تجاوز أزماتنا يستوجب الدخول في عصر الاشتباه والشك

تراجع الفلسفة ودورها يعد سببًا رئيسيًا في جمود الفكر وانغلاقه وفي التشدد

تجاوز أزماتنا يستوجب الدخول في عصر الاشتباه والشك
TT

تجاوز أزماتنا يستوجب الدخول في عصر الاشتباه والشك

تجاوز أزماتنا يستوجب الدخول في عصر الاشتباه والشك

في محاضرة للفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشال فوكو (1926 - 1984)، قال إن الفلسفة دخلت منذ بداية القرن العشرين، ما يسمى «عصر الاشتباه»، حيث أصبح كل شيء مجالا للشبهة والشك والريبة. فمع فريدريك نيتشه (1844 - 1900)، أصبحت قيمة القيم مثار شبهة، من حيث إن كل القيم النبيلة تقوم على أساس وضيع هو المنفعة البحتة، بالإضافة إلى هدم مركزية العقل وتفتيت سيطرته، غير المشروعة، على أشكال السلوك والفكر الإنساني كافة. ومع كارل ماركس (1818 – 1883)، أصبحت الآيديولوجيا مجالا للتلاعب بالعقول وتزييف الوعي، لتكريس وضع طبقي يحمي مصالح أصحاب رؤوس الأموال، في مقابل وضع طبقي يبقي الفقراء على حالهم. ومع سيغموند فرويد (1856 – 1939) أصبح كل فعل إنساني بمثابة رد فعل لما يدور في العقل الباطن، باعتباره مخزنا للغرائز المكبوتة كافة. من هنا، نجد أن أغلب إسهامات الفلاسفة المعاصرين، تدور في الفلك نفسه. فقد انطلقت الفنومنولوجيا من التشكك في جدوى الفلسفة وأهمية دورها في مقابل التطور العلمي الكاسح. وانطلقت الوجودية من التشكك في فهم معنى وقيمة الوجود الإنساني في شكليه العام والخاص، وكذلك البنيوية، التي شكك أبرز روادها، ليفي شتراوس، في أفكار من قبيل التفوق العلمي، والتحضر للإنسان الحديث في مقابل الإنسان البدائي بوصفه أقل ذكاء وأدنى منزلة. بالإضافة إلى تيارات النقد الأدبي، وعلى رأسها التفكيكية التي شككت في براءة النص، باعتباره مجالا لممارسة السلطة من جانب المؤلف على القارئ، وغيرها.
ولعل هذا هو ما وضع فكرة «الحقيقة» أيضا في مرمى نيران الشك، حيث أصبحت متغيرة من عصر إلى عصر، وقابلة للتعديل والتجاوز. فقد تجاوز الفلاسفة فكرة الحقيقة المطلقة التي لا يطالها الشك من قريب أو من بعيد. بل سيطرت فكرة النسبية على مناحي العلوم الإنسانية كافة. وفي ميدان العلم أيضا، لم يعد هناك مكان لفكرة الحتمية. بل إن دور العالم هو وضع الفروض واختبار صحتها لمحاولة إثبات صحة أكثر الفروض احتمالية، مع الوضع في الاعتبار، أن هذا الفرض يظل فرضا احتماليا قابلا للتغيير، بل قابلا للنفي أيضا، مع التطور العلمي يوما بعد الأخر.
غير أن الاشتباه في شيء هو، بـ«تعبير ديكارتي»، شك في يقينية هذا الشيء. والشك دلالة على النقص. وحيثما كان هناك نقص يكون هناك سعي نحو الكمال. فاعتقادي أن معرفتي ناقصة يدفعني نحو تحصيل المزيد، والأمر بالمثل بالنسبة للحقيقة. أما الاعتقاد بالوصول إلى حقيقة يقينية مطلقة، فيقود إلى التوقف عن إعادة فحصها. بل الأخطر من هذا، هو الدفاع عن هذه الحقيقة حد الموت.
ربما هذا ما يفسر ظاهرة خطيرة تهدد المجتمع العالمي منذ سنوات، وهي ظاهرة الإرهاب. فمن يقوم بتفجير نفسه هو شخص لديه إيمان راسخ بمجموعة من الأفكار التي تشكل لديه حقائق يقينية غير قابلة للنقاش، وغير قابلة للمراجعة، آمن بها حد الموت. ليس هذا وحسب، ولكنه يسعى لإخضاع الجميع لهذه الحقائق بالقوة المسلحة، أما البديل فهو القتل. وثمة نظرة فاحصة لهذا المشهد، تكشف لنا عن أمرين غاية في الأهمية والخطورة معا:
أولهما، هو نشأة الإرهاب وتشكُل خلاياه في بلدان العالم العربي، حيث خرج هذا الفكر من عباءة الجماعات المتطرفة التي لا تقبل الجدال في حقيقة أفكارها ومعتقداتها.
وثانيهما، هو التراجع الملحوظ لدور الفلسفة وغياب الفلاسفة داخل العالم العربي، فلدينا مشتغلون بالفلسفة وأساتذة لها، ولكن ليس لدينا فلاسفة، بل أكثر من هذا فقد حُمِّلَ مفهوم الفلسفة بالكثير من المضامين الساخرة، وأصبح ينظر إلى المهتمين بالفلسفة كمرضى نفسيين، وأناس يعانون من الفراغ، ويتشدقون بمصطلحات عصية على الفهم، وحديثهم لا طائل من ورائه.
اقتران هذين العنصرين ليس من قبيل الصدفة، ولكن تراجع الفلسفة وانحسار دورها داخل مجتمعاتنا، كان سببا رئيسيا في جمود الفكر وانغلاقه وتشدده أيضا. فلا شك في أن للفلسفة دورا مهما في التأثير على المجتمعات، يتمثل هذا الدور بشكل أساسي، في خلخلة المسلمات والبديهيات، واختبار كل ما اعتبره الإنسان يقينا، ومراجعة كل ما اعتبره حقيقيا. فالإنتاج الفكري هو، في الأساس، إنتاج قابل للتعاطي معه والأخذ والرد، إنتاج منوط به إحداث تغيير وإلا أصبح بلا جدوى.
لا شك في أن ثمة عناصر أخرى قد تتداخل في هذا المشهد، لتكون سببا أساسيا لانتشار التطرف والإرهاب، كأن تمول بعض الدول الغربية الجماعات الإرهابية، هذا في الوقت الذي تحاول فيه هذه الدول إقناع المجتمع العالمي أنها تحارب الإرهاب. ورغم قناعة هذه الدول بأن تمويل الجماعات المتطرفة هو عملية شراء لولاء هذه الجماعات، وترحيل للعمليات الإرهابية خارج حدودها، إلا أن هذه الدول لم تنشئ هذه الجماعات، ولم ترسم لها أفكارها، ولم تصبغ عقولها بالتطرف. هذا ليس دفاعا عن هذه الدول. فتمويل الإرهاب جريمة لا تقل خطورة عن الإرهاب ذاته. لكن حقيقة الأمر، هي أن الجماعات المتطرفة دائما ما تقترن بالعالم العربي. فلا حل لمشكلة بالتعالي عليها أو الهروب منها، ولكن أولى خطوات الحل تكمن في الاعتراف بوجودها، ثم تشخيص حل لها. والحقيقة التي ينبغي علينا الاعتراف بها، هي أننا نعاني من التطرف الفكري، لا نقبل الآخر ولا نقبل النقد. لا نقوى على مجابهة الآخر بالحجة والبرهان والدليل.
وربما يرى البعض أن الحديث عن تراجع الفلسفة في مقابل تنامي التطرف هو محاولة لإعطاء الفلسفة أكثر مما تستحق، ومبالغة ليست في محلها. قد يرجع البعض أسباب تأخر مجتمعاتنا وبزوغ التطرف، إلى تراجع الاهتمام بالثقافة والتعليم، وإلى تراجع تصنيف الجامعات العربية مئات المراحل، ولا اعتراض على هذا. لكن الفلسفة وحدها كفيلة بأن تفتت غرور امتلاك الحقيقة المطلقة. فلا تطمع الفلسفة في أكثر من الدهشة التي ترتسم على وجهك عندما تقرأ فيلسوفا يحطم بمطرقة كل ما اعتبرته يوما أوثانا مقدسة. لا تبغي الفلسفة أكثر من الحيرة التي تقع في براثنها عندما تضبط نفسك قد بدأت تتجاوب مع فكرة كنت ترفضها. لا تنشد الفلسفة أكثر من استفزاز طاقاتك الذهنية حتى تفكر، حتى تقاوم بالفكر، حتى تختار بنفسك قناعاتك عن فهم وعن خبرة. فقد نشأت الفلسفة من الحيرة والدهشة التي تبعث على التساؤل عن كل ما هو تقليدي ومألوف ومعتاد في حياتنا.
كيف نخرج من هذه الأزمة إذن؟
الإجابة عن مثل هذا السؤال، تكمن في وجود إرادة حقيقية لعبور الأزمة. فلا يصح أن نشجب وندين الإرهاب، في الوقت الذي نمارس فيه إرهابا فكريا لا يقل خطورة عما تمارسه الجماعات المتطرفة من أعمال عنف. وإذا كانت هناك نية وإرادة حقيقية لعبور الأزمة، فمواجهة الفكر لا بد أن يكون بالفكر والحجج والإقناع.
لقد اجتاز الغرب كل ما نمر به من مراحل، بل ما هو أشد ضراوة منها. ففي العصور الوسطى، حين كانت الكنيسة تسيطر على مقاليد الحكم، كانت هناك محاكم التفتيش التي كان على رأسها مجموعة من الباباوات، وعانى منها الكتاب والمفكرون والعلماء، أمثال غاليليو غاليلي، عندما قال بدوران الأرض، وجيوردانو برونو الذي تم حرقه وحرق كتبه، وكوبرنيكوس وغيرهم.
وحتى نتجاوز هذه المراحل بأقل الخسائر الممكنة، علينا أن نفسح مكانا للاحتمال والخطأ والتغير. وأن نتواضع قليلا. وأن نضع أفكارنا ومعتقداتنا على محك الاختبار والمراجعة الدائمة. وذلك بأن نطلق عنان الفكر. يجب أن ترعى مجتمعاتنا العربية المبدعين والموهوبين والمفكرين، فهذا هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة ومواجهة التطرف. علينا أن ندخل عصر الاشتباه.

* مدرس الفلسفة المعاصرة بكلية الآداب بجامعة حلوان



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.