وكيل الأزهر: السعودية تواجه إرهابًا يحاول النيل من الأمة.. والتحالف الإسلامي «مصد المؤامرات»

د. عباس شومان وصف الاعتداء على سفارة الرياض في طهران بـ«الفظ»

الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر («الشرق الأوسط»)
الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر («الشرق الأوسط»)
TT

وكيل الأزهر: السعودية تواجه إرهابًا يحاول النيل من الأمة.. والتحالف الإسلامي «مصد المؤامرات»

الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر («الشرق الأوسط»)
الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر («الشرق الأوسط»)

رفض الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر، محاولات بعض الدول للتدخل في شؤون السعودية الداخلية، وقال إن «السعودية لها الحق في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على أمنها»، وذلك في تعقيبه على حكمها الأخير بتنفيذ الإعدام بحق 47 إرهابيا. ووصف، في حوار مع «الشرق الأوسط» بمكتبه بمقر مشيخة الأزهر بالقاهرة، مشهد حرق السفارة السعودية في طهران بـ«الفظ»، مضيفا أن «الأمة الإسلامية الآن في حاجة ماسة للتحالف الإسلامي العسكري.. وهو خطوة لتحقيق وحدتها وتضامنها، وللتصدي لكل المؤامرات التي تحاك ليل نهار ضد الأمة الإسلامية».
وقال الدكتور شومان، وهو الأمين العام لهيئة كبار العلماء بمصر، إن «السعودية تقوم بمجهودات كبيرة، أراها واجبة على كل الدول الإسلامية، لمواجهة الجماعات المتطرفة وفي مقدمتها تنظيم داعش الإرهابي»، مؤكدا أن «الأزهر لا يستطيع تكفير (داعش)، لأن الحكم بالتكفير إنما هو اختصاص القضاء».
ووجه الدكتور شومان، الذي يعد الرجل الثاني في مشيخة الأزهر، رسالة لقيادات جماعة الإخوان الهاربين خارج مصر، قائلا: «عودوا لرشدكم بدلا من دعواتكم الكثيرة للتخريب»، مؤكدا أن دعواتهم للتظاهر في الذكرى الخامسة لـ«ثورة 25 يناير» خيانة. وفي ما يلي أهم ما جاء في الحوار:
> دعا الأزهر وهيئة كبار العلماء لعدم التدخل في شؤون السعودية عقب اقتحام متشددين إيرانيين مقر سفارتها وقنصليتها في طهران.. كيف ترى التعدي السافر والتدخل في شؤون السعودية من جانب إيران.. وما تعقيبكم على حكم السعودية بإعدام 47 إرهابيا؟
- الأزهر ضد التدخل في الشؤون الداخلية للدول خاصة السعودية، أما المشهد «الفظ» الذي أحاط بحادث السفارة السعودية في طهران فلن يؤدي إلى حل المشكلات العالقة.. أما أحكام الإعدام التي أصدرتها السعودية في حق 47 شخصا، من بينهم «شيعي»، فأقول: كل دولة لها الحق في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على أمنها.
> أطلقت السعودية التحالف الإسلامي للتصدي لأفكار الجماعات المتطرفة وفي مقدمتها «داعش».. كيف ترون تكوين هذا التحالف الآن؟
- الأمة الإسلامية اليوم في حاجة ماسة إلى ما يحقق لها وحدتها وتضامنها، ولا شك أن إطلاق السعودية للتحالف الإسلامي يعد خطوة مهمة تأخرت كثيرا، فالتكامل العسكري بين الدول الإسلامية أمر في غاية الأهمية، وليس بالضرورة أن يكون للمسلمين جيش واحد وقيادة واحدة؛ لكن تكفي الخطوة الأولى بتوقيع اتفاقات بين الدول الإسلامية للدفاع المشترك ضد أي اعتداء يقع على أي دولة إسلامية، ولا مانع من تكوين تحالف على غرار «حلف الناتو» مثلا تشارك فيه جميع الدول الإسلامية، وتحدد اتفاقياته كيفية تعامله وتدخله عند حدوث الأزمات دون تعقيدات ومفاوضات قد لا يحتملها الوقت.. فما يمر به العالم من أحداث مؤسفة أصابت كثيرا من البشر في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ومن كوارث متلاحقة، لم يكن عالمنا الإسلامي بمعزل عنه؛ بل نال أمتنا الإسلامية منه ما لم ينل غيرها من الأمم، ونجح أعداء أمتنا في النيل من العديد من دولنا الإسلامية بأساليب متعددة، منها بث الفتن التي أشعلت حروبا عسكرية بين دول إسلامية كما حدث بين العراق وإيران، وربما بين دول تنتمي إلى الهوية ذاتها كما حدث بين العراق والكويت، ومنها الاستهداف الاقتصادي، واستخدام ذرائع وأكاذيب كادعاء دعم بعض الدول الإسلامية للإرهاب، وهو ما ترتب عليه تدمير أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا واليمن بأيديهم (أعداء الأمة) وأيدي بعض أبناء هذه الدول للأسف الشديد.. وكذلك غض الطرف عن الفظائع التي تُرتكب من دول وجماعات عنصرية كإسرائيل التي تُنكل بأصحاب الأرض المغتصبة وتقتل الأطفال والشيوخ والنساء من الفلسطينيين على مرأى ومسمع من العالم أجمع، وسكوت العالم على الجرائم التي ارتكبت في البوسنة والهرسك وفي الشيشان وغيرهما من بلاد المسلمين، فضلا عن الصمم والعمى الذي أصاب العالم عن الفظائع التي كادت تُجهز على وجود أي أثر للمسلمين كما يحدث في بورما حتى وقتنا هذا.
> وماذا عن الجماعات الإرهابية؟
- كان من آخر مصائب عالمنا الإسلامي تلك الجماعات الإرهابية التي زُرعت بيننا برعاية ودعم كبير من أعداء الأمة التاريخيين، واتخذت من خلافات محلية وقودا لتنفيذ مخططات تستهدف الإسلام والمسلمين.. والأدهى والأمرّ أنها تتستر بالدين وتتسمى باسمه، وديننا من هذه الفظائع التي ترتكب في حق جميع البشر براء «براءة الذئب من دم ابن يعقوب».. لذلك نأمل أن يكون للتحالف الإسلامي دور مهم في الوقوف والتصدي لكل المؤامرات التي تحاك «ليل نهار» ضد الأمة الإسلامية.
> في رأيك.. كيف تتحقق وحدة المسلمين؟
- حتى تتحقق هذه الوحدة يلزمنا القيام ببعض الأمور، منها القناعة بأن هذه الوحدة هي سبيلنا الأوحد وخيارنا الاستراتيجي الذي لا بديل عنه، والإيمان بالتعددية المذهبية والفقهية، وعدم سعي فريق للاستحواذ على فريق آخر أو النيل من معتقداته، والسعي الحثيث لإحداث تقارب بين السنة والشيعة، ونبذ صور التعصب المقيت الذي يباعد بين الطرفين ويضع العراقيل التي لا يمكن معها تحقيق أي وحدة بين المسلمين، واحترام أنظمة الحكم وقوانين كل دولة من دول المسلمين وعدم التدخل في شأنها الداخلي.
> وما رأيكم في ما تقوم به السعودية بشأن التصدي للجماعات المتطرفة وفي مقدمتها «داعش»؟
- السعودية تقوم بجهود كبيرة أراها واجبة على كل الدول الإسلامية لمواجهة الأفكار والسموم التي تحاول النيل من الأمة وشبابها، فوجود مثل تلك الجماعات المتطرفة خاصة «داعش» هدفه الأساسي تدمير الأمة بتدمير عقيدتها، وما نسمعه يوميا من فتاوى داعشية ما هو إلا خطة محكمة تهدف لتدمير وتشويه التراث الإسلامي.. ومن هنا يجب على جميع الدول الإسلامية التصدي لهذه السموم الفكرية.
> المواجهة الفكرية أحد أركان التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب.. ما هي رؤيتكم في التصدي للتطرف فكريا؟
- حتى يتم التصدي لهذا الفكر الإرهابي المتشدد الذي يحاول تدمير العقيدة وهدم الدين، يجب الاتفاق على معايير ومنطلقات محددة تضبط حركة الفكر الإسلامي لنبني خطابا غير متنافر ولا متضارب ينطلق من ثوابت الدين، مستفيدا من تراثنا ومناسبا لزماننا، وهذا يقتضي تبني مناهج تعليمية متوازنة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتراعي التفاوت الثقافي بين الدول والشعوب، مع تبادل الخبرات بين المؤسسات التعليمية والدعوية والثقافية في الدول الإسلامية.
> يتردد من وقت لآخر انضمام أجانب لـ«داعش»، والكثيرون في الغرب طالبوا الأزهر أكثر من مرة بإصدار فتوى لتكفير «داعش».. هل يحتاج العالم لمثل هذه الفتوى؟
- إن الحديث عن خطورة الفكر التكفيري يدعونا إلى الاستفادة مما قدمه العلماء الثقات من أنحاء المعمورة، الذين أجمعوا على خطورة الفكر التكفيري، وبينوا للناس أن ديننا دين السماحة يأبى تكفير الناس إلا بيقين، وأنه لا مجال لتكفير من نطق بالشهادتين؛ إلا بجحدهما جملة أو إحداهما، أو أنكر ما عُلم من ديننا بالضرورة، كما بينوا أن الحكم بالتكفير إنما هو من اختصاص القضاء.. أما العلماء فمجال حديثهم في التكفير يقتصر على التحذير منه، وبيان خطورته، وتوضيح الأمور المكفرة دون إسقاط أحكام الكفر على الناس كما يحلو لكثير من مدعي العلم في زماننا.
> وما رأيكم في تكفير «داعش» للمجتمعات وكل من يخالفه؟
- أمر هؤلاء يثير الشفقة عليهم في نفوس العلماء العارفين بخطورة التكفير، ويكفي لبيان غفلة هؤلاء المكفرين قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رُدت إليه»، ولعلهم سمعوا يوما قول رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) لسيدنا أسامة بن زيد (رضي الله عنه) منكرا قتله لرجل قال «لا إله إلا الله» حين أدرك أنه مقتول: «فهلا شققت عن قلبه؟»، وإنكاره كذلك (صلى الله عليه وسلم) على سيف الله المسلول خالد بن الوليد (رضي الله عنه) قتله جماعة في معركة بعد أن قالوا «صبأنا»، وهي مجرد كلمة لا تعني أكثر من الخروج من دين إلى دين آخر، ولذا تصدق على من خرج من الإسلام إلى الكفر، وعلى من خرج من اليهودية إلى النصرانية، ولا تختص بالدخول في الإسلام أو الخروج منه، ومع ذلك رآها رسولنا (صلى الله عليه وسلم) كافية وموجبة للتوقف عن قتالهم حتى يعلم حقيقة أمرهم، لاحتمال دخولهم في الإسلام؛ حيث كانوا يقاتلون عليه، ولذا أنكر رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) على سيدنا خالد (رضي الله عنه)، وتبرأ من فعله، فقال: «اللهم إني لم آمر، ولم أشهد، ولم أرض إذ بلغني.. اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد». فإذا كان مجرد الشبهة كافيا لعصمة النفس، وإن احتمل وجود الكفر فيها، فما بالنا بأناس يكفرون قوما يصلون ويصومون ويزكون ويحجون لمجرد اختلافهم معهم في أمر من أمور الدنيا، قد يكون اعتناق نهج سياسي لا يرضي حملة صكوك التكفير والإيمان ممن ابتلينا بهم ممن يحسبهم الناس من علماء الزمان وليسوا كذلك؛ بل إن العالم الحقيقي لا يحكم بكفر شخص احتمل الكفر من ألف وجه واحتمل الإيمان من وجه واحد، حذرا من أن يكفر مؤمنا فيكفر؟
> يحاول بعض عناصر جماعة الإخوان من وقت لآخر تكدير العلاقة بين مصر والسعودية.. كيف ترون هذه العلاقة الآن، وما تقييمكم لدور علماء السعودية في لم الشمل العربي؟
- العلاقة بين الرياض والقاهرة لا يمكن لأي فصيل كان أن يعكرها لأسباب كثيرة منها، أن مصر والسعودية تقفان على ثغر مهم، وهو ثغر حماية الأمة فكريا وعقديا، وما يبذله علماء الأزهر بمصر والسعودية مهم وحيوي لمواجهة أي فكر يحاول النيل من العلاقة، وأعتبر تلك المحاولات (أي محاولات «الإخوان» للوقيعة بين البلدين) بمثابة الحرث في الماء، ويكفي أن القيادة السياسية في البلدين تعي جيدا تلك المؤامرات ولا تأبه لها.
> هناك من يحاول تأجيج الخلاف السني - الشيعي في المنطقة.. ما تعليقكم؟
- من أهم وسائل إيقاع الشقاق بين المسلمين تقسيمهم إلى مذاهب عقدية، أي تقسيمهم إلى سنة وشيعة، وإذكاء روح الخلاف بينهم ليصل إلى اتهام بعضهم للبعض الآخر بالبعد عن الإسلام. ولقد وقع هذا الاختلاف العقدي في فجر الإسلام قبل انتهاء زمن الخلافة الراشدة، وانقسم الناس إلى سنة وشيعة وخوارج في زمن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فلم يكفر أحدا منهم؛ بل رفض تكفيرهم، قائلا «إخواننا بغوا علينا»، وكان يقول للخارجين عليه: «لكم علينا ألا نمنعكم مساجد الله ولا نبدؤكم بقتال».. ولذا فإن هذا التباعد بين المسلمين السنة والشيعة يمكن تضييق فجوته بالاتفاق على الثوابت التي تحترم الآخر وما يعتقده، واحترام آل بيت النبوة وصحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بحيث يبقى الإسلام هو الشجرة التي يستظل الجميع بظلها الوفير، ومن ثم لا تكون هناك حاجة لأن يسعى السنة إلى جلب الشيعة إلى مذهبهم، ولا لأن يلجأ الشيعة إلى تشييع السنة. وأسوق لك مثالا بمكتبة الأزهر العامرة بكتب المذهب الشيعي التي يمكن رجوع الطلاب المتخصصين في المذاهب إليها وقتما شاءوا، وهذا أمر لا غبار عليه من الناحية الأكاديمية والبحثية، فضلا عن أن الأزهر يدرس مذهبين من مذاهب الشيعة ضمن المذاهب الفقهية المعترف بها «الإمامية والزيدية»، ويتم الاستدلال منهما في الرسائل العلمية الفقهية، وكتابات علماء الأزهر وفي مقدمتهم شيخ الأزهر تستشهد بعبارات من كتب المراجع الشيعية المعتدلة.
> كيف تردون على الهجوم الإعلامي على الأزهر عقب تنظيمه مسابقة عن «فكر الشيعة» للطلاب الوافدين؟
- الأزهر عبر تاريخه مركز لوحدة المسلمين، فهو الذي ابتكر «التقريب» بين السنة والشيعة أيام كان التشيع مذهبا.. وأقول لمن يتهمونه «الأزهر ليس خادما للسياسات والتوسعات وإثارة القلاقل والفتن»، خاصة أن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب طالما دعا - ويدعو- لاجتماع سني شيعي بالأزهر لإصدار فتاوى من المراجع الشيعية ومن أهل السنة، تُحرم قتل الشيعي للسني وقتل السني للشيعي؛ لإنقاذ الأمة مما نصبه لها المتآمرون والمخططون.. لكن السؤال: لماذا يصرون دائما على نشر التشيع؟ فالأمة اليوم لا تحتاج من السني أن يتشيع ولا من الشيعي أن يكون سنيا، والأزهر من واجبه تحصين عقائد أهل السنة والحفاظ على وحدة واستقرار بلدانهم.
> ما رأيكم في دعوات التخريب التي تهدد بها جماعة الإخوان خلال الذكرى الخامسة لـ«ثورة 25 يناير»؟
- الشعب المصري أصبح أكثر وعيا وإدراكا من ذي قبل، ولا يمكن أن تحركه دعوة آتية من هنا أو هناك، فهو لا يتحرك إلا لمصلحة الوطن ولا يستجيب لدعوات تخريبية لا أراها إلا خيانة للدين والأوطان، ولن يكتب التاريخ لها أي نجاح.
> ما تعليقكم على فتاوى قيادات «الإخوان» الهاربين لضباط الجيش والجنود بترك عملهم والتمرد لتهديد النسيج المجتمعي بمصر؟
- دعهم يطلقوا الفتاوى والدعوات، فجيش مصر وطني لا يمكن أن يستجيب إلا لنداء الشعب فقط، وهو ما حدث عبر التاريخ.. وأعتبر ذلك منهم ضعفا وانهزامية، فيجب عليهم أن يعودوا لرشدهم، وبدلا من الدعوة لتخريب وطنهم الذي باعوه بهروبهم للخارج، عليهم أن يعيشوا في البلاد التي اختاروها خارج مصر «بلا صخب»، ويشاهدوا فقط كيف تتقدم وتزدهر مصر من دونهم بإذن الله.



الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended