«انتفاضة المدى».. نهاية مرحلة وبداية مرحلة

قادها شبان لم يعودوا يثقون بإمكانية صنع السلام أو شعاراته.. وعينهم على «إنهاء الاحتلال»

فلسطيني تنكر في صفة صحافي يهم بمهاجمة جندي إسرائيلي بالضفة الغربية في أكتوبر الماضي قبل أن ترديه القوات الإسرائيلية قتيلا (رويترز)
فلسطيني تنكر في صفة صحافي يهم بمهاجمة جندي إسرائيلي بالضفة الغربية في أكتوبر الماضي قبل أن ترديه القوات الإسرائيلية قتيلا (رويترز)
TT

«انتفاضة المدى».. نهاية مرحلة وبداية مرحلة

فلسطيني تنكر في صفة صحافي يهم بمهاجمة جندي إسرائيلي بالضفة الغربية في أكتوبر الماضي قبل أن ترديه القوات الإسرائيلية قتيلا (رويترز)
فلسطيني تنكر في صفة صحافي يهم بمهاجمة جندي إسرائيلي بالضفة الغربية في أكتوبر الماضي قبل أن ترديه القوات الإسرائيلية قتيلا (رويترز)

لا أحد هنا (في فلسطين) يستطيع الإجابة عن السؤال الأهم: هل تلفظ «انتفاضة المدى» أنفاسها الأخيرة مع بداية عام جديد، أم تستمر وتتواصل وتشتعل وتخرج عن السيطرة وتتحول إلى «انتفاضة ثالثة» (شاملة وكبيرة)؟!
ربما لا يعرف الفلسطينيون أنفسهم ما إذا كانوا يريدون أصلا لانتفاضتهم أن تقف أو تستمر، ولماذا.. كما وقفوا حائرين خلال الشهور الثلاثة الماضية (عمر الانتفاضة) أمام إذا ما كان يجب أن تبقى عفوية أم تقودها الفصائل، أن تشترك بها السلطة أم تبقى بعيدة، أن تشارك بها غزة أم تواصل استراحتها، وهل يدخلون السلاح إليها أم تبقى مقتصرة على السكاكين والحجارة.
الشيء الوحيد الذي لا يحتاج إلى تأكيد أن الانتفاضة الحالية الصغيرة، إذا ما جاز التعبير، بدت عفوية واستمرت كذلك حتى الآن. لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنه لم تكن للانتفاضة أو الهبة أسبابها الكثيرة التي يعتقد أنها ستفجر غيرها من الانتفاضات لاحقا إن لم يكن الحروب.
كيف بدأت؟
إذا رصدنا بدايتها، بشكل عملي، فقد بدأت في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) 2015، عندما هاجم الشاب الفلسطيني مهند الحلبي بسكين مجموعة من المستوطنين في القدس فقتل اثنين منهم وأصاب آخرين، معلنا بذلك انطلاق «انتفاضة المدى»، التي شهدت لاحقا عشرات عمليات الطعن التي استلهمت فكر مهند، ولم تتوقف حتى الآن.
قبل ذلك بيومين كانت مجموعة مسلحة قتلت مستوطنين اثنين في عملية فردية نفذتها مجموعة من المسلحين على طريق نابلس، قبل أن يعتقلوا لاحقا، ويمكن القول إنها كانت «شرارة» الأحداث.
إذا رصدنا كيف بدأت من باب سياسي، فيمكن القول إن خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الأمم المتحدة نهاية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي كان بمثابة ضوء أخضر شجع الفلسطينيين على مثل هذه الانتفاضة.
وإذا عدنا للبدايات نظريا فقد تكون أبعد من ذلك بكثير، فالتسخين كان طويلا وطويلا جدا، من خلال ما قام به الإسرائيليون لسنوات طويلة من عمليات القتل والتهويد والاعتقالات والاجتياحات واقتحامات المسجد الأقصى وحرق فلسطينيين، والتي ترافقت جميعا مع انهيار الآمال الفلسطينية في إمكانية عقد السلام.
ولخص الرئيس الفلسطيني محمود عباس كل ذلك وأكثر في خطابه الذي كان جهز له جيدا ووصفه سابقا بقنبلة في نهاية سبتمبر في الأمم المتحدة، مهددا بشكل مباشر وعلني بالتحلل من كل الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل إذا استمر الوضع الحالي، ومعلنا فلسطين دولة تحت الاحتلال. صحيح أن عباس لم يضع سقفا زمنيا للبدء في وقف تطبيق الاتفاقات، لكنه أكد أن الوضع الراهن، الذي يشمل كل أفعال الاحتلال على الأرض وتنصله من السلام وتحويله السلطة إلى سلطة من دون سلطة، لا يمكن أن يستمر.
كان خطاب عباس باختصار خطابا تحريكيا، محليا وإسرائيليا ودوليا، إذ أراد عباس الضغط على العالم كله واضعا على الطاولة قنبلة جاهزة للتفجير، وشعاره «إما أن تعطونا دولة وإما أن تتحملوا مسؤولية الفوضى». ولكن بغض النظر عما إذا كان عباس أراد فوضى أو تحريك مواجهات بهذه الطريقة أو لا، فإن الفلسطينيين على الأرض أرادوها هكذا.
وبطبيعة الحال لم ينج عباس من اتهامات إسرائيلية، فقد هاجمه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وقال إنه ألقى خطابا «مخادعا وحافلا بالأكاذيب ويشجع على التحريض والتدمير في الشرق الأوسط». ودعا نتنياهو عباس إلى قبول عرضه بالمشاركة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل دون أي شروط مسبقة. وقال أيضا «إن رفض هذا العرض مرارا هو أفضل دليل على أنه (عباس) لا يريد اتفاق سلام».
ولاحقا، اتهمت إسرائيل عباس بتفجير الانتفاضة عبر التحريض المستمر الذي انتهجه. ورد عباس بأنها هبة شعبية وسلمية، واستمرت الانتفاضة قدما.
وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واصل أبو يوسف: «الاحتلال هو السبب». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يفهم العالم ما يجري فليعرف لماذا انطلقت الانتفاضة. أولا بسبب اليأس من انغلاق الأفق السياسي، وهذا الأمر تتحمل مسؤولياته حكومة نتنياهو التي جعلت من أمر المسار السياسي وسيلة لفرض أمر واقع على الأرض، يترجم بشطب حق العودة وإخراج القدس من الحيز الفلسطيني وتوسع الاستيطان واستمرار القتل وفصل غزة عن الضفة». وتابع: «جيش الاحتلال حتى قبل هذه الهبة أعدم 39 شابا فلسطينيا خلال الأشهر القليلة الماضية التي سبقت الهبة، في محاولة منه لخلط الأوراق والهروب من التزاماته».
ومضى أبو يوسف يقول: «الهبة بشكلها الحالي أطلقت منذ زمن، وليس الآن منذ استشهاد الطفل محمد خضير وإحراقه حيا في القدس، العام الماضي، وكانت ذروتها عندما تم إحراق عائلة دوابشة، وزادت وتيرتها مع اعتداءات المستوطنين وقطعهم الطرقات واستهداف الناس والأرض، وأصبحت أمرا لا مناص منه مع ما يجري في المسجد الأقصى من اقتحامات واستهدافات ترمي إلى خلق واقع لا يمكن أن يقبل به أحد». ومن وجهة نظر أبو يوسف فإن الهبة الحالية تعبير عن رفض الاحتلال، إذ «لا يمكن القبول بأن يكون هناك تعايش مع الاحتلال، وهذا ما أطلق الهبة وسيطلق غيرها لاحقا».
وهذا الشعار «إنهاء الاحتلال» طالما رفعه المتظاهرون في مدن ومخيمات وقرى الضفة الغربية التي شهدت يوميا عمليات طعن متكررة ومواجهات واسعة بما في ذلك القدس، قبل أن تأخذ إسرائيل سلسلة إجراءات عسكرية وأمنية وقمعية، تجلت بدفع تعزيزات عسكرية إلى القدس والضفة، وفصل أحياء عربية عن يهودية، ومحاصرة مدن وقرى ومخيمات وتنفيذ إعدامات في الشوارع لأي مشتبهين أو معتقلين نفذوا عمليات وهدم منازلهم واحتجاز جثامينهم والاستمرار في حملات الاعتقال الواسعة.
وعلى الرغم من ذلك، لم تستطع إسرائيل وقف الانتفاضة نهائيا، وإن كانت نجحت في تخفيف وتيرة وحدة العمليات والمواجهات. وقد أقر قادتها بأنهم عاجزون أمام العمليات الفردية التي لا يقف خلفها تنظيم ولا يمكن التنبؤ بها.
وهذا «الأداء الفردي» كان أحد أسرار الانتفاضة ومصدر قوتها، كما كان أيضا أحد الأسباب الأهم كي تخبو شيئا فشيئا. وليس خافيا أن شبانا صغارا ولد معظمهم بعد اتفاق أوسلو وباتوا يؤمنون بأن صنع السلام مع إسرائيل مسألة مستحيلة أو بعيدة المنال على الرغم مما تقدمه القيادة الفلسطينية بهذا الصدد، هم الذين قادوا الانتفاضة الحالية.
وكتب آفي زخاروف، محلل شؤون الشرق الأوسط في «تايمز أوف» العبرية، أن «جيل انتفاضة السكاكين أو الهبة يلقب في المجتمع الفلسطيني بـ(أطفال أوسلو). ولُدوا بعد اتفاق أوسلو عام 1993 وبعد تأسيس السلطة الفلسطينية. سمعوا عن الاحتلال الإسرائيلي بنمطه القديم، لكنهم لا يدركون معناه تماما. السلطة الفلسطينية بالنسبة لهم هي السلطة منذ لحظة ولادتهم لكنهم ينظرون إليها بتشكك. في عملية الجدار الواقي كان معظمهم أطفالا صغارا، وجزء منهم لم يولد بعد. إنهم مدمنون على الإنترنت وبالطبع الـ(فيسبوك)، وبالنسبة لهم فإن وسائل الإعلام الرسمية التابعة للسلطة هي من عصر التسعينات. ويتناقلون بين بعضهم البعض أشرطة فيديو ورسائل عبر (واتسآب) وتطبيقات أخرى، وهكذا يكوّنون شبكة اتصالات، وأخبارا خاصة بهم».
لم تكن لهؤلاء الشبان قيادة وطنية بخلاف الانتفاضتين السابقتين، ويبدو أنهم لم يرغبوا في ذلك، ويمكن قراءة هذا في الوصية التي تركها بهاء عليان (22 عاما) الذي نفذ عملية في إحدى حافلات المستوطنين، بمستوطنة «أرمون نتسيف»، ويصر على ألا يتبناه أي فصيل. وقال عليان في وصيته إنه لا يريد أن تتبناه الفصائل، ولا أن توضع له بوسترات، وألا يتم التعامل معه كرقم من الأرقام. وعليان نموذج للشباب الجديد المثقف الذي يعي ما يفعل على الأرض. وكان عليان دخل موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بعد أن نفذ أطول سلسلة قراءة بشرية حول أسوار القدس العتيقة. وليس سرا أن كثيرا من الشبان الذي يشاركون في المواجهات مثقفون وفنانون ومسرحيون وناشطون في مجالات الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ولا يؤمنون بالفصائل.
لكن برز سؤال مهم في ظل هذا الوضع: هل يمكن أن تستمر هذه الانتفاضة من دون قيادة الفصائل؟
وبحسب تجربة الفلسطينيين فقد استمرت الانتفاضات السابقة وصمدت بوجود قيادة تبنتها، ففي الانتفاضة الأولى عام 1987، قادها ما يعرف بـ«ق.و.م» (القيادة الوطنية الموحدة) التابعة لمنظمة التحرير، وفي الثانية عام 2000 دخلت الفصائل بقوة على الخط بما فيها الإسلامية.
وقال المحلل العسكري يوسف الشرقاوي، لـ«الشرق الأوسط»: «الأهم أنها انتفاضة جيل مظلوم مهمش من سلطة لا تعير له أي أهمية، وهو يمتاز بحس عال من الوطنية، وبصراحة فإنه حول موجة الانفجار الطبيعي ضد السلطة إلى اتجاه آخر هو الاحتلال». وأضاف: «هذا الجيل بعث برسالة واضحة مزدوجة بأننا سنجعل من هذه السلطة نظاما لا تستفيد منه إسرائيل مطلقا، بمشاغلة الاحتلال لطرده من خلال جعله يدفع ثمن احتلاله بعد أن تحول إلى أربح احتلال في العالم، بفعل أدوات السلطة التي فشلت في إدارة الصراع معه». ويعتقد الشرقاوي أن الانتفاضة على الرغم من المخاوف العالية من قصورها الذاتي، تهيئ لما هو قادم. وأضاف: «إنها بروفة لفعل أكبر مما يتوقعه الجميع برأيي».
ويتفق كثير من المراقبين مع أبو يوسف والشرقاوي بأن هذه الانتفاضة تؤسس بطريقة أو بأخرى لمرحلة جديدة ومختلفة، خصوصا أنه من غير المتوقع أن تستجيب إسرائيل للطلب الأهم «إنهاء الاحتلال». وعلى هذا الطريق (إنهاء الاحتلال) قضى في الانتفاضة الحالية أكثر من 129 فلسطينيا فيما أصيب نحو 15322 فلسطينيا، بمن فيهم الإصابات بالغاز، مقابل 22 قتيلا إسرائيليا، وإصابة 338 إسرائيليا في 69 عملية طعن وبعض عمليات إطلاق النار، وقضى عشرات الآلاف من الفلسطينيين والعرب عبر مسيرة طويلة لن تكون هذه الانتفاضة آخرها أو ذروتها على الإطلاق.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.