الائتلاف الحاكم والمعارضة يوقعان «خارطة طريق» في تونس

حسين العباسي لـ {الشرق الأوسط}: التوصل إلى هذه الخطوة كان في غاية الصعوبة والتعقيد

الرئيس التونسي المنصف المرزوقي يتوسط كلا من رئيس الوزراء علي العريض ورئيس المجلس التأسيسي (البرلمان) مصطفى بن جعفر أثناء جلسة الحوار الأولى بين الائتلاف الحاكم والمعارضة في تونس أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التونسي المنصف المرزوقي يتوسط كلا من رئيس الوزراء علي العريض ورئيس المجلس التأسيسي (البرلمان) مصطفى بن جعفر أثناء جلسة الحوار الأولى بين الائتلاف الحاكم والمعارضة في تونس أمس (أ.ف.ب)
TT

الائتلاف الحاكم والمعارضة يوقعان «خارطة طريق» في تونس

الرئيس التونسي المنصف المرزوقي يتوسط كلا من رئيس الوزراء علي العريض ورئيس المجلس التأسيسي (البرلمان) مصطفى بن جعفر أثناء جلسة الحوار الأولى بين الائتلاف الحاكم والمعارضة في تونس أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التونسي المنصف المرزوقي يتوسط كلا من رئيس الوزراء علي العريض ورئيس المجلس التأسيسي (البرلمان) مصطفى بن جعفر أثناء جلسة الحوار الأولى بين الائتلاف الحاكم والمعارضة في تونس أمس (أ.ف.ب)

وقع الائتلاف الثلاثي الحاكم والمعارضة التونسية، أمس، على وثيقة «خارطة طريق» تنص على تشكيل حكومة مستقلين لإخراج البلاد من الأزمة السياسية الحادة التي اندلعت إثر اغتيال المعارض محمد البراهمي في 25 يوليو (تموز) الماضي، وسط أجواء من التوتر والترقب رافقت العملية السياسية ودامت أكثر من ثلاث ساعات من التأخير، وفي ظل شائعات عن فشل الحوار السياسي قبل انطلاقه.
ووقع خارطة الطريق عن الائتلاف الثلاثي الحاكم راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، والمولدي الرياحي القيادي في حزب «التكتل»، فيما تسلم عماد الدايمي الأمين العام لحزب «المؤتمر» الذي أسسه الرئيس التونسي المنصف المرزوقي نسخة من خارطة الطريق ورفض التوقيع عليها.
وعن المعارضة وقع الخارطة الباجي قايد السبسي رئيس حزب «نداء تونس»، وحمة الهمامي الأمين العام لحزب «العمال» والناطق الرسمي باسم «الجبهة الشعبية»، وهي ائتلاف لأحزاب يسارية إضافة إلى أحزاب معارضة أخرى.
وبحسب خارطة الطريق سيتم «تشكيل حكومة كفاءات ترأسها شخصية وطنية مستقلة لا يترشح أعضاؤها للانتخابات القادمة تحل محل الحكومة الحالية التي تتعهد بتقديم استقالتها، وتكون للحكومة الجديدة الصلاحيات الكاملة لتسيير البلاد، ولا تقبل لائحة لوم ضدها إلا بإمضاء نصف أعضاء المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان)، ويتم التصويت على حجب الثقة عنها بموافقة ثلثي أعضائه على الأقل».
من جهته، قال الحسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل (نقابة العمال)، والذي يقود الحوار بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، في تصريحات خص بها «الشرق الأوسط»، إن إمكانيات هائلة ترافق عملية التسوية السياسية بين الحكومة والمعارضة. وعبر عن تفاؤله بشأن التوصل إلى توافقات تقي البلاد المزيد من التجاذبات السياسية غير المجدية. وأشار إلى الصعوبات التي رافقت الجلسة الأولى من جلسات الحوار السياسي بين الحكومة والمعارضة، وقال إن «تذليل تلك الصعوبات والتوصل إلى إمضاء الفرقاء السياسيين على وثيقة خارطة الطريق كان مسألة في غاية من الصعوبة والتعقيد، مما اضطرنا إلى (الحج) أكثر من مرة بين الفرقاء السياسيين لتقريب وجهات النظر وإخفات أصوات الرفض المتبادل».
وأضاف العباسي في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» أن المجهول كان ينتظر الجميع. ونفى بالمناسبة الاتهامات الموجهة إلى نقابة العمال بمداراة طرف سياسي على حساب طرف آخر، وقال إن الأطراف الراعية للحوار سعت إلى ضمان أقصى درجات الحياد والاستقلالية بما يؤدي إلى حل إحدى أخطر الأزمات السياسية في تاريخ تونس. وقال إن الاتحاد العام التونسي للشغل ليس وسيطا بين مختلف الأطراف أو متطفلا على الحياة السياسية، بل هو طرف أساسي في تعديل الكفة السياسية.
وختم العباسي بالإشارة إلى أن التونسيين يعيشون فوق مركب واحد، وأنه لا فضل لتونسي على آخر إلا بحب الوطن وتغليبه على المصلحة الشخصية على حد قوله. ودعا إلى اختصار الآجال وإكساب نتائج الحوار الصبغة الإلزامية حتى لا تبقى على حد قوله مجرد نوايا في عقول أصحابها، وأن تكون الصياغة النهائية قابلة للتنفيذ ولا تبخس حق أي طرف سياسي، وذلك بعيدا عن كل الحلول القصوى التعجيزية، على حد تعبيره.
من جهتها، امتنعت أحزاب المؤتمر من أجل الجمهورية وتيار المحبة وحزب الإصلاح والتنمية عن إمضاء وثيقة خارطة الطريق. وتضمنت الوثيقة التي وقع عليها قرابة 20 حزبا سياسيا الفقرة التالية «سعيا إلى توفير كل ممهدات النجاح للحوار الوطني، وحرصا على انطلاق الجلسة الأولى وفي آجالها فإننا نحن الأحزاب الموقعة على نص المبادرة الرباعي لتسوية الأزمة السياسية نقبل الذهاب إلى الحوار من أجل تفعيل محتواها».
وقال الأزهر بالي، الأمين العام لحزب الأمان المعارض، لـ«الشرق الأوسط»، إن المهم في العملية السياسية ليس التوقيع على الوثائق بقدر الالتزام بتطبيق محتوياتها وإنهاء فترة التفاوض بين الحكومة والمعارضة في حدود الشهر من الآن. وأضاف أن فشل جولات الحوار يعني فشل السياسيين بمختلف ألوانهم، على حد قوله.
وأجمعت الكلمات التي تخللت هذه الجلسة الأولى من الحوار على قبول الجميع بالجلوس إلى طاولة الحوار واختياره طريقا للخروج من الأزمة السياسية المستفحلة منذ اغتيال محمد البراهمي في الخامس والعشرين من شهر يوليو (تموز) الماضي. وعلى الرغم من الدعوات المتكررة لإنجاح الحوار وتنقية الأجواء السياسية، فقد قاطع كل من تحالف الجبهة الشعبية التي يتزعمها حمة الهمامي، وتحالف المسار الديمقراطي الاجتماعي الذي يقوده أحمد إبراهيم، الكلمات التي ألقاها الرؤساء الثلاثة، في إشارة إلى تحميلهم مسؤولية الاغتيالات السياسية والعسكرية التي عرفتها تونس خلال الأشهر الماضية.
وحرص المنصف المرزوقي، الرئيس التونسي، في كلمته على التذكير بالخروج من نفق الأزمة، وقال إن التونسيين كسروا كل المخططات الساعية إلى ضرب المسار الديمقراطي. وقال إنه منشغل بملفين أساسيين هما الإرهاب وضرورة مقاومة العنف وإتمام هياكل الدولة ومؤسساتها للخروج من الوضع المؤقت إلى الوضع الدائم والمستقر. وربط بين الإرهاب والوضع الاقتصادي، وقال إن العجلة الاقتصادية شبه مشلولة وهي في حاجة أكيدة إلى الاستقرار السياسي والأمني. وتوقع أن تكون سنة 2014 أكثر تعقيدا، ودعا إلى ضمان السلم الاجتماعي قبل إجراء الانتخابات الرئاسة والبرلمانية المقبلة.
ومن جهته، قال مصطفى بن جعفر، رئيس المجلس التأسيسي، إن الحوار في حاجة أكيدة لأعلى درجات الحكمة، وإن الجميع في حاجة إلى عزيمة صادقة لتحديد شاطئ الأمان. وأضاف في لهجة حازمة أن «طاولة الحوار السياسي ليست خيارا نقبله أو نرفضه، بل هي مطلب رئيس لقوى الشعب»، على حد تعبيره. ودعا الفرقاء السياسيين إلى الابتعاد ولو قليلا عن حسابات الربح والخسارة والتوصل إلى توافق واضح ومفصل بتواريخ مضبوطة بشأن المرحلة السياسية المقبلة.
وفي كلمته أمام المشاركين في الجلسة الأولى للحوار، لم يعبر علي العريض بصريح العبارة عن استقالة حكومته، وقال إن كل الأطراف قد خرجت بمجموعة من العبر والدروس، من بينها ضرورة الإسراع باستكمال المسار الانتقالي وأهمية استمرار وثبات مؤسسات الدولة وسائر المرافق العامة ومواصلة الرؤساء الثلاثة أداء مهامهم حتى لا تنفتح البلاد على الفراغ على حد قوله. وقال إن الحكومة لم تغامر بإدخال البلاد في المجهول وهي منفتحة على كل أشكال الحوار.
وذكر بضرورة الابتعاد عن المهاترات السياسية والإعلامية. وأضاف في لهجة من لا يقر بأي فشل «لقد نجحنا في ضبط الأمن واستمرار الدولة». وأثنى على التونسيين، وقال إنهم لم يجاروا الداعين إلى الفوضى ورفع منسوب الاحتقان الاجتماعي، وفشلت بالتالي «المغامرات غير المحسوبة» على حد قوله. وأنهى كلمته بالإشارة إلى ضرورة الحوار والتوافق والابتعاد عن الحروب الكلامية، وقال إن المرحلة القادمة تحتاج إلى التهدئة بمختلف أصنافها الاجتماعية والإعلامية مع ضرورة النأي بالمؤسسة الأمنية والعسكرية عن كل أشكال التجاذب السياسي.
في غضون ذلك، كشف مسؤول رفيع المستوى بوزارة الداخلية التونسية أن أجهزة الأمن فككت «خلية إرهابية» متخصصة في صناعة القنابل اليدوية الصنع، تابعة لجماعة «أنصار الشريعة بتونس» التي صنفتها الحكومة «تنظيما إرهابيا» وأصدرت بطاقة جلب دولية ضد مؤسسها سيف الله بن حسين. وقال المسؤول الذي طلب عدم كشف هويته لوكالة الصحافة الفرنسية «تم خلال الأيام القليلة الماضية إيقاف كامل عناصر خلية (إرهابية) متخصصة في صناعة القنابل اليدوية، تابعة لأنصار الشريعة».
ونفى المسؤول أن يكون التنظيم «استأنف مؤخرا نشاطا دعويا أو خيريا في تونس (بعد حظره) مثلما تروج صور ينشرها بعض أتباعه على الإنترنت». وقال «هذه الصور قديمة وهم ينشرونها للمغالطة والإيهام بأنهم ما زالوا متماسكين». وأضاف أن التنظيم «تلقى ضربات موجعة متتالية بعد تفكيك جناحيه العسكري والأمني واعتقال المسؤولين عنهما، وحجز الأسلحة التي هربها من ليبيا نحو تونس». وتابع أن «أعدادا كبيرة من أتباع التنظيم انسلخوا عنه، لأنهم لم يكونوا على علم بمخططاته الإرهابية»، على حد قوله.
وبخصوص مكان وجود مؤسس التنظيم سيف الله بن حسين الملقب بـ«أبو عياض»، رجح المسؤول أن يكون متخفيا في ليبيا.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.