة المزاب الجزائرية - التي تضم مدينة غرداية وبضع بلدات محيطة بها - (600 كيلومتر جنوب الجزائر العاصمة) بين الأمازيغ الذين يتبعون المذهب الإباضي، والعرب من السُنُّة المالكيين. وأدى ذلك إلى مقتل 22 شخصا وجرح نحو 700 آخرين. وتجدر الإشارة إلى أن السكان الأمازيغ في غرداية (وبلدات المزاب) في الجزائر الجزائرية وجزيرة جربة في تونس وجبل نفوسة في ليبيا، يتبعون المذهب الإباضي، الذي يختلف، إلى حد ما، عن المذهبين السني والشيعي.
وتقع الخلافات بين الطرفين العربي والأمازيغي عادة بسبب التنافس على الوظائف وملكية الأراضي والمنازل. لكنَّ مصادر أمنية تقول إن الإيرانيين حاولوا، طوال العامين الماضيين، استغلال اللغة الأمازيغية والمذهب الإباضي لتوسيع شقة الخلافات بين مكوّنات الدولة الواحدة كان آخرها في ليبيا. ووفقًا لتحقيقات تجريها الاستخبارات الليبية، يعتقد أنه في حال فشل تشكيل حكومة توافق وطني تحت رعاية الأمم المتحدة، فإن البلاد ستكون مرشحة للتقسيم إلى أربع دويلات وليس ثلاثا.
وكما سبق لـ«الشرق الأوسط» أن أشارت في تقرير لها بهذا المعنى، إلى أنه في السابق كانت الاحتمالات تقول إن ليبيا يمكن أن تتجزأ إلى ثلاث دويلات مبنية على الأقاليم القديمة، وهي إقليم برقة في الشرق وإقليم طرابلس في الغرب وإقليم فزّان في الجنوب. بيد أن التحقيقات تشير إلى أن إيران ربما كانت تعمل، على تشجيع الأمازيغ على الانفصال في دولة رابعة مستقلة، مستقبلا، في منطقة الجبل، غرب طرابلس وجنوبها، إلا أن هشام أحمادي، عضو المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، نفى في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أن يكون هناك أي نشاط إيراني في جبل نفوسة، وقال إن مقاطعة الأمازيغ للبرلمان وهيئة صياغة الدستور يرجع لمعاداة من وصفهم بـ«العروبيين الليبيين» في السلطة للمكوّن الثقافي الأمازيغي.
وخلال جولة في ليبيا هذا الأسبوع، اطلعت «الشرق الأوسط» على معلومات من تحقيقات استخباراتية ومن قادة في جمعيات دعوية سنّية، تشير إلى أن إيران، تحاول التفريق بين العرب والأمازيغ ضمن خطة تهدف إلى بسط نفوذها في شمال أفريقيا. لكن أحمادي، أضاف تعليقا على التسريبات التي خرجت حول هذا الموضع: «لقد فوجئنا بمثل هذا الكلام». وتابع «لو أردنا أن نتعامل مع الأجنبي لتعاملنا مع أميركا أو روسيا، وليس إيران».
ومع ذلك يدّعي محققون ودعاة سُنَّة في شمال أفريقيا، ومنها ليبيا، أن خطر النشاط الإيراني تزايد في الفترة الأخيرة داخل الأوساط الشبابية. وتحدث مصدر أمني في طرابلس عن أن مساعي إيران تعرّضت لضربة في العاصمة الليبية منذ وقت مبكر في مرحلة ما بعد معمر القذافي، خاصة حين أطلق مفتي ليبيا، الشيخ صادق الغرياني، صيحات تحذير مما وصفه بمحاولة الإيرانيين التدخل في الشأن الليبي، من خلال محاولتها نشر التشيع في البلاد. وجرى بعد ذلك حرق مبنى السفارة الإيرانية في طرابلس وحرق منزل السفير المواجه لها.
ولاحقًا، جرى التحقيق مع خمسة شبان على الأقل من طرابلس بعدما أعلنوا موالاتهم لمذهب آيات طهران. ووقف السُنُّة، الذين يمثلون الأغلبية في عموم البلاد، ضد محاولا التشيع، وضد مساعي بعض القيادات الجديدة التي كانت تريد فتح قنوات رسمية مع إيران. وأحرق متظاهرون مكتبة لرجل ليبي يدعى المحمودي، من أصل عراقي في الضاحية الغربية من العاصمة بعدما خصصها لترويج كتب مذهبية شيعية قيل إنها تقدح في رموز السُنُّة. وذكرت المصادر الأمنية أن فشل محاولات إيران في نشر التشيع في مناطق السنّة، ربما كان سببا رئيسيا في توجهها لاستهداف شبان وقادة محليين في منطقة جبل نفوسة ذي الأغلبية التي تتبع المذهب الإباضي.
المفتي الغرياني، دعا الأسر الليبية وأبناءها للتصدي لما وصفه بـ«الألاعيب الإيرانية»، بيد أن المصادر الأمنية تقول إن أصابع إيران ظهرت بشكل فج، بعد ذلك، في أوساط أمازيغية في الغرب، وكذلك بين مهرّبي أسلحة ومتشددين في الجنوب والشرق المتاخم للحدود المصرية. وأشارت إلى أن السلطات الليبية، وهي سلطات ما زالت ضعيفة، تجري تحقيقات حول مزاعم بشأن تحويل جهات إيرانية مبالغ مالية تصل إلى أكثر من خمسين مليون دولار لأتباع من المذهب الإباضي، بغرض تأسيس مراكز ومكتبات دينية وجمعيات خيرية.
ومن جانبه تحدث القيادي الأمازيغي، أحمادي وهو من جبل نفوسة - بثقة، عن أن ليبيا «لا يوجد فيها شيعة.. لا عائلة، ولا شخص ليبي شيعي. لا يوجد أي أثر للشيعة هنا». ويعتقد أحمادي أن من يروّج لمثل هذا الحديث «دول عربية بعينها لها عداء مع الأمازيغ في شمال أفريقيا، وتدعم العروبيين في ليبيا وفي المغرب وفي الجزائر.. هذه المعلومات موجودة لدى الاستخبارات الخاصة بنا»، كما يقول.
ما يستحق الذكر أنه منذ انتهاء نظام القذافي أصبح لدى الأمازيغ في ليبيا، مثل كثير من المناطق في هذا البلد، ما يشبه الأجهزة الأمنية الخاصة، ومجالس عسكرية لكل مدينة، وكتائب كان لها تحالف مع «قوات فجر ليبيا»، وهي تعمل الآن في طرابلس لحماية المصالح الاقتصادية للأمازيغ والعائلات النازحة هربًا من الاقتتال في بعض المناطق الغربية. ووفقا لمصادر في العاصمة الليبية فقد دخل على الخط نشاط أوروبي وفرنسي على وجه الخصوص، مع أطراف في جبل نفوسة، من خلال محاولات لرأب الصدع بين قبائل عربية وأخرى أمازيغية. وعقدت لقاءات بهذا الشأن في تونس خلال العام الماضي. بيد أن أحمادي يرفض أيضًا الإشارة إلى أي وجود فرنسي، قائلا: «للعلم.. الفرنسيون أكبر أعداء للأمازيغ تاريخيًا.. بالعكس، الفرنسيون تعاملوا مع العرب ومع الماليين، وتحالفوا ضد الطوارق الذين هم أمازيغ. الصراع قائم بين الفرنسيين والأمازيغ تاريخيا. من قام بمقاومة الاستعمار الفرنسي في الجزائر هم قبائل الأمازيغ والريفيين».
في المقابل، يقول مصدر أمني إن الوساطة الأوروبية بين قبائل أمازيغية ليبية وأخرى عربية، كانت برعاية شخصيات فرنسية، وجرت وقائعها في اجتماعات عقدت في جزيرة جربة التونسية في مارس (آذار) الماضي، إلا أن المشكلة ليست في الأوروبيين الذين يسعون لتأمين أنابيب تصدير النفط عبر البحر المتوسط من الأراضي الليبية الواقعة تحت سلطة تلك القبائل، وفقا للمصدر نفسه، بل أن المشكلة - كما يقول - تكمن في «محاولات إيران التسلل إلى داخل النسيج الليبي».
يتكون جبل نفوسة الذي يقع جنوب غربي طرابلس، ويطلق عليه الليبيون أيضًا اسم «الجبل الغربي»، من سلسلة مرتفعات صخرية تبلغ أعلى قمة فيه نحو 968 مترا، وتنبسط حول الجبل وديان تكتسي باللون الأخضر في الربيع. ومن أشهر البلدات الواقعة هناك غريان ونالوت ويفرن وجادو والقلعة والرجبان، وغيرها. ويربو إجمالي عدد سكان الجبل على 300 ألف، أغلبيتهم من الأمازيغ الذين يعتنقون المذهب الإباضي. ولأمازيغ منطقة الجبل امتداد يصل حتى البحر المتوسط من خلال مدينة زوارة الساحلية، غرب طرابلس بنحو 120 كيلومترا، وشرق الحدود التونسية بنحو 60 كيلومترا.
أيضًا، للأمازيغ أماكن أخرى في الجغرافيا الليبية خاصة في مدينة غدامس الحدودية في غرب البلاد، وفي الجنوب الغربي، حيث توجد قبائل الطوارق الشهيرة التي لها فروع في دول أفريقية عدة، منها الجزائر ومالي والنيجر، إضافة إلى انتشار فروع للطوارق في الجنوب الشرقي لليبيا، أي في بلدتي جالو وأوجلة. ولقد أدت وسائل التواصل الحديثة عبر الهواتف الجوالة والإنترنت إلى ظهور الحس القومي العابر للحدود لدى الأمازيغ. وراهنًا يرفع الأمازيغ في شمال أفريقيا علمًا موحدًا، ويوضع عادة بجوار العلم الرسمي للدولة التي يوجدون فيها. ويتكون العلم الأمازيغي من ثلاثة خطوط أفقية بالألوان الأزرق والأخضر والأصفر. وفي الوسط يوجد رمز باللون الأحمر عبارة عن عمود على طرفيه طبقان، أحدهما وجهه لأعلى والثاني وجه لأسفل. وتعكس الألوان الثلاثة الأساسية جغرافيًا الدولة الأمازيغية المفترضة، حيث إن اللون الأزرق يمثل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، والأخضر يرمز للطبيعة والجبال الخضراء الواقعة في الشمال، والأصفر يمثل رمال الصحراء الكبرى في الجنوب.
وإلى جانب علم الدولة الليبية، وضع متحدث باسم المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا علم الشعب الأمازيغي، وهو يصف يوم 28 ديسمبر (كانون الأول) حوار الصخيرات الذي توصل لحكومة توافق وطني، برعاية الأمم المتحدة، بأنه «حوار إقصائي». وقال: «المجلس لا يؤيد ولا يعارض حوار الصخيرات، ولا أي حوارات أخرى موازية ما لم يشارك فيها».
واقعة حرق مكتبة المحمودي، بما فيها من كتب شيعية في طرابلس، من الصعب أن يحدث مثلها في أوساط أتباع المذهب الإباضي في شمال أفريقيا، كما يقول الباحث الليبي محمد بو إسماعيل، وذلك «لأسباب تعود بالأساس إلى عدم وجود حساسية تذكر لدى غالبيتهم تجاه المذاهب الأخرى». ويشير بو إسماعيل إلى «تحذير دعاة من ليبيا ومن المغرب وغيرهما، من خطورة العادة الإيرانية القديمة التي تتسلل بها لاستقطاب الشباب عن طريق التشيع ثم تحويلهم إلى (ميليشيات) كما حدث في لبنان واليمن». أو كما يقول الداعية المغربي الشيخ المصطفى لقصير، في أحد محاضراته: «بمجرد التشيّع تتحول إلى عسكر».
يعتنق المحمودي المذهب الشيعي وكان قد وفد إلى ليبيا، وحصل على جنسيتها بعد سنتين من إعلان القذافي عن توجّهاته الداعية لاستعادة بناء الدولة الفاطمية الشيعية في شمال أفريقيا. وبعد سقوط نظام القذافي، ظهر أن عدد من حصلوا على الجنسية الليبية، ممن يعتنقون مذاهب شيعية وغيرها، يبلغ عدة آلاف، وينتشرون في مناطق مختلفة، خاصة في غرب العاصمة. ويعتقد مسؤولون محليون أن العدد ربما كان أكبر من ذلك بكثير.
ولم يظهر أن المحمودي متعصب لتوجهاته الغريبة على المجتمع الليبي ذي الأغلبية السنّية، إلا بعد الثورة التي أطاحت بحكم القذافي. وفي 2012 سافر مع مجموعة من النشطاء الليبيين إلى إيران، وذلك بالتزامن مع انفتاح حكام ليبيا الجدد على طهران، وتنظيم «المجلس الانتقالي» في ذلك الوقت رحلة إلى المدن الإيرانية. وبعد عودته افتتح المحمودي مكتبة لبيع الكتب والصحف في غرب العاصمة، وبدأ في التواصل مع مجموعات جديدة من الشبان الليبيين.
ويضيف الباحث بو إسماعيل أنه تلاحظ أن الكثير من ذوي الأصول العراقية واللبنانية والسورية، ممن تجنّسوا بالجنسية الليبية وتزوجوا وأسسوا أُسرا في ليبيا خلال السنوات العشر الأخيرة، انخرط عدد منهم في أنشطة لترويج كتب شيعية بعد «ثورة فبراير» تحت اسم «التقريب بين المذاهب». ثم يقول إن الفوضى التي ضربت البلاد عقب مقتل القذافي، فتحت الباب على مصراعيه لمنح الجنسية الليبية لدفعات جديدة من العرب ممن ظهر في ما بعد أنهم يعتنقون مذاهب مختلفة منها الشيعي والبهائي والعلوي.
وحتى النصف الأول من عام 2014 كان يجري منح الجنسية لمثل هؤلاء مقابل 1500 دولار. وفي تجمّعات يكثر فيها ذوي الأصول العراقية، في عدة مناطق في غرب ليبيا، حيث إنهم يعملون في التعليم والهندسة والمستشفيات، ظهرت مصطلحات من قبيل «المذهب المظلوم» و«المستبصر» أي الذي دخل المذهب الشيعي. وراجت لعدة أشهر من العام قبل الماضي مناقشات خافتة في تلك التجمعات، وأغلبها في مدينتي طرابلس ومصراتة، تدعو إلى بناء مساجد شيعية والكشف عن مصير الإمام الشيعي موسى الصدر الذي اختفى أثناء زيارته لليبيا عام 1978.
وتعد ليبيا من الدول المهمة لإيران طوال عهد القذافي الذي اعترف بثورة الخميني عام 1979، ووقف مع إيران في حربها مع العراق من سنة 1980 إلى سنة 1988. وهنأ القذافي محمود أحمدي نجاد عند فوزه في انتخابات الرئاسة عام 2009، وفي 2010 زار وزير الخارجية الإيراني ليبيا من أجل بحث التعاون الاقتصادي خاصة في مجال مشاريع النفط والغاز. ولكن ظلت المشكلة الوحيدة بين البلدين تتعلق باختفاء الصدر.
بعدها، بدأ دعاة من الليبيين السُنُّة في التصدي لمحاولات تغيير الهوية المذهبية في طرابلس وعدة مدن في الشرق. وأخذ مشروع الترويج للمذهب الشيعي في التراجع، ضمن موجة عداء لإيران وقول المفتي الليبي إن أطرافا موالية لطهران تنشر المذهب الشيعي في البلاد، وتشجع على تسفير الشبان للدراسة المجانية في المدارس الدينية الإيرانية. بينما هاجم الداعية الليبي الشيخ سالم بن عمار ما وصفه بـ«المشروع الشيعي الذي يريد موطئًا لأقدامه في ليبيا». وأضاف: «هذا هو أخطر ما يواجه ليبيا بعد سنوات من الثورة على القذافي». وجرى منع الزوار العرب الذين سبق لهم زيارة إيران من دخول ليبيا، والتدقيق في خلفيات الأجانب ممن يطلبون الزواج من ليبيات.
وفي المقابل، ظهر نشاط مماثل في بلدات في الجبل الغربي، مثل دعاوى «التقريب بين المذاهب»، وكتيبات منها «إني اهتديت» للشيعي التونسي محمد السماوي. وشجع على ذلك، كما يقول مصدر أمني ليبي، زيارة لمناطق الأمازيغ كان قد قام بها مسؤول من إحدى الدول الصديقة لإيران، وتتبنى في نفس الوقت المذهب الإباضي. ويضيف أنه توجد مراكز في جزيرة جربة التونسية لنشر المذهب الشيعي يتردد عليها ليبيون وجزائريون ومغاربة.. «ومن جربة يجري أيضًا تنظيم سفريات لشبان معظمهم من الإباضيين إلى الحوزات الشيعية في لبنان للدراسة».
وتسبب النشاط الإيراني في ليبيا في تبادل الملاسنات المذهبية والعرقية بين مواقع وقنوات تلفزيونية ليبية وأخرى محسوبة على إيران. فبينما عرضت قناة «ليبيا 1» مقابلات مع شبان ليبيين يبدون الندم بعد أن تشيعوا على أيدي أسرهم ذات الأصول العراقية، ردّت قناة «أهل البيت» بإذاعة اتصالات مزعومة ممن أطلقت عليهم «ليبيون شيعة». كما حرصت «قناة العالم» الإيرانية على التركيز على مطالب الأمازيغ في شمال أفريقيا، بينما أطلق أحد المعلقين الليبيين ما سماه «صيحة للإباضية المخدوعين بشيعة طهران». وقال الباحث بو إسماعيل، إن «مثل هذا الضجيج المذهبي لم يكن معروفا في المنطقة من قبل».
وفي محاضرة له يقول الشيخ المغربي، لقصير، محذرًا من النشاط الإيراني في الدول المغاربية، إن إيران لم تعد تدرب الشيعة في داخلها، ولكن تدربهم في معسكرات سرية في بلد آخر.. وبالتالي حين يتردد الشبان على مثل هذه المعسكرات لا يمكن أن تجد في جوازات سفرهم ختم الدخول لدولة إيران.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.