رئيس طاجيكستان: السعودية دولة محورية.. والمجتمع الدولي مطالب باتخاذ خطوات لمحاربة الإرهاب

رحمان لـ {الشرق الأوسط} : بحثت مع الملك سلمان تعزيز العلاقات ومكافحة التطرف وتأمين المنطقة

إمام علي رحمان رئيس طاجيكستان خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: بشير صالح)
إمام علي رحمان رئيس طاجيكستان خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: بشير صالح)
TT

رئيس طاجيكستان: السعودية دولة محورية.. والمجتمع الدولي مطالب باتخاذ خطوات لمحاربة الإرهاب

إمام علي رحمان رئيس طاجيكستان خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: بشير صالح)
إمام علي رحمان رئيس طاجيكستان خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: بشير صالح)

قال إمام علي رحمان، رئيس طاجيكستان، إن السعودية دولة محورية وشريك استراتيجي مهم لبلاده، على مستوى منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، مبينا أنه بحث مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، سبل تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب وبسط الأمن والسلام على المستويين الإقليمي والدولي.
وأكد رحمان أن العالم بأسره، يواجه مخاطر الإرهاب والتطرف التي تهدد الأمن الدولي، مبينا أن الظواهر المأساوية من الإرهاب والتطرف لا تمت للدين الإسلامي بصلة، مشيرا إلى أن ربط اسم الإسلام بظاهرة الإرهاب الفظيعة والبشعة على حد تعبيره خطأ فادح.
وقال رحمان في حوار مع «الشرق الأوسط» إن «المجتمع الدولي مطالب باتخاذ خطوات نافذة ومنسقة وإطلاق مبادرات بناءة لمحاربة الإرهاب»، مشيرا إلى أن السعودية، تلعب دورا محوريا بما تتبوأه من مكانة مشهودة وسمعة طيبة في العالم الإسلامي.
وأشار رحمان، أن الأزمات في اليمن وسوريا وفلسطين، تخلّ بالسلام والاستقرار والأمن في المنطقة بشكل خطير، مبينا أن إطلاق الحوار الوطني الشامل والأخذ بتجربة التفاوض والدبلوماسية السلمية لدول المنطقة وفي مقدمتها السعودية، سيكون له دور مهم وبناء في تسوية الأزمات في منطقة الشرق الأوسط. وعلى صعيد طاجيكستان، أوضح الرئيس رحمان، أن بلاده حريصة على التنمية المستدامة للبلاد والارتقاء برفاهية المواطنين، مشيرا إلى توقيع الجانبين السعودي والطاجيكي، على عدد من الاتفاقيات الثنائية ومذكرات التفاهم في مجالات النقل الجوي والتعليم والشباب والرياضة والعلم والتكنولوجيا والصحة والأمن، فإلى تفاصيل الحوار
* ما تقييمكم للعلاقات بين السعودية وطاجيكستان من الناحية التاريخية والسياسية والاقتصادية؟
- إن شعبي طاجيكستان والسعودية تربطهما القيم الحضارية والروحية السامية والوشائج التاريخية والثقافية الممتدة إلى أكثر من ألف عام، ومن هذا المنطلق بالذات وفي مطلع تسعينيات القرن العشرين بادرت المملكة باعتراف سيادة طاجيكستان لتكون في طليعة بلدان العالم الإسلامي والعربي، بل جميع بلدان العالم التي أقامت علاقات التعاون مع بلادنا بعد إعلان استقلالها، حيث أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 22 فبراير (شباط) 1992. ومنذ ذلك الحدث الذي سجل في ذاكرة التاريخ الحديث للبلدين، يمضي الطرفان قدما نحو مواصلة مسيرة علاقات التعاون البناءة المتبادلة المنفعة والمطّردة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي تنبني على قاعدة الصداقة والأخوة التقليدية وحسن التفاهم والثقة الصادقة والاحترام المتبادل. وطاجيكستان تعتبر المملكة الصديقة شريكها المهم في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، ومن هنا نولي عناية دائمة وفائقة بتعزيز وتنمية العلاقات المتعددة المناحي معها ونسعى إلى توثيق صلات التضامن والتعاون والعلاقات المتميزة بما يصب لمصلحة شعبي البلدين، وعلى الصعيد السياسي فإن طاجيكستان والسعودية تقيمان إلى يومنا هذا اتصالات مستمرة على أعلى مستويات مما يمثل عاملا مهما لإيجاد فرص جديدة للتعاون في كثير من المجالات، وخلال الفترة التي تلي إقامة العلاقات الدبلوماسية بين طاجيكستان والمملكة تشرفت ثلاث مرات بزيارة مهد الحضارة الإسلامية ومسقط رأس خاتم النبيين (صلى الله عليه وسلم) وآخر هذه الزيارات كانت عام 2005. كذلك، فإن لقاءات القمة التي عقدت خلال تلك الزيارات كانت مثمرة وهادفة حيث إنها أعطت زخما جديدا للعلاقات بين بلدينا، وإن فرصة اللقاء مع خادم الحرمين الشريفين الآن والتي تتسنى لنا بمشيئة الله تعالى أولاً ثم بعناية المقام السامي تمثل بشكل واضح استمرارا هادفا لمثل هذه الاتصالات التي ترمي إلى تعزيز المزيد من العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات، وتجدر الإشارة إلى أن كلا البلدين لديهما مواقف متقاربة أو متشابهة حيال أهم قضايا السياسة الدولية حيث إنهما يتعاونان بشكل وثيق في إطار المنظمات الدولية، بما في ذلك منظمة الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرهما من المنظمات المتخصصة بغية التوصل إلى تسويتها. وحرصا على تعزيز التواصل والمشاورات السياسية الدائمة قام الجانبان عام 2014 على مستوى وزارتي الخارجية بالتوقيع على مذكرة التفاهم بشأن المشاورات السياسية الثنائية، التي لها بالغ الأهمية لإيجاد الأرضية المعتمدة لعلاقاتنا السياسية. وأما علاقات التعاون الاقتصادي والاجتماعي بين البلدين فهي تسير وفقا لمتطلبات الاتفاقية العامة للتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتقنية والثقافة والرياضة وشؤون الشباب وتصبو نحو آفاق جديدة بالتدريج. كما أن اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والفني تلعب دورا محوريا على صعيد تنمية العلاقات الثنائية بين الجانبين. وفي إطار نشاط هذه الآلية المشتركة تمكَنّا من وضع استراتيجية التعاون بين بلدينا والعمل على التنفيذ المتتبع لأهدافها الرئيسية. وإن نتائج الدورة الأولى لاجتماعات اللجنة المشار إليها في عاصمة طاجيكستان مدينة دوشنبه كشفت أن البلدين يمتلكان قدرات فائقة للتعاون إلا أنهما لم يستغلاها بعدُ بشكل مثمر. ونأخذ على سبيل المثال مجال التجارة. وفقا للإحصائيات فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يرتقي إلى مستوى الإمكانيات والمقومات المتاحة، مما ينحصر على حالات فردية من عمليات التصدير والاستيراد. وإلى عام 2014، بلغ حجم تمويلات الجانب السعودي لاقتصاد طاجيكستان ما يزيد عن 70 مليون دولار كقروض ميسرة وغير ذلك من العمليات المالية. ناهيك عن واقع تعاون الجانبين في مجال تطوير المشاريع العملاقة والذي لا يمثل شيئا حتى الآن. إن هذه المؤشرات لا يمكن على الإطلاق أن تعكس فرص وقدرات البلدين.
* برأيكم أين تكمن أهمية البلدين من حيث المقومات الاقتصادية والسياسية وما أهم الملفات التي بحثتها مع خادم الحرمين الشريفين في الرياض أمس؟
- بحثت وتبادلت مع خادم الحرمين الشريفين، الآراء حول قضايا الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، ولا سيما مكافحة الإرهاب والتطرف، مع الأخذ بعين الاعتبار مقومات وإمكانيات الجانبين، فإننا بحثنا سبل تعزيز العلاقات الأخوية بين طاجيكستان والسعودية، كما تضمنت المباحثات، التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والمال والاستثمار والصناعات الخفيفة والطاقة والمياه والزراعة وتصنيع منتجاتها والسياحة والعلم والتعليم والتكنولوجيا والشباب والرياضة والصحة وكذلك الثقافة والحضارة والأمن كمجالات واعدة للتعاون. وأكدنا على أنه آن الأوان لنولي عناية خاصة بقطاعات الاقتصاد الأصولية والواقعية ونعمل على إقامة التعاون المثمر الطويل المدى بين البلدين في هذه الاتجاهات. وإن القدرات المالية والتكنولوجية الفائقة للمملكة من جانب والموارد الطبيعية والبشرية العملاقة لطاجيكستان من جانب آخر من شأنها أن تفتح لنا آفاقا واسعة للتعاون، كما طرحت لخادم الحرمين الشريفين، موضوع إمكانية مشاركة الجانب السعودي في عدد من مشاريع القطاعات المشار إليها آنفا، حيث وقعنا على عدد من الاتفاقيات الثنائية ومذكرات التفاهم في مجالات النقل الجوي والتعليم والشباب والرياضة والعلم والتكنولوجيا والصحة والأمن، الأمر الذي يدل على مدى حرص الجانبين على تعزيز علاقات التعاون في هذه المجالات.
* ما هي المشاريع والاتفاقيات الملحّة التي تنوون العمل عليها مستقبلا لتعزيز التعاون بين البلدين؟ وهل هناك تطلعات لشراكة مع السعودية في قطاعات الطاقة الكهرومائية والقطاع الزراعي تحديدا؟
- إن مشاريع الطاقة الكهرومائية مثل مد الخطوط العابرة للحدود لنقل الطاقة الكهربائية ذات الضغط العالي وإنشاء وإعمار المحطات الكهرومائية والمحطات الفرعية وكذلك استخراج ومعالجة المعادن الطبيعية واستصلاح الأراضي القاحلة للمقاصد الزراعية وتنمية البنية التحتية للنقل في البلاد هي من الأولويات التي نتطلع فعلاً إلى مشاركة الجانب السعودي في تنفيذها وتمويلها. واليوم طاجيكستان تتوفر لديها كافة الظروف الملائمة لتنمية تعاوننا المتبادل المنفعة في المجالات التي تم سردها. وأود أن أؤكد أن هذا النوع من التعاون بيننا يتجاوب مع أهداف التنمية المستدامة في المنطقة، وبرأينا قد حان الوقت لنعمل على إطلاق مبادرات عملية وواضحة لتفعيل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. وإني أعتقد أن إنشاء بنك سعودي أو تدشين فرع لأحد بنوك الدولة الصديقة في بلادنا سيلعب دورًا بارزًا في تنمية العلاقات الثنائية. كما أننا على استعداد لدراسة خبرة المملكة في النظام المصرفي الإسلامي والتعاون معها. وبما أن المملكة تتميز بخبرة عريضة ومفيدة في مجال الاستثمارات فإننا نتطلع إلى دعم ومساندة البلد الصديق في هذا الاتجاه. وفي هذا السياق سوف نرحب بإنشاء مجلس الاستثمار الطاجيكي والسعودي لدراسة المشاريع والبرامج الاستثمارية وتقييمها بصورة شاملة ومتأصلة. وكما أشرت فإن البلدين لهما القيم والقواسم الروحية المشتركة العظيمة وقد آن الأوان للانطلاق نحو إحياء الأواصر التاريخية المجيدة من خلال تفعيل العلاقات بين الشعبين والبلدين. ونحبذ أن تتطرق السلطات المعنية في البلدين في أسرع وقت لبحث مسألة تدشين الخط الجوي المباشر بين دوشنبه وإحدى المدن الكبرى في المملكة.
* ما تقييمكم للدور الذي تلعبه السعودية في المنطقة من أجل إرساء دعائم الأمن والسلام الدوليين ومكافحة الإرهاب ومبادرتها الأخيرة في هذا المجال؟
- مع الأسف تواجه كافة المناطق في العالم وبما في ذلك الشرق الأوسط مخاطر عالمية مثل الإرهاب والتطرف وتهريب المخدرات. وكل هذه الوقائع والأحداث تبرز حقيقة مفادها أن التداعيات والتهديدات المستجدة للحضارة الإنسانية تتصاعد حدتها بتشكل منتظم متحدية أمن الدول الصغيرة والعظمى في العالم على حد سواء، بل مصير البشرية بأسرها. وإن مشاكل العصر تثبت مجددًا أن الإرهابي لا وطن له ولا قومية ولا دين ولا مذهب بل إنه يمثل تهديدًا للمجتمع الدولي ولكل من يعيش على المعمورة. والظواهر المأساوية من الإرهاب والتطرف لا تمت بصلة للدين ولا للدين الإسلامي على وجه الخصوص حيث إن الإسلام تُشَوَّه صورته ويستغل اسمه من أجل تحقيق الأهداف والمآرب السياسية المغرضة. وإنني كنت قد أثرت هذه القضية أكثر من مرة في المحافل الدولية الرفيعة المستوى، ومن على منبر منظمة الأمم المتحدة، واليوم أعود وأكرر أن محاولة تدنيس اسم الإسلام النقي بظاهرة الإرهاب الفظيعة والبشعة إنما هي خطأ بعينه. واليوم نحن بحاجة أكثر من ذي قبل إلى تعزيز مبدأ التسامح الذي يبرز صورة المسلمين كأناس متحضرين ومثقفين وروّاد العلم والمعرفة، الأمر الذي يخدم مصلحة التعاون البناء بين كافة القوى البشرية السليمة. كما أن الواقع اليوم يتطلب من المجتمع الدولي اتخاذ خطوات نافذة ومنسقة ومبادرات بناءة. وفي هذا الصدد تلعب السعودية دورًا محوريًا بما تتبوأه من مكانة مشهودة وسمعة طيبة في العالم الإسلامي. وإننا إذ نرحب بمساعي حكومة المملكة الرامية إلى تحقيق التنمية لبلدان العالم الإسلامي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية نعتقد أنها تمثل وسيلة نافذة لمقاومة التحديات الحديثة للأمن والاستقرار.
* ما رؤيتكم تجاه أزمات منطقة الشرق الأوسط كالأزمة السورية واليمنية والقضية الفلسطينية وسبل حلها؟
- لا يخفى أن التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط خلال الأعوام الأخيرة باتت تثير القلق البالغ لدى المجتمع الدولي. ومن الواضح أن الأزمات في اليمن وسوريا بالإضافة إلى القضية الفلسطينية تخل بالسلام والاستقرار والأمن في المنطقة بشكل خطير. ونحن في طاجيكستان إذ ندرك العواقب المأساوية من زعزعة الأمن والاستقرار من خلال معايشتنا الحرب الأهلية في تاريخنا الحديث نرى أن إطلاق الحوار الوطني الشامل والأخذ بتجربة التفاوض والدبلوماسية السلمية لدول المنطقة وفي مقدمتها دول الخليج تحت قيادة السعودية سيكون له دور مهم وبناء في تسوية الأزمات في منطقة الشرق الأوسط. وفي سبيل التوصل إلى التسوية السلمية للأزمة السورية والأزمة اليمنية ولتحقيق الأمن والاستقرار وإنهاء العنف والصراعات الدموية في هذين البلدين من الأهمية بمكان أن يتم التعويل على إمكانيات وصلاحيات منظمة الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي. ونحن نتطلع إلى أن المساعي المبذولة في إطار هاتين المنظمتين ستساعد بشكل مطلوب على التوصل للحل السياسي للقضيتين السورية واليمنية.
* ما تقييمكم للاقتصاد في طاجيكستان وما نسبة نموه؟ وهل هناك مشروع معين تستهدفون به تقوية موارد الاقتصاد؟
- طاجيكستان هي دولة حبيسة لا تطل على البحار المفتوحة وأن 93 في المائة من مساحتها عبارة عن الجبال. ومعظم المناطق المأهولة بالسكان في البلاد تقع على ارتفاع ألفين أو ثلاثة آلاف متر من منسوب سطح البحر، الأمر الذي يتطلب مجهودات ضخمة للحفاظ على البنية التحتية الاقتصادية والمرافق الاجتماعية فيها. وحرصا على التنمية المستدامة للبلاد والارتقاء برفاهية المواطنين قامت حكومة طاجيكستان بتبني ثلاثة أهداف استراتيجية وهي التوصل إلى الاكتفاء الذاتي في الطاقة وتحقيق الأمن الغذائي والخروج من العزلة بسبب الحدود الجغرافية لأن البلاد لا تطل على البحار المفتوحة، وفي سياق تتبع الأهداف المشار إليها تم التوصل إلى حل كثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية كاملا أو جزئيا. وإلى جانب ذلك، ما زالت هناك سلسلة من المشاكل تعترض مسيرة التنمية في البلاد بسبب تدهور الأوضاع السياسية في مختلف المناطق في العالم وتداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية وعدم استقرار أسواق المال والخامات العالمية، فضلا عن وجود العقبات الاصطناعية بالمنطقة. وكما هو معروف فإن طاجيكستان تمثل أهم مصادر المياه في آسيا الوسطى حيث إن 60 في المائة من الموارد المائية في المنطقة تتولد من الأنهار الجليدية فيها. وإن الذوبان المتسارع للأنهار الجليدية من جراء التغير المناخي يمثل تهديدا خطيرًا لعملية توفير ظروف الحياة الكريمة للأهالي والحفاظ على الموارد المائية. خلال صيف العام الجاري فقط تكبد السكان واقتصاد البلاد خسائر مادية جسيمة تقدر بمئات الملايين من الدولارات نتيجة للكوارث الطبيعية الناجمة عن المياه. وإن بلادنا تولي عناية فائقة بترشيد استخدام موارد الطاقة المتجددة ولا سيما الطاقة المائية الأمر الذي من شأنه أن يساعد على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبلورة «الاقتصاد الأخضر». وفي ذات الوقت تطوير المشاريع الكهرومائية سيمهد بشكل ملحوظ للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية الناجمة عن المياه. وبناء على ذلك تعتبر تنمية قطاع الطاقة واحدة من أولويات حكومة طاجيكستان. وانطلاقا من هذه الرؤية تواصل طاجيكستان حاليا عملية ترميم وتجديد وتشييد المحطات الكهرومائية، كما أنها تتخذ خطوات عملية لتطوير شبكات نقل الطاقة الكهربائية سواء في الداخل أو في الخارج بغية الاتصال بغيرها من دول المنطقة. وعلى الصعيد الإقليمي نحن في انتظار أن عام 2016 سيشهد انطلاق مشروع كاسا 1000 وهو مشروع دولي إقليمي لمد خطوط نقل الطاقة الكهربائية ذات الضغط العالي. وهذا المشروع له أهمية إقليمية كبيرة حيث إنه يرمي إلى تطوير سوق الطاقة في كل من آسيا الوسطى وجنوب آسيا. كما أن هناك عشرات المشاريع الإقليمية الواعدة الأخرى التي تم تخطيطها ونحن على استعداد لتنفيذها بالتعاون مع شركائنا الدوليين والإقليميين. ومن الواضح أنه لا توجد دولة متطورة في العالم المعاصر تمكنت من الوصول إلى التقدم والازدهار اليوم من غير التنمية الشاملة لشبكات اتصالاتها وقبل كل شيء سكك الحديد والطرق البرية. وإلى يومنا هذا تم العمل على اتخاذ التدابير وتخطيط مشاريع البنية التحتية الكثيرة من أجل الخروج بالبلاد من العزلة. فإن تطوير هذه المشاريع من شأنه أن يربط طاجيكستان بالبلدان المجاورة، أي بالبنية التحتية الإقليمية للنقل والاتصالات. وفي هذا الصدد قمنا بتخطيط مشروعي سكك الحديد: طاجيكستان - أفغانستان - تركمانستان وطاجيكستان - الصين. كما يتوقع أن يتم تنفيذ المرحلة الثانية لمشروع الطريق بين طاجيكستان والصين والذي سيربطنا أيضا بأحد شركائنا التجاريين والاقتصاديين في المنطقة وهي باكستان. كما أن لدينا خطة لتطوير شبكة النقل مع أفغانستان وإننا مستعدون لإعداد وتنفيذ مشاريع بعينها مع شركائنا. والهدف المنشود من هذه المشاريع يتمثل في إيجاد الإمكانيات الواسعة لدول المنطقة في مستقبل قريب ومن خلال ذلك إعطاء دفع جديد لتنمية التعاون الاقتصادي في منطقة آسيا الجنوبية والوسطى الشاسعة بأسرها.



من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
TT

من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

تواجه بعثات حفظ السلام في مناطق عدة بأفريقيا والشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة مع تصاعد بؤر التوتر وسط أزمات تمويل متفاقمة تهدد قدرتها على أداء مهامها الأمنية والإنسانية في مناطق النزاع. وحذّر تقرير لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام من أن التوترات الجيوسياسية ونقص التمويل يعرضان بعثات حفظ السلام في العالم للخطر، خاصة تلك التي تعمل تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأفاد المعهد، في تقرير حديث، بأن أقل من 79 ألف عنصر تم نشرهم ضمن مهمات حفظ السلام الدولية بنهاية عام 2025، في أدنى مستوى منذ 25 عاماً على الأقل.

ويرى خبير عسكري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التقرير يدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل بعثات حفظ السلام وقدرتها على الاستجابة السريعة للأزمات وتنفيذ برامج الاستقرار وإعادة بناء الثقة بمناطق وجودها، فضلاً عن إضعاف جهود مكافحة الإرهاب، مؤكداً ضرورة توافر إرادة سياسية ودعم دولي كاف لمواجهة هذه التحديات المتصاعدة.

ووفق التقرير، بلغ إجمالي مهمات حفظ السلام 58 مهمة في عام 2025، في تراجع للمرة الأولى عن عتبة الـ 60 مهمة منذ عام 2016، وتسجل ثلاثة أرباع القوات في خمس دول هي جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولبنان.

وبحسب الباحثة في المعهد، كلوديا بفايفر كروز فإنه «لضمان استدامة إدارة النزاعات المتعددة الأطراف، تحتاج الدول إلى تجاوز مجرد إبداء الدعم، إذ يتعين عليها توفير تمويل مستدام وخلق مساحة سياسية كافية لتمكين استجابات فعالة ومتعددة الأطراف».

وتُضعف أزمة التمويل المهمات التي تقودها الأمم المتحدة، حيث لم يفِ أكبر المانحين بالتزاماتهم كلياً أو جزئياً، ونتيجة لذلك، هناك عجز بملياري دولار من أصل 5.6 مليار مرصودة لميزانية 2024-2025، وفقاً للتقرير.

وبخلاف التمويل هناك عقبات سياسية، حيث أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، طالبت بإنهاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، على الرغم من انتهاكات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وكحل وسط، صوّت مجلس الأمن على تجديد مهمة «اليونيفيل» لمرة أخيرة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ناقوس خطر

جندي حفظ سلام نيبالي من بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، ذلك التقرير الدولي ناقوس خطر، لافتاً إلى أن بؤر التوتر المتعددة أثرت بشكل كبير على فاعلية بعثات حفظ السلام عبر زيادة المخاطر الأمنية واتساع نطاق المهام المطلوبة ما أدى إلى استنزاف الموارد البشرية واللوجستية وإضعاف القدرة على حماية المدنيين واحتواء النزاعات، مضيفاً أن تراجع التمويل يشكل تحدياً كبيراً، ويمس أوضاع الأمن والاستقرار بالبلد محل وجود القوات، كما هو الحال في الصومال، حيث تحتاج البعثة فيه لدعم.

تحذيرات

وحذر التقرير الدولي من أزمة أمنية واسعة، وقال جاير فان دير ليين، مدير برنامج عمليات السلام وإدارة النزاعات في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام: «إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فقد نشهد ضعفاً حاداً في إدارة النزاعات متعددة الأطراف والتهميش شبه الكامل لمؤسسات كالأمم المتحدة، نتيجة تضافر عوامل نقص التمويل والعوامل السياسية والجيوسياسية»، مرجحاً أن «ينتج عن ذلك المزيد من النزاعات التي يحتمل أن يكون لها آثار أشد وطأة على المدنيين، مع تخلي الدول عن المعايير الراسخة».

ويؤكد اللواء سمير فرج ضرورة أن تعمل الأمم المتحدة على تعزيز فاعلية بعثات السلام عبر إعادة هيكلة المهام وتطوير آليات التمويل والتنسيق مع القوى الإقليمية، لكن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بتوفر الإرادة السياسية والدعم الدولي الكافي لمواجهة التحديات المتزايدة خاصة في مكافحة الإرهاب.


تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
TT

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها، وهو ما قاد لبقاء المسافرين لساعات طويلة يفترشون الطرق، ودفع بعض العائدين للانتظار في مصر لحين انتهاء الأزمة التي بدأت في الانحسار عشية العيد.

ونشر ناشطون سودانيون مقاطع وشهادات تُوثِّق أوضاعاً إنسانيةً صعبةً عند معبر أرقين الحدودي، في ظلِّ أجواء الطقس الحار، ووجود حالات مرضية لا تستطيع البقاء في العراء، مشيرين إلى أنَّ الأسر تضطر للانتظار لحين توفير حافلات بأسعار مناسبة لهم، تُمكِّنهم من العودة إلى المناطق التي نزحوا منها؛ بسبب الحرب التي دخلت عامها الرابع.

في حين أكد مبارك داود مدير معبر أرقين الحدودي، في تصريحات إعلامية، الاثنين، بدء انفراج أزمة العالقين في المعبر، عقب توفير عدد من الحافلات السفرية لنقل العائدين إلى ولاياتهم المختلفة، مشيراً إلى أنَّ حركة الرحلات كانت تسير بصورة طبيعية حتى نهار السبت الماضي، قبل أن يشهد المعبر تكدُّساً متسارعاً وصل إلى نحو 5 آلاف عالق. وأرجع أسباب الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين؛ نتيجة تفاوت أسعار التذاكر بين الخطوط عقب الزيادة، التي أقرَّتها غرفة النقل بمناسبة عيد الأضحى، ما دفع السائقين إلى تفضيل الخطوط الأعلى سعراً.

وقالت عضوة الهيئة القومية للدفاع عن الحقوق والحريات وعضوة هيئة محامي الطوارئ في السودان، إقبال أحمد، إنَّ نقص الحافلات يعدُّ السبب الرئيسي في تكدُّس العائدين، مع سياسة «التفويج»، التي تعتمد عليها الحكومة السودانية للتعامل مع زيادة أعداد المتنقلين بين الولايات المختلفة في أيام العيد، وهي تقوم على تجميع الحافلات، والانطلاق معاً في توقيت واحد في محاولة لتفادي حوادث طرق النقل السريعة.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ عودة السودانيين، التي أخذت في الزيادة خلال الأشهر الماضية خلقت سوقاً داخليةً للنقل بين الخرطوم والولايات المختلفة، وهو ما حوَّل وجهة السائقين من المعابر إلى الولايات، مع كثرة نقاط التفتيش في الطرق المؤدية من وإلى المعابر الحدودية، مشيرة إلى أنَّ حملات تدقيق الإقامات التي تُنظِّمها الحكومة المصرية أسهمت في تكدُّس أعداد كبيرة على المعابر قبل عيد الأضحى، لكن التكدُّس يعيق عودة البعض.

وأكدت أنَّ ما يفاقم الأزمة هو أنَّ الأهالي العائدين لديهم ميزانيات محدودة للغاية، وبالكاد نجحوا في توفير ثمن تذاكر عودتهم، بينما شهد معبر أرقين خلال الأيام الماضية استغلال السائقين الكثافة العائدة ونقص الحافلات، في مضاعفة أسعار العودة إلى الولايات السودانية المختلفة، مشيرة إلى أن «العودة الطوعية» المجانية، التي تُنظِّمها الحكومة السودانية شهدت إقبالاً مضاعفاً عليها خلال الأسبوع الأخير.

نقص الحافلات يثير أزمة في معبر أرقين (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

ويعدُّ معبر أرقين أحد أهم المعابر التي تربط بين مصر والسودان، ويقع المعبر على الضفة الغربية لنهر النيل عند بحيرة النوبة، ويبعد نحو 326 كيلومتراً جنوب مدينة أسوان المصرية، و850 كيلومتراً شمال العاصمة السودانية الخرطوم.

ويوم الأحد أعلنت لجنة الأمل التي تشرف على رحلات «العودة الطوعية» انطلاق آخر فوج من السودانيين العائدين إلى بلادهم قبل عطلة عيد الأضحى، في إطار برنامج الرحلات المجانية، التي تنظمها اللجنة منذ أشهر لتسهيل عودة الأسر الراغبة في الاستقرار داخل السودان، مشيرة إلى أنَّ الرحلات شهدت إقبالاً متزايداً من السودانيين المقيمين في مصر، وسط ظروف إنسانية واقتصادية دفعت الكثيرين إلى العودة.

اللجنة أوضحت، في بيان رسمي، أنَّ الرحلات ستتوقف مؤقتاً خلال عطلة العيد، على أن تُستأنف مباشرة بعد انتهائها، وفق الجداول المُعدَّة مسبقاً لاستيعاب جميع المسجَّلين. وأكدت أنَّ عمليات الشحن والنقل ستعود بصورة طبيعية، مشيرة إلى أنَّ التوقُّف مؤقت ومرتبط فقط بظروف العطلة.

المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقي، المقيم في القاهرة، أشار إلى أنَّ التكدُّس الحالي في معبر أرقين يأتي بعد أسبوع من انتهاء امتحانات شهادات النقل، مع قرار كثير من الأسر العودة إلى السودان عقب استقرار الأوضاع بشكل كبير.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من الأسر، التي كانت تقيم في محافظات مصرية مختلفة تعرَّضت لما يشبه «النصب» من سائقي حافلات العودة، وأن «مكاتب حجز العودة تتضمَّن نقلهم من أماكن إقامتهم في العاصمة القاهرة وحتى ولايات سودانية متفق عليها، لكن ما يحدث هو أنَّ بعض السائقين أخلّوا باتفاقهم وتركوهم أمام معبر أرقين».

ويرى الباقي أنَّ الأزمة تتمثَّل أيضاً في عدم وجود تَصوُّر حكومي لأعداد العائدين، بما يسهم في توفير الخدمات واللوجستيات اللازمة، وبما يضمن عدم وجود تكدُّس، موضحاً أنَّ شهادات الأسر العالقة تشير إلى إرسال حافلات مدعومة من مجلس السيادة الانتقالي لتخفيف الأزمة.

زيادة في وتيرة العائدين من مصر إلى السودان (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

وكانت «الغرفة القومية للبصات السفرية» في السودان، أعلنت الخميس الماضي، تطبيق زيادة مؤقتة بنسبة 30 في المائة على أسعار تذاكر السفر بين الولايات.

وكان معبر أرقين قد شهد أزمة مماثلة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

رئيس جمعية «الصداقة المصرية - السودانية» محمد حبارة، أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ أعداد العائدين من مصر تزداد مع استقرار الأوضاع في عدد من الولايات السودانية، لكن ما يعيق انسيابية العودة يتمثَّل في ارتفاع تذاكر الحافلات، ووجود تكدُّس أمام المعابر، خصوصاً معبر أرقين، وهو ما دفع البعض لإرجاء عودته لحين استقرار أسعار رحلات العودة، أو الانتظار شهرين أو أكثر من أجل «العودة الطوعية» المجانية.


نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».