السودان يشارك في «عاصفة الحزم»

2015 يشهد عودة الابن الضال من طهران

السودان يشارك في «عاصفة الحزم»
TT

السودان يشارك في «عاصفة الحزم»

السودان يشارك في «عاصفة الحزم»

ظن كثير من المحللين أن القرارات التي اتخذتها الحكومة السودانية بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في الخرطوم، والحسينيات التابعة في مدن البلاد كافة سبتمبر (أيلول) 2014، وطرد القائمين على أمرها، واتهامهم بنشر المذهب الشيعي في البلاد، وتهديد أمنها الثقافي، استجابة لضغوطات مجموعات سنية سودانية، ومجموعات داخل النظام.
ولم يكن أحد مهما اشتغل خيالاً، ليسوق القرار إلى تمهيد للانقلاب الكبير في السياسة الخارجية السودانية، ورغبتها في مغادرة الحلف القديم مع إيران، والعودة مجددًا للمجموعة العربية وبلدان الخليج العربي بقيادة السعودية، بل والاشتراك بقوات سودانية في العمليات الحربية التي يقودها التحالف العربي، والتي عرفت بـ«عاصفة الحزم» لإعادة الشرعية لليمن، ضد مجموعات الحوثي الموالية لإيران.
لكن الرئيس السوداني عمر البشير فاجأ العالم، وربما حتى بعض معاونيه حين أعلن أثناء زيارة قام بها للسعودية استقبل فيها بحفاوة، وأعلن من هناك دعمه لعملية «عاصفة الحزم» العسكرية التي شنها التحالف العربي بقيادة السعودية ضد المجموعات الحوثية الموالية لإيران، لإعادة سلطة الرئيس عبد ربه منصور هادي الشرعية، وإعلانه المشاركة بقوات جوية فورًا، وتوجيهه للجيش السودان للاستعداد للمشاركة في العمليات وفقًا لطلب قوات التحالف.
ودون الرئيس البشير بقراره هذا تحولاً تاريخيًا، يمكن عده أحد أهم أحداث عام 2015، بل أحد أهم أحداث نظام حكم الرئيس البشير. بدأ التمهيد لسيناريو العودة إلى الإطار العربي، بزيارتين قام بهما الرئيس البشير إلى كل من دولة الإمارات العربية المتحدة في فبراير (شباط) 2015، بعد انقطاع دام منذ عام 2008، وهي الزيارة التي قال عنها في ذلك الوقت وزير الخارجية علي كرتي إنها «أزالت الجمود في العلاقة بين البلدين»، وزيارة أخرى للسعودية في مارس (آذار) من العام نفسه، والتي أنهت القطيعة التي تعززت بمنع الطيران المدني السعودي لطائرته عبور الأجواء السعودية، للاشتراك في تنصيب الرئيس الإيراني حسن روحاني أغسطس (آب) 2013.
وفاجأ البشير المراقبين بإعلانه مشاركة الجيش السوداني في عملية «عاصفة الحزم» لإعادة الشرعية في اليمن والتحالف العربي المشارك فيها بقيادة السعودية، وهو ما أثار كثيرا من علامات الاستفهام الناتجة عن ما يمكن تسميته بـ«الانقلاب» في السياسة الخارجية السودانية. وفي تلك الزيارة، استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الرئيس البشير خلال الزيارة بحفاوة لافتة، ثم اجتمع إلى ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مطولاً، في لقاء وصفته وسائل الإعلام بأنه اتسم بالشفافية والصراحة، حول العلاقة السودانية العربية التي كانت في أسوأ مراحلها.
وبانتهاء الاجتماع فوجئ العالم بالتحول التاريخي غير المتوقع، وأعلن البشير مشاركة قواته في التحالف العربي، ووضع حدًا لعلاقته بإيران. وما زال ما دار في غرفة الاجتماع بين الرئيس البشير ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سرًا، لكن الثابت أن البشير اجتمع مع ضيفه وهو حليف لإيران، وخرج من الاجتماع حليفًا سعوديًا.
وما زالت الأسئلة تترى منذ تلك اللحظة دون إجابات، عما إذا كانت الدبلوماسية السعودية قد أفلحت في استعادة السودان، أم أن الرئيس السوداني أتاها مهيئًا، لكن الخلاصة أن الحكومة السودانية عادت بعد هذا الاجتماع إلى السعودية والعالم العربي، ووضعت حدًا للحلف الطويل والمثير للجدل بينها وبين إيران.
يقول المدير السابق لجامعة أفريقيا العالمية بروفسور حسن مكي، إن الجغرافية السياسية تحتم على السودان أن يكون ضمن مجموعة البحر الأحمر والخليج لعدة أسباب، من بينها العمالة السودانية الكبيرة الموجودة هناك، وارتباط السودان الثقافي والتاريخي بالمنطقة، فضلاً عن الارتباط الهيكلي والوظيفي لاقتصاده بهذه المجموعة.
ويوضح أن الحكومة السودانية وجدت نفسها مكرهة و(ليست بطلة) باللجوء للمعسكر الإيراني، لأن المنطقة كانت مغلقة بوجهها، بسبب موقفها من حرب الخليج، وزيادة عزلتها بعد فرض العقوبات الاقتصادية عليها، والضغوط على دول المنطقة لنسج مزيد من خيوط العزلة حولها. ويقول مكي إن الخرطوم لكسر عزلتها والبحث عن أصدقاء، لجأت إلى ثلاث دول هي الصين وقطر وإيران، فاحتلت إيران المركز الثالث بعد الصين وقطر من حيث قوة العلاقة ومتانتها، ثم حدث متغير دراماتيكي بعد مجيء حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا، في ترتيب أصدقاء السودان لتتراجع إيران إلى المركز الرابع بعد أن كانت في الثالث بعد الصين وقطر. ويضيف مكي: «أتاحت حرب اليمن للحكومة السودانية الفرصة للعودة للمعسكر السعودي، وبالتالي أصبحت السعودية هي الدولة الخامسة في العلاقة مع السودان، لكن لا يعرف حتى الآن ما ترتيب الدول».
ويقطع مكي بأن الصين تعد الداعم التنموي الأول للسودان، تليها دولة قطر التي توفر الدعم المالي والسياسي للسودان، في وقت كانت فيه إيران تقدم الدعم العسكري الذي كانت الخرطوم في أمس الحاجة له، ثم دخلت تركيا لتعمل في مجال البنية التحتية. لكن بعد عودة السودان للسعودية، تردد أن هناك دعمًا اقتصاديًا غير معلن يقدمه للخرطوم، ويقتصر الجزء المعلن منه في تمويل بناء الخزانات والسدود، وهي تواجه رفضًا ومقاومة شعبية كبيرة، وفقًا لمكي.
يقول مكي إن السودان ما زال يحتفظ بعلاقته الدبلوماسية بإيران، لكنه لا يستطيع الجزم باستمرار التعاون العسكري بين البلدين، بيد أنه تمسك بقوله إن العلاقة بين الخرطوم وطهران علاقة اضطرارية، باعتبار إيران خارج جغرافيا المنطقة. وإثر إعلان الرئيس البشير عن مشاركة قواته في «عاصفة الحزم»، قال الجيش السوداني، إن قوات منه بدأت التحرك صوب مواقع العمليات في السعودية للمشاركة في «عاصفة الحزم»، ضمن التحالف العربي للحد من سيطرة الحوثيين في اليمن، وبررت الخرطوم المشاركة بالدفاع عن أمن السعودية والسودان والمنطقة عمومًا والحرمين الشريفين.
وأعلن فورًا عن مشاركة السودان بثلاث طائرات حربية، وعن استعداد قوات برية للتوجه إلى مناطق العمليات، لتكون بإمرة قيادة العملية، وأعلن وزير الدفاع السوداني وقتها عبد الرحيم محمد حسين مشاركة جيشه بقوات برية، وقال عشية انضمام السودان للعملية: «بدأنا الحركة الميكانيكية لمواقع العمليات إلى جانب القوات السعودية، وأمن السعودية بالنسبة لنا خط أحمر».
وحول دوافع السودان للمشاركة في العملية العسكرية ضد الحوثيين في اليمن، تقول التحليلات إن علاقة الخرطوم بطهران أضرت بأوضاعها الاقتصادية، وأدت لخسارتها للدعم الخليجي، وأن الضغوط الاقتصادية الخليجية التي بلغت ذروتها بقرار البنوك السعودية إيقاف التعامل المصرفي مع البنوك السودانية لعبت دورًا هي الأخرى في الانقلاب المفاجئ للموقف السوداني.
وأدى تعثر علاقة التعاون العسكري بين طهران والخرطوم إثر تراجع السودان عن إقامة منصات دفاع إيرانية على ساحل البحر الأحمر، لمواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأجواء السودانية، والتي بلغت ذروتها بقصف مصنع (اليرموك) للأسلحة، باعتبارها تهديدًا للسعودية، إلى خلخلة العلاقة التسليحية بين إيران والسودان. كما لعبت أجراس التحذير التي أطلقتها الجماعات الدينية السنية ضد محاولات إيران المحمومة لنشر ثقافة المذهب الشيعي في السودان، إلى توتر العلاقة بين البلدين، خاصة بعد قرار السودان بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية والحسينيات التابعة لها.
وقبل نهاية سنة 2015، أعلن وزير الدفاع السوداني الفريق أول ركن عوض محمد بن عوف في ديسمبر (كانون الأول)، أن كثيرا من قوات بلاده تشارك في عمليات التحالف العربي في اليمن، وقد بلغ حجم لواء من المشاة 1500 جندي، إضافة إلى عدد من الطيارين الحربيين، ومقاتلات سوخوي، وأن جيشه على أتم الاستعداد للدفع بمزيد من القوات؛ إنفاذا لتوجيهات الرئيس عمر البشير متى ما طلبت قيادة التحالف، مدشنًا بذلك أهم أحداث عام 2015 السودانية.



غزيون في مصر يترقبون فتح معبر رفح

شاحنة محمّلة بالمساعدات أمام معبر رفح من الجانب المصري (أ.ف.ب)
شاحنة محمّلة بالمساعدات أمام معبر رفح من الجانب المصري (أ.ف.ب)
TT

غزيون في مصر يترقبون فتح معبر رفح

شاحنة محمّلة بالمساعدات أمام معبر رفح من الجانب المصري (أ.ف.ب)
شاحنة محمّلة بالمساعدات أمام معبر رفح من الجانب المصري (أ.ف.ب)

يترقّب الغزي معين بركات الذي لجأ إلى مصر قبيل الحرب على قطاع غزة، فتح معبر رفح، الأحد، أبوابه من الجانب الفلسطيني بشكل تجريبي، من دون أن يخفي مخاوف من إمكانية أن «تغدر إسرائيل» وتغلقه مجدداً بـ«أي حجج».

بركات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال إن المعبر سيفتح بشكل تجريبي، ولا يتوقع أن تخرج أو تدخل أعداد كبيرة، ربما تكون بسيطة، مشيراً إلى أن الغزيين في مصر يرغبون في العودة إلى القطاع، منهم من يريد ذلك سريعاً عقب فتح المعبر.

وقطاع آخر من الغزيين، حسب بركات، «ينتظر بعض الوقت، خصوصاً من ليس لهم منازل في القطاع بعد هدم كل شيء، وينتظرون أكثر بدء الإعمار وضخ المياه والكهرباء».

وعن قراره، يقول بركات: «أنا وأسرتي نريد أن نرجع ولكن إلى أين سنعود، هل إلى خيام؟... ننتظر الإعمار، ولا بد منه لكي تصير هناك حياة بدلاً من أكوام الحجارة جراء الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل ضدنا وضد القطاع، وبالتالي التأجيل أقرب حتى بعد فتح المعبر».

صورة قمر اصطناعي تُظهر انتظار شاحنات عند معبر رفح الخميس الماضي (رويترز)

ورحلة العودة إلى قطاع غزة للغزيين في مصر، تبدأ -حسب بركات- من سفارة بلادهم بالعاصمة القاهرة، بعد إطلاقها رابطاً إلكترونياً لتسجيل الأعداد وتحديد مواعيدها، متوقعاً أن تكون الأعداد في المرحلة الأولى محدودة، وسط تقديرات للغزيين في مصر يراها «ألوفاً وليست ضخمة كما يتصور البعض».

غير أن الغزي معين بركات يبدي مخاوف من الإجراءات الإسرائيلية، قائلاً: «إسرائيل ليست لها أمان، كل ساعة في حال، من الممكن غداً أن يقولوا لن نفتح أو بعد ذلك بأي حجج، ويغلقوا المعبر مجدداً».

صبي يقود دراجة محمّلة بالسجاد والحصائر يمر بجوار خيام في مخيم مؤقت للنازحين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأكد بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الجمعة، أنه «وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار وتوجيهات القيادة السياسية، سيُفتح معبر رفح، يوم الأحد المقبل، في كلا الاتجاهَين لحركة محدودة للأفراد فقط وتحت إشراف بعثة الاتحاد الأوروبي»، كاشفاً عن أنه «سيتم إجراء تفتيش إضافي عند نقطة تابعة للمؤسسة الأمنية في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي».

عدم الأمان

عدم الإعمار أو عودة إسرائيل إلى الغلق ليسا وحدهما العائقَين أمام عودة الغزيين إلى القطاع، بل أيضاً الوضع الأمني وعدم الاستقرار، وتواصل القصف حتى الآن.

الغزية، هناء الطباع، قالت لـ«الشرق الأوسط»: «المخاوف أكبر من الآمال لدى الغزيين بعد فتح معبر رفح». وأوضحت أن «الحياة في القطاع ليست بها استقرار ومدمرة، وفرص عمل محدودة، وليس هناك أمان حيث لا يزال القتل والقصف مستمرَيْن»، مضيفة: «لن يرجع إلا المضطر مثل السيدات اللاتي بلا عائل» باستثناء الجرحى وذويهم.

يسير الناس بالقرب من الخيام التي تؤوي الفلسطينيين النازحين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال الفلسطيني، أبو محمد صلاح المصري، الذي فقد ابنه شهيداً في أثناء الحرب على قطاع غزة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل أن نرجع إلى بلدنا غزة عقب فتح المعبر، ولكن المخاوف قائمة ولا تزال مع عدم تحقق الأمن مع تكرار القتل، وإمكانية أن تغلق إسرائيل المعبر مجدداً».

وأشار إلى أن هناك رابطاً إلكترونياً أطلقته السفارة الفلسطينية في القاهرة بشأن العودة، «والكل يسجل، والكل يريد العودة إلى غزة، وهناك كثيرون مع العودة بعد فتح معبر رفح، خاصة المعبر لن يُغلق أبد الدهر، ولكن أزمة عدم وجود أمن في القطاع تقف حائلاً».

والسبت، قالت وزارة الصحة في غزة، في بيان، إن إسرائيل شنت أعنف غاراتها الجوية على القطاع منذ أسابيع، مما أسفر عن مقتل 26 شخصاً، لافتة إلى أن القصف استهدف مركز شرطة وشققاً سكنية وخياماً في منطقة المواصي التي تؤوي نازحين.

وفي أبريل (نيسان) 2025، قال الدكتور خالد عبد الغفّار، وزير الصحة المصري، إن البلاد استقبلت نحو 107 آلاف فلسطيني، أُجريت لهم الفحوصات الطبية اللازمة، وتطعيم 27 ألف طفل فلسطيني، مؤكداً استقبال المستشفيات المصرية أكثر من 8 آلاف مصاب فلسطيني يعانون جروحاً متفرقة، برفقة 16 ألف مرافق.

واستعرض الوزير المصري في إحاطة أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أثناء زيارتهما مستشفى العريش العام آنذاك، تفاصيل المساعدات المقدمة، حيث أكد أنه تم إجراء أكثر من 5160 عملية جراحية، واستقبلت 300 مستشفى في 26 محافظة بمصر المصابين والمرضى الفلسطينيين، مضيفاً أنه يوجد حالياً في مصر مصابون فلسطينيون في 176 مستشفى موزعين على 24 محافظة، مع توفير الإقامة والإعاشة لجميع المرافقين لهم.

ودعت مصر، السبت، كل الأطراف في غزة إلى اعتماد «أقصى درجات ضبط النفس» عشية الافتتاح المرتقب لمعبر رفح، منددة بـ«الانتهاكات الإسرائيلية» بعد غارات أسفرت عن مقتل العشرات في القطاع.


مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
TT

مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)

في تصعيد يهدد عمل المنظمات الدولية والتدخلات الإنسانية، أعلنت الأمم المتحدة عن قيام الجماعة الحوثية في صنعاء باتخاذ إجراءات أحادية تمس بشكل مباشر قدرتها على تنفيذ مهامها الإنسانية، وذلك عبر مصادرة معدات وأصول تابعة لها ومنع تسيير الرحلات الجوية الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية لملايين اليمنيين.

وجاء ذلك في بيان رسمي، الجمعة، صادر عن المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، جوليان هارنيس، أوضح فيه أن سلطات الأمر الواقع الحوثية اقتحمت، يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني) 2026، ما لا يقل عن ستة مكاتب أممية في صنعاء، جميعها كانت غير مأهولة بالموظفين، وقامت بنقل معظم معدات الاتصالات وعدد من مركبات الأمم المتحدة إلى موقع غير معلوم، دون أي تنسيق أو إخطار مسبق.

وأكد البيان أن الأمم المتحدة لم تصرح بنقل هذه الأصول، ولم تتلق أي تبرير رسمي يوضح أسباب هذه الخطوة، مشدداً على أن جميع المعدات المصادرة تم إدخالها إلى اليمن وفق الإجراءات القانونية المعتمدة وبالحصول على التصاريح اللازمة من الجهات المختصة، وتشكل جزءاً من الحد الأدنى للبنية التحتية الضرورية لضمان استمرار الوجود الأممي وتنفيذ برامجه الإنسانية.

ولم تقتصر الإجراءات على مصادرة الأصول، إذ أشار البيان إلى أن سلطات الأمر الواقع منعت، منذ أكثر من شهر، تسيير رحلات خدمة الأمم المتحدة الجوية الإنسانية (UNHAS) إلى صنعاء، كما منعت الرحلات إلى محافظة مأرب الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً منذ أكثر من أربعة أشهر، دون تقديم أي توضيحات رسمية.

إحدى طائرات الأمم المتحدة في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إعلام محلي)

وتُعد رحلات «UNHAS» الوسيلة الوحيدة التي تتيح لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الدخول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والخروج منها. ومن ثمّ، فإن هذا التعطيل يفرض قيوداً إضافية على إيصال المساعدات الإنسانية، ويقوض قدرة المنظمات الدولية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في تلك المناطق.

وحذّر منسق الشؤون الإنسانية من أن هذه الإجراءات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يشهد اليمن تدهوراً إنسانياً غير مسبوق، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية ويزيد من معاناة المدنيين.

بيئة عمل منهارة

يتزامن هذا التصعيد الحوثي مع أزمة متفاقمة تتعلق باحتجاز موظفي الأمم المتحدة لدى الجماعة المتحالفة مع إيران، إذ ارتفع عدد المحتجزين تعسفياً إلى 69 موظفاً على الأقل حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في واحدة من أخطر موجات الاستهداف التي تطول العاملين في المجال الإنساني.

وشملت الاعتقالات موظفين يمنيين يعملون في وكالات أممية رئيسية، من بينها برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة اليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى طاقم عيادة الأمم المتحدة في صنعاء.

وتتم هذه الاعتقالات غالباً عبر اقتحام المنازل وترويع العائلات، واقتياد الموظفين إلى جهات مجهولة دون السماح لهم بالتواصل مع أسرهم أو محاميهم.

عناصر حوثيون خلال حشد للجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (أ.ف.ب)

وتروج الجماعة الحوثية لاتهامات تتعلق بـ«التجسس» لصالح أطراف خارجية، وهي مزاعم رفضتها الأمم المتحدة بشكل قاطع، مؤكدة أن الموظفين يُستهدفون بسبب قيامهم بمهام إنسانية بحتة.

وفي هذا السياق، ذكّر المنسق الأممي المقيم في اليمن بقراري مجلس الأمن 2801 (2025) و2813 (2026)، اللذين يدعوان الحوثيين إلى توفير بيئة عمل آمنة ومأمونة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموظفين المحتجزين.

وأمام هذا الواقع، أعلنت الأمم المتحدة مطلع عام 2025 تعليق أنشطتها غير المنقذة للحياة في مناطق سيطرة الحوثيين، فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي، في يناير 2026، تسريح عدد من موظفيه اليمنيين نتيجة تجميد العمليات الإغاثية، ما يعكس خطورة استمرار هذه الممارسات وتداعياتها المباشرة على الوضع الإنساني في اليمن.


بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
TT

بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)

سلّط قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بتشكيل لجنة لـ«ضبط الإنفاق العام وإغلاق منافذ الهدر»، الضوء مجدداً على نهج اعتمده المجلس خلال السنوات الأخيرة في ملاحقة الأزمات المتراكمة، عبر تشكيل لجان اقتصادية وأمنية وعسكرية.

وعلى الرغم من تعدّد اللجان التي شكّلها المنفي لمواجهة أزمات الاقتصاد والأمن، يرى مراقبون أن نتائجها بقيت محدودة على الأرض، في ظل الانقسام العسكري والأمني وتنازع الصلاحيات، مما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول جدوى هذه اللجان، وقدرة المجلس الرئاسي على إلزام الأطراف المختلفة بمخرجاتها.

وخلال كلمة ألقاها، الخميس، في مدينة الزاوية بغرب البلاد، بحضور قيادات أمنية وعسكرية وميدانية، تعهد المنفي بإعلان نتائج عمل اللجنة الجديدة «خلال فترة قريبة»، مؤكداً أنها «لن تكون لجنة للاستهلاك الإعلامي». وسوّق قراره بالحديث عن «إنفاق هائل مقابل نتائج ضعيفة، واقتصاد مستنزف، وقطاع مالي مختل، وهدر يفتح أبواب الفساد».

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي (المجلس الرئاسي)

وقفزت نفقات الدولة الليبية بنحو 13 مليار دينار خلال العام الماضي مقارنة بالعام السابق، إذ ارتفعت إلى 136.8 مليار دينار في 2025 مقابل 123.2 مليار في 2024، وفق بيانات المصرف المركزي، مع بلوغ سعر الدولار 6.28 دينار في السوق الرسمية، و8.95 دينار في السوق الموازية.

غير أن النائب السابق لرئيس «المصرف الليبي الخارجي»، الدكتور خالد الزنتوتي، شكك في جدوى هذه المقاربة، لافتاً إلى أنها «مجرد لجان على الورق لن يلتفت إلى توصياتها، حتى وإن كانت ممهورة بتوقيع رئيس المجلس الرئاسي». وتساءل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هل يستطيع رئيس المجلس الرئاسي، بتشكيله الحالي، إلزام أي من الأطراف بتنفيذ ما تصل إليه هذه اللجان، حتى وإن امتلكت الإمكانيات الفنية؟ وهل يمكنه إلزام تلك الأطراف بتقديم ميزانية موحدة تضبط الإنفاق العام؟».

وسبق للمنفي أن شكّل في يوليو (تموز) 2023 «اللجنة المالية العليا»، بعضوية 17 ممثلاً عن أطراف الانقسام، بهدف التوصل إلى آلية وطنية لإدارة موارد الدولة وترشيد الإنفاق. غير أن هذه اللجنة، وبعد أكثر من عامين، لم تحقق، حسب متابعين، الهدف المرجو منها، خصوصاً في ضبط الإنفاق العام، بل تزايد ما يُعرف بـ«الإنفاق الموازي».

بعد ذلك عاد المنفي ليشكّل لجنة أخرى في أغسطس (آب) الماضي لمراجعة عقود النفط والكهرباء والسياسات التعاقدية للمؤسسات العامة العاملة في قطاع الطاقة، بما في ذلك التعاقدات مع الشركات الأجنبية والمحلية.

ورغم محاولة تجاوز الانقسام عبر الاستعانة بتكنوقراط، فإن هذه اللجنة لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة، وفق ما أفاد به مصدر سابق لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى عراقيل تعترض عملها.

محافظ «المركزي الليبي» ناجي عيسى ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في اجتماع بطرابلس ديسمبر الماضي (المركزي)

في هذا السياق، يرى الدبلوماسي الليبي السابق، فرج الزروق، أن «المشكلة في الحالة الليبية هي أن هذه اللجان أصبحت بديلاً عن بناء المؤسسات»، وفق ما تحدث به لـ«الشرق الأوسط».

لكن الزروق لا يستبعد جدوى هذه اللجان «بشروط صارمة»، محدداً إياها في أن تكون اللجان مؤقتة بجدول زمني معلن، وخاضعة لرقابة جهة مستقلة، مثل ديوان المحاسبة أو النيابة العامة، وأن تعلن مخرجاتها للرأي العام لضمان الشفافية، وألا تحل محل المؤسسات الدستورية الدائمة، بل تكون جسراً مؤقتاً لتفعيلها.

ولا يقتصر توجه المجلس الرئاسي على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الملفات الأمنية والعسكرية. ففي يونيو (حزيران) الماضي، شكّل المنفي لجنة مؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس، عقب اشتباكات دامية بين قوات موالية لحكومة طرابلس وميليشيات مسلحة، قُتل خلالها رئيس «جهاز الدعم والاستقرار» عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، وكادت المواجهات تتسع مع ميليشيا «الردع». كما أتبع ذلك بقرار لتشكيل لجنة حقوقية مؤقتة لمتابعة أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي الليبي، الدكتور علام الفلاح، أن «قرارات (الرئاسي) يغلب عليها الطابع المالي والاقتصادي والأمني لملاحقة أزمات بعينها»، مشيراً إلى الحاجة لمقاربة أوسع تعالج ملفات محورية، مثل أمن الحدود، والهجرة غير النظامية، والسلاح المنفلت، والميليشيات والمرتزقة الأجانب، والخلايا الإرهابية النائمة، لافتاً إلى أن هذه القضايا تمثّل «اختباراً حاسماً لقدرات المجلس الرئاسي».

وتأسس المجلس الرئاسي بعد خمس سنوات من انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي في عام 2011، بموجب «اتفاق الصخيرات»، وأُعيد تشكيله في فبراير (شباط) 2021 وفق «اتفاق جنيف»، برئاسة الدبلوماسي السابق محمد المنفي، ونائبَين يمثّلان إقليمَي طرابلس وفزان.

وأعاد قرار المنفي الأخير بتشكيل لجنة «ضبط الإنفاق» طرح النقاش حول حدود صلاحيات المجلس التي تتركز في تمثيل ليبيا خارجياً، وقيادة المؤسسة العسكرية وتوحيدها، وتيسير الانتخابات، وإدارة ملف المصالحة الوطنية، وتعيين بعض المناصب السيادية.

غير أن الفلاح يشير إلى أن «ليبيا تعيش مرحلة انتقالية معقّدة تتسم بتنازع الاختصاصات وغياب الشرعية»، موضحاً أن المجلس الرئاسي «يتخذ قرارات بوصفه أحد الأطراف الفاعلة، مستنداً إلى اتفاقَي جنيف والصخيرات، وربما متجاوزاً ذلك في ظل الصراع على القوانين».

وتعيش ليبيا منذ سنوات على وقع صراع بين حكومتَين: الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وتدير غرب البلاد، والأخرى حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في بنغازي، وتدير شرق البلاد ومناطق في الجنوب.

وبينما يرى البعض في لجان المنفي حلولاً مؤقتة في ظرف استثنائي، يتمسك الزنتوتي برؤية أكثر جذرية، قائلاً: «لا بديل عن قيام دولة واحدة برئيس منتخب، ومجلس تشريعي منتخب، وفي إطار دستور يقره الشعب الليبي الواحد».

يأتي ذلك في بلد يعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً حاداً منذ سنوات، ويفتقر إلى ميزانية موحدة، وسط ضغوط اقتصادية متصاعدة وتساؤلات حول فاعلية هذه الأدوات.