متظاهرو كييف يشكلون جهازا أمنيا وطنيا بعد فقدان «ثقتهم» بالشرطة

خطابات مستمرة لقادة الحراك وعمليات تصويت شعبية تزاحم عمل الحكومة الجديدة

أوكرانيون مؤيدون لقادة الاحتجاج يسيرون حاملين علم بلادهم مع أعلام بلدان غربية في ميدان كييف أول من أمس..  ويبدو في الخلف مبنى فيدرالية النقابة الذي طالته الحرائق («الشرق الأوسط»)
أوكرانيون مؤيدون لقادة الاحتجاج يسيرون حاملين علم بلادهم مع أعلام بلدان غربية في ميدان كييف أول من أمس.. ويبدو في الخلف مبنى فيدرالية النقابة الذي طالته الحرائق («الشرق الأوسط»)
TT

متظاهرو كييف يشكلون جهازا أمنيا وطنيا بعد فقدان «ثقتهم» بالشرطة

أوكرانيون مؤيدون لقادة الاحتجاج يسيرون حاملين علم بلادهم مع أعلام بلدان غربية في ميدان كييف أول من أمس..  ويبدو في الخلف مبنى فيدرالية النقابة الذي طالته الحرائق («الشرق الأوسط»)
أوكرانيون مؤيدون لقادة الاحتجاج يسيرون حاملين علم بلادهم مع أعلام بلدان غربية في ميدان كييف أول من أمس.. ويبدو في الخلف مبنى فيدرالية النقابة الذي طالته الحرائق («الشرق الأوسط»)

الوصول إلى «ميدان» كييف هذه الأيام، يصيب الإنسان بدهشة كبيرة، لأنه ينقله في غضون دقائق من شوارع نظيفة وهادئة على النمط الأوروبي إلى منطقة خارجة للتو من حرب حقيقية. بمجرد الاقتراب من المكان، يلحظ المرء أمرين لافتين هما: رائحة قوية ناجمة عن دخان لا يزال متصاعدا حتى الآن جراء اشتعال العجلات المطاطية للسيارات، وأغان حزينة صادرة عن منصة عملاقة وضعها المحتجون في قلب «ساحة الاستقلال» المسماة أيضا «الميدان».
تتراءى أمام زائر الميدان تدريجيا، خيام منصوبة، كثير منها لا يزال مستخدما للمبيت وإعداد الطعام وإسعاف المصابين، وشباب يرتدون ملابس عسكرية تخالهم في البداية قوات شرطة أو جيش، ثم تدرك، بعد الاستفسار، أنهم مجرد مواطنين شاركوا في الاحتجاجات وقرروا لاحقا، اعتبار أنفسهم «قوات دفاع ذاتي» من أجل الحفاظ على الأمن. ترصد أكياسا كثيرة من القمامة مكدسة وكميات هائلة من الطوب جرى اقتلاعه من الأرصفة. يرى الزائر أيضا على جدران المباني المجاورة، صورا لضحايا الحراك الذين قتلوا برصاص الشرطة ووضعت أمامهم باقات ورد تخلد ذكراهم، إضافة إلى رسوم كثيرة، تسخر بمرارة من الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين وحليفه المطاح به فيكتور يانوكوفيتش. لا يمكن للزائر أيضا أن يفوت التدقيق في بناية عملاقة طالتها نيران الحرائق باتت الرمز الرئيس للتدخل العنيف والدامي للشرطة. نسأل شابا في العشرينات من العمر، يعد الطعام أمام خيمته ويوزعه على المارة، عن البناية، فيقول إنها المقر الوطني للفيدرالية النقابية، وإن الشرطة استهدفتها بقوة في فبراير (شباط) الماضي بعدما حولها المحتجون إلى «مستشفى ميداني». أشخاص كثيرون، من السكان والسياح، لا يزالون يتدفقون على المكان، وتظهر على محياهم علامات الوجوم والقلق. نسأل شابة أوكرانية عن إحساسها تجاه المشهد والأحداث التي شهدتها البلاد، فتقول: «إنني لا أهتم كثيرا بالسياسة، لكنني حريصة على متابعة ما يجري حتى يعود لنا الأمن والسلام». ثم تشير إلى أن «غالبية من صنعوا هذه الثورة لم يكونوا يريدون سوى ظروف عيش أحسن ووقف الفساد المستشري بين المسؤولين الحكوميين». ولدى سؤالها عن علاقة الاحتجاجات برفض يانوكوفيتش توقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مفضلا عليها مساعدات سخية من موسكو، قالت الشابة بإنجليزية ضعيفة لكنها مفهومة، إن كثيرا من الشباب الأوكرانيين يرغبون بالفعل في تسهيلات تمكنهم من السفر إلى أوروبا للعمل هناك على غرار مواطني باقي دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا وجمهورية التشيك وأخيرا رومانيا وبلغاريا. وزادت قائلة إن الشباب ضاقوا ذرعا بغلاء المعيشة وتدني الرواتب.
سألتها «الشرق الأوسط» عن تحصيلها العلمي واللغات التي تتحدثها، فقالت إنها حاصلة على شهادة جامعية في المالية، وإنها مهتمة باللغات الأجنبية، خصوصا الإنجليزية التي باتت تزاحم الروسية بوصفها لغة ثانية في البلاد، مشيرة إلى أن الشباب يقبلون على تعلم الإنجليزية بكثرة، على عكس جيل والديها، الذي لا يعرف سوى اللغتين الأوكرانية والروسية. فجأة يصدر صوت مدو عبر مكبرات الصوت من منصة «الميدان» القريبة، يقطع حديثنا.. وجدتها فرصة لسؤال الشابة حتى تساعدني في فهم ما بدأ أحد قادة المحتجين ترديده.. كانت ترجمة متقطعة لكنها مفيدة، فنقلت ما مفاده أن المتحدث بدأ بشكر الناس على بقائهم في ساحة الميدان طيلة هذه المدة، وأنه «يؤكد عليهم مواصلة النضال من أجل بقاء أوكرانيا موحدة». وقال أيضا إن أوكرانيا «يجب أن تكون بلدا ذا سيادة، وترفض محاولة قوى خارجية تحاول تنظيم حياتنا هنا». ثم انتقد الحكومة الجديدة التي تشكلت بعد إطاحة نظام يانوكوفيتش لإبقائها الوجوه نفسها في مؤسستي الجيش والشرطة، مشددا على أن الشرطة فقدت مصداقيتها لدى الناس منذ قررت التدخل بقوة، وقتلت أكثر من مائة شخص، على حد قوله. بعدها عرج على التدخل الروسي الأخير في شبه جزيرة القرم، ملاحظا أن الرئيس فلاديمير بوتين يريد استخدام هذه المنطقة المتمتعة بحكم ذاتي كأداة للضغط على أوكرانيا بعد تمكن شعبها من إطاحة حليفه يانوكوفيتش. بعد قليل، أخذ المايكروفون قائد آخر للمحتجين تكلم عن النقاش الدائر حول العلم الأوكراني. سألت الشابة المترجمة عن هذه القضية، فشرحت لي أن العلم الحالي للبلاد يحمل اللون الأزرق في أعلاه والأصفر أسفله، بناء على اختيار اعتمد مع استقلال البلاد إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، وغالبية الناس اليوم ترى أن ترتيب اللونين يجب أن ينعكس، وقالت إن لذلك دلالات عبر التاريخ القديم للبلاد.
ننتقل إلى مواقع أخرى ضمن حشود المحتجين الواقفين والسائرين، ونحاول الاقتراب من أشخاص مسنين، لكنني لا أجد واحدا منهم يستطيع فهمي والرد علي بلغة أجنبية، فهؤلاء يتابعون منصة الاحتجاجات، ويستمعون للخطب المتتالية الصادرة منها باهتمام أكثر من الشباب.. الحزن البادي عليهم يقول الكثير: عشنا طويلا تحت الاتحاد السوفياتي، وبلادنا لا تزال تدفع الثمن غاليا من أجل البحث عن وجهة بين الشرق والغرب. عند التدقيق في مشهد «الميدان»، يدرك المرء أن ما حدث على مدى الأشهر الأربعة الماضية، كان كبيرا، وأن الذين صنعوه اهتموا بأدق التفاصيل. يلاحظ في مبنى مقابل للبناية المحترقة، قطعة قماش عملاقة مكتوب عليه «المركز الإعلامي للميدان».. نقترب منه، فنجده مقرا لبنك تحول إلى منبر لمخاطبة العالم برسالة المحتجين. يستقبلنا شاب ملم بكل ما حدث، ويحدثنا عن التفاصيل التي نرغب في سماعها.. يقول أوليسكي نيشيتايلو، إن «من تراهم في الميدان، من متحدثين أمام المنصة ومستمعين، ليسوا سياسيين وإنما أشخاص للدفاع الذاتي». ويوضح أن المحتجين اعتادوا البت في قرارات بشأن حراكهم، بكل ديمقراطية عبر آلية تصويت وسط الميدان، كل يوم أحد. ففي هذا اليوم الذي يمثل عطلة أسبوعية، يطرح قادة الاحتجاجات اقتراحات على الناس بخصوص الخطوات اللازم اتخاذها مستقبلا، ويحصل تصويت تلقائي، بالقبول أول الرفض. ويشير نيشيتايلو إلى أن المحتجين رفضوا عدة مرات مقترحات من السياسيين المعارضين (السابقين)، أبرزها مقترح بمنح مهلة إضافية للحوار مع نظام يانوكوفيتش. ويقول نيشيتايلو، 33 عاما، إنه يعمل في مجال المعلوماتية وتطوع ضمن الحراك الاحتجاجي بعد شعوره أن الرئيس بوتين «يريد ابتلاع أوكرانيا» وإعادتها لنفوذ موسكو على غرار العهد السوفياتي.
وبالفعل مثلما قال نيشيتايلو، طرح قادة الاحتجاجات أول من أمس أمرين وجدا قبولا لدى الناس؛ الأول هو الإعلان عن تشكيل قوة أمنية جديدة تسمى «الحرس الوطني لأوكرانيا»، وتضم كل فصائل الدفاع الذاتي القادمة من كل مناطق البلاد بما فيها القرم، والثاني تكريم الأديب الأوكراني تاراس شيفشينكو، عبر تدشين نصب خشبي له وسط الميدان، بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاده.
نترك منصة الميدان لساعات ثم نعود إليها فنجد خطابات قادة الحراك مستمرة، بل نلحظ لاحقا من الفندق القريب أنها استمرت حتى وقت متأخر من الليل. نرى مدخل نفق أحاطت به أكياس القمامة المتراكمة من كل جانب، فنحاول دخوله زيادة في إشباع فضولنا المعلوماتي، فنندهش لأنه يقود مجددا إلى عالم آخر مختلف عما هو فوق الأرض. مساحة تسوق كبيرة (مول) من ثلاثة طوابق بها كل المتاجر العالمية، ومتسوقون تبدو عليهم الرغبة في عودة الحياة إلى مجراها الطبيعي بسرعة. نلحظ مطعما راقيا مكتوبا عليه بالعربية اسم: «المطعم التتري القرمي» إضافة إلى توصيفه باللغة الأوكرانية.. يقدم وجبات تمزج بين المطبخ التركي ومطبخ منطقة آسيا الوسطى المسلمة.. نطلب شواء مدرجا ضمن قائمة «المنيو» فتعتذر المضيفة صاحبة الطربوش النسائي واللباس المطرز الخاص بمنطقة آسيا الوسطى، بأن أدوات الشواء معطلة بسبب الاحتجاجات الأخيرة. وتشير إلى أن المطعم توقف عن العمل منذ بدء المواجهات وبالكاد استأنف تقديم وجباته منذ أيام إثر تنحي يانوكوفيتش. في الطريق بين الميدان والفندق، قابلت شابا يدعى رادي، 22 سنة، وصل للتو من منطقة القرم الواقعة جنوب البلاد، التي تشهد توترا على خلفية التدخل الروسي فيها. سألته عن حياته وعما يدور هناك، فقال إنه طالب دراسات عليا في مجال علم النفس بإحدى جامعات القرم، لكنه بات قلقا على مشروع تخرجه القريب، وسفر مرتقب لاحقا إلى باريس لدراسة إحدى النظريات الفرنسية في تخصصه.
ساعات معدودة وسط «الميدان» كانت كافية لتلخيص ما جرى على مدى أشهر من دمار وسقوط أكثر من مائة قتيل. تبادر إلى ذهني سؤال حول سبب بقاء مشاهد الحرب هذه رغم سقوط يانوكوفيتش، واختيار رئيس جديد مؤقت للبلاد، لكنني عند تدقيقي فيما سمعت، فهمت أن الناس هنا خائفون على «سرقة ثورتهم» من سياسيين لا يؤمن جانبهم، والأهم من ذلك أنهم متألمون كثيرا لما حدث ولا يريدون نسيانه بسهولة.



فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.


أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
TT

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)

أعلن الجيش الأوكراني، الجمعة، أنه سيلتزم ابتداءً من الثلاثاء، هدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة للاحتلال الروسي، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

يأتي ذلك بعدما أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الروسي أن قواته ستلتزم هدنة محلية في أوكرانيا ابتداءً من الثلاثاء، للسماح بتنفيذ عمليات إنسانية في مدينة أوليشكي.

وكانت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب صرحت في إعلان مفاجئ، الجمعة، بأنها نجحت في تأمين وقف محلي لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا في مدينة أوليشكي المنكوبة، حيث لا يزال السكان عالقين ويعانون من نقص في الغذاء.

وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «بهدف تنفيذ عملية إنسانية في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة لاحتلال مؤقت، ترسي أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار في منطقة محددة، ابتداء من الساعة الثالثة فجر يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) بتوقيت كييف».

وفي منشور على المنصة الروسية «ماكس»، أكد الجنرال فاليري غيراسيموف رئيس هيئة الأركان العامة أن قواته ستلتزم هذه الهدنة «ابتداءً من الساعة 04:00 (01:00 بتوقيت غرينتش) في 27 أكتوبر 2026»، في إطار «العملية الإنسانية الجارية في محيط» مدينة أوليشكي.

وأشار إلى أن الهدنة ستُطبّق «في محور خيرسون»، من دون التطرق إلى تفاصيل إضافية عن نطاقها الجغرافي أو مدتها.

وأوضح أن قواته ستجري «استطلاعاً تقنياً» على الأرض لضمان إيصال المساعدات الإنسانية وسلامة المدنيين في هذه المنطقة الشديدة الخطورة على الجبهة.

ويواجه سكان أوليشكي نقصاً متزايداً في المواد الغذائية والأدوية. وتقر كل من أوكرانيا وروسيا بوجود أزمة إنسانية في المنطقة، لكنهما تتبادلان الاتهامات حول المسؤولية عن هذا الوضع، بحيث يتهم كل طرف الآخر بعرقلة إيصال الإمدادات الغذائية وتنفيذ عمليات الإجلاء.

وسيطرت القوات الروسية على مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا، عام 2022 في مستهل الغزو. وتعرضت المدينة لأضرار جسيمة من جراء تدمير سد كاكوفكا عام 2023، ما تسبب في فيضانات مدمرة على طول نهر دنيبر. وتتبادل موسكو وكييف الاتهامات بالمسؤولية عما حصل. وانخفض عدد سكان المدينة من نحو 24 ألف نسمة إلى نحو ألفي نسمة حالياً.