ملامح فك حصار تعز.. والراهدة في جنوب المدينة تعيد ترتيب صفوفها

قيادات سياسية في «المؤتمر» تنقلب على صالح

مقاتل من المقاومة الشعبية جرح خلال اشتباكات مع ميليشيات الحوثيين في تعز (رويترز)
مقاتل من المقاومة الشعبية جرح خلال اشتباكات مع ميليشيات الحوثيين في تعز (رويترز)
TT

ملامح فك حصار تعز.. والراهدة في جنوب المدينة تعيد ترتيب صفوفها

مقاتل من المقاومة الشعبية جرح خلال اشتباكات مع ميليشيات الحوثيين في تعز (رويترز)
مقاتل من المقاومة الشعبية جرح خلال اشتباكات مع ميليشيات الحوثيين في تعز (رويترز)

بدت ملامح فك الحصار وتحرير محافظة تعز، ثالث كبرى المدن اليمنية من حيث عدد السكان وسط اليمن، من ميليشيات الحوثي قوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، تظهر بشكل واضح، وبأن المعركة قد حسمت عسكريًا وسياسيًا بين قوات الشرعية وقوات التحالف التي تقودها السعودية.
وأعادت المقاومة الشعبية بجبهة الراهدة، جنوب مدينة تعز، ترتيب صفوفها العسكرية في الوقت الذي تواصل فيه، أيضًا، تصديها للمحاولات المستميتة التي تقوم بها ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع علي عبد الله صالح للسيطرة على مواقع جديدة، حيث تمكنت المقاومة من طرد الميليشيات الانقلابية من مدينة كرش، التي تقع بين محافظتي تعز ولحج الجنوبية وتتبع إداريًا محافظة لحج.
ويأتي ذلك في الوقت الذي تمكنت القوات المشتركة، وتحت غطاء جوي مركز ومباشر من قبل طيران التحالف التي استهدفت مواقع وتجمعات الميليشيات وسط مدينة تعز وأطرافها، بتحقيق تقدم كبير ونوعي على الأرض من خلال السيطرة على مواقع كانت خاضعة لسيطرة الميليشيات الانقلابية.
ومن جهتها، تواصل ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع علي عبد الله صالح قصفها العنيف والهستيري بمختلف أنواع الأسلحة المتوسطة والثقيلة من مواقع تمركزها في الأحياء السكنية بمدينة تعز، ثالث كبرى المدن اليمنية من حيث السكان.
واشتد قصف الميليشيات بعدما تمكنت قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية المسنودة من قوات التحالف التي تقودها السعودية من استعادة مواقع كانت خاضعة لسيطرة الميليشيات، والسيطرة على مواقع جديدة بما فيها منطقة المداح بجوار محطة سوق نجد قسيم، جنوب مدينة تعز، على الأحياء السكنية التي تخضع لسيطرة المقاومة الشعبية بما فيها أحياء الجحملية وثعبات والشماسي والمسبح والنسيرية والقاهرة وجبل صبر ومديرية المسراخ والضباب ومديرية حيفان والشريجية، مخلفة وراءها قتلى وجرحى من المدنيين بينهم أطفال ونساء.
وقال مصدر في المقاومة الشعبية بمحافظة تعز لـ«الشرق الأوسط» إن «ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح كثفت من محاولاتها البائسة في التسلل والتقدم إلى مواقع المقاومة الشعبية والجيش الوطني، معتقدة بذلك أنها ستحقق مكاسب على الأرض بهجومها المستميت بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة وارتكابها مجازر جديدة بحق المدنيين، لكنها تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، ودون أن تحقق أي شيء سوى الخسارة والانسحاب وتعويض خسائرهم في تفجير منازل المواطنين».
وأضاف أن «قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية أجبرت ميليشيات الحوثي وصالح على الانسحاب من المواقع القتالية خاصة في جبهات الجحملية وثعبات والحصب ووادي عيسى الدحي وعصيفرة والأربعين والبعرارة وجبهة الشقب، ولا تزال المواجهات عنيفة بين عناصر المقاومة الشعبية والجيش الوطني، من جهة، وميليشيات الحوثي وصالح، من جهة أخرى، والأبطال يستمرون في الدفاع عن المواقع بكل بسالة وصمود».
وأكد المصدر ذاته أن «القوات الشرعية وبمساندة قوات التحالف التي تقودها السعودية وضعت ثقلها في عملياتها العسكرية في محافظة تعز وسيطرت على أجزاء كبيرة في جبهات القتال الغربية والشرقية والجنوبية، مما يشير إلى أن المعركة الحاسمة بدأت بشكل فعلي من خلال تطهير عدد من التباب والمواقع، بما فيها استكمال أبطال الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في مديرية صبر من تطهير تباب مزعل والصالحين والسقاية بجبهة الشقب من جيوب الميليشيات».
وشهدت جبهة الشقب والأربعين وجبهة الكمب والقصر الجمهوري، أمس، مواجهات عنيفة بين القوات الموالية للشرعية والميليشيات الانقلابية، تكبدت فيها هذه الأخيرة الخسائر الفادحة في الأرواح والعتاد، مما جعلها ترتكب مجزرة جديدة في حي الكوثي من خلال قصفهم بقذائف الهاون بجوار الجامعة الأردنية وراح ضحيتها طفلان وجرح خمسة آخرين وامرأة، بالإضافة إلى استخدامهم المباني السكنية لقنص الأبرياء ونهب منازل المواطنين.
بدوره، أكد الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي أن «تعز ستظل حاملة للمشروع الوطني والوعي السياسي، ومن أجل هذا تصب الميليشيا الانقلابية جام حقدها الدفين والخبيث على المدينة لوأد صوت التنوير ومشعل الحلم والأمل الذي تحمله وتعبر عنه تعز بمدنيتها وسماحة ووعي أبنائها».
وثمن الرئيس هادي خلال استقباله، أمس، في مدينة عدن مجموعة من شباب «تجمع» تعز الذين وصلوا لمحافظة عدن في كسر للحصار الذي تفرضه ميليشيا الحوثي وصالح الانقلابية على المدينة، التضحيات الجسيمة لأبناء المحافظة في مواجهة المشروع الظلامي الحاقد على الوطن والحالم بعودة اليمن إلى ما قبل ثورتي سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المجيدتين.
وقال، بحسب وكالة «سبأ» للأنباء، إن «مشروع ولاية الفقيه الذي اتفق عليه سلفًا الحوثي وصالح في احتكار السلطة تكشفت أوراقة ورفضه جميع أبناء الوطن الذي لا يقبل بهذه التجربة الدخيلة ذات النزعة المذهبية الخطيرة المهددة للحياة السياسية والنسيج الاجتماعي لليمن».
وأشاد الرئيس هادي بالانتصارات والصمود البطولي لقوات الجيش والمقاومة الشعبية الباسلة المسنودة بقوات التحالف العربي في مواجهة ميليشيا الحوثي وصالح الانقلابية، مؤكدا أن «النصر آت وما على الجميع سوى رباطة الجأش والثبات والصبر وشد الهمم وستجر الميليشيا الهمجية أذيال الهزيمة والخزي، وستدفع ثمن ما اقترفته من جرائم يندى لها الجبين».
ومن جهتهم، تطرق شباب «تجمع تعز» خلال لقائهم بالرئيس هادي إلى ما تعانيه محافظة تعز من حرب شعواء وقصف همجي طال جميع أحياء المدينة واستهدف المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس وكل المرافق العامة والخاصة دون استثناء، وقالوا إن «الرئيس الذي استطاع أن يكسر الحصار والإقامة الجبرية التي فرضتها عليه القوى الانقلابية داخل العاصمة صنعاء قادر اليوم، وهو مسنود بالإجماع الإقليمي والدولي، على أن يفك الحصار عن تعز ويضع حدًا لمعاناة أبناء المحافظة الذين يعيشون أوضاعًا إنسانية يصعب تخيلها».
في المقابل، أعلنت قيادات وأفراد حزب المخلوع علي عبد الله صالح، حزب المؤتمر الشعبي العام، انقلابها على المخلوع صالح من خلال الدعوة للاصطفاف الوطني الشامل في تعز وكل المحافظات لمقاومة قوى الانقلاب والتمرد بهدف استعادة الدولة وإعادة بنائها.
وقالت قيادة دوائر المؤتمر الشعبي العام في محافظة تعز في بيان لها، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إنه «إزاء الأفعال الهمجية والحصار الظالم التي تفرضه الميليشيات على محافظة تعز، وقفت قيادات المؤتمر الشعبي العام في محافظة تعز أمام دعوة فروع أحزاب اللقاء المشترك في محافظة تعز للمؤتمر الشعبي العام للوقوف صفًا واحدًا في مواجهة قوى الانقلاب».
وأضافت: «يا أبناء وبنات تعز الشرفاء البطولات التي تسجلوها اليوم تشكل نموذجًا لكل أبناء الشعب اليمني للوقوف صفًا واحدًا ضد الانقلاب على الشرعية والدولة والشعب. وفي هذه اللحظة الفارقة ومع احتدام الصراع بين قوى الخير وقوى الشر يقف المؤتمر الشعبي العام بين طريقين لا ثالث لهما، إما الانحياز التام إلى جانب الوطن والشعب والثوابت الوطنية للمؤتمر الشعبي العام والمتمثلة في الجمهورية والوحدة والتداول السلمي للسلطة، أو البقاء في إطار تحالف علي عبد الله صالح مع الحوثي الذي دمر كل ما بناه المؤتمر الشعبي العام خلال مرحلة بقائه في السلطة».
وأكدت قيادة فروع دوائر المؤتمر الشعبي العام في محافظة تعز أن «قياداتها وقواعدها ملتحمة منذ وقت مبكّر مع الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في تعز وعدد من المحافظات، وأن المؤتمر الشعبي العام كان ولا يزال وسيظل وفيًا لمبادئ الثورة والجمهورية والوحدة فهي التي ناضل من أجلها منذ تأسيسه».
ودعت قيادات دوائر المؤتمر الشعبي العام في محافظة تعز «جميع قواعد المؤتمر إلى التجاوب معه وإلى المزيد من التعاون والتلاحم مع كل القوى السياسية والمقاومة الشعبية في مدينة تعز وجميع من هم في القوات المسلحة والأمن إلى الوقوف مع الشرعية والانضمام إلى الوحدات التي قاومت الانقلاب، فهم حماة لكل أبناء الوطن ولا يشرفهم أن يروا مدينتهم تعز تحاصرها الميليشيات، من الدواء والغذاء والمياه».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.