موسكو في الوحل السوري

ضغوط سياسية وعسكرية ومراوحة ميدانية .. والأشهر المقبلة حاسمة.. وتوقعات بمواجهات مباشرة بين روسيا وتركيا

عنصر من القوات الروسية يحمّل قذيفة على متن مقاتلة «سوخوي» في قاعدة حميميم الجوية في 22 أكتوبر الماضي (رويترز)
عنصر من القوات الروسية يحمّل قذيفة على متن مقاتلة «سوخوي» في قاعدة حميميم الجوية في 22 أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

موسكو في الوحل السوري

عنصر من القوات الروسية يحمّل قذيفة على متن مقاتلة «سوخوي» في قاعدة حميميم الجوية في 22 أكتوبر الماضي (رويترز)
عنصر من القوات الروسية يحمّل قذيفة على متن مقاتلة «سوخوي» في قاعدة حميميم الجوية في 22 أكتوبر الماضي (رويترز)

تحت عنوان محاربة تنظيم داعش دخلت روسيا الشرق الأوسط من البوابة السورية في عام 2015 فارضة نفسها لاعبا أساسيا في أي عملية سياسية لحل الأزمة عبر وجودها العسكري وتأمين قاعدة طرطوس البحرية، لكنها وإن نجحت في إطالة عمر النظام وتحريك الملف السوري دوليا لم تستطع ومنذ سبتمبر (أيلول) الماضي في إحراز تغيرات عسكرية ملحوظة على الأرض.
وبفضل التدخل في سوريا، بات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قلب الأحداث، بحيث نسج علاقات مع مصر وأصبح محاورا رئيسيا للأردن ودول الخليج، ووضع نفسه في موقع مساوٍ مع الولايات المتحدة في التوصل إلى حل للنزاع السوري.
ويرى مدير الأبحاث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولي كريم بيطار في حديثه لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنه «من الممكن شرح تصلب الموقف الروسي في سوريا انطلاقا من عوامل عدة: حماية واحدة من آخر الدول الحليفة لها في الشرق الأوسط، سخطها تجاه السياسة الغربية في ليبيا، إرادتها بفرض نفسها حامية لمسيحيي الشرق، وخوفها من تمدد المتشددين إلى القوقاز، وأخيرا ذهنية الانتقام الموجودة لديها على ضوء الإذلال الذي لحق بها مرارا منذ 1989».
ويوضح إدغار كورتوف رئيس تحرير المجلة الروسية «مشكلات الاستراتيجية الوطنية» المقربة من الكرملين، بالقول إن «المصلحة الوطنية تدفع الروس إلى التحرك في الشرق الأوسط لئلا تضطر إلى مكافحة هذه النيران (المتطرفين) قرب حدودنا». ويضيف: «يأمل القادة الروس أيضًا باستعادة روسيا لموقعها في السياسة العالمية، على غرار ما كان عليه موقع الاتحاد السوفياتي».
في المقابل، يشير الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية اللبناني الدكتور سامي نادر إلى أن التدخل الروسي جاء بعد التراجع الأميركي وعلى حساب اللاعب الإيراني في المنطقة ودور تركيا والمنطقة الآمنة التي كانت تعمل الأخيرة على إقامتها. وهو ما قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية ومباشرة في المرحلة المقبلة بين تركيا وروسيا خاصة إذا أكملت موسكو مخططها باتجاه دعم الأكراد وإقامة كردستان سوريا، موضحا في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «المواقف التركية الرسمية ونبرتها العالية تعكس قلق أنقرة من هذا الموضوع، وكان آخرها ما أعلنه رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بقوله: (لن نسمح أن تكون كردستان على طول حدودنا)».
وأضاف نادر: «وهذا الأمر إذا تحقق يعني سقوط حلب بيد النظام وروسيا ليصبح عندها تحالف (روسيا - النظام – الأكراد) هو المؤهل لملء الفراغ الذي يتركه (داعش)، وخير دليل على هذا الأمر هو أن موسكو التي تدّعي أنها تحارب (داعش) تركّز ضرباتها على (أحرار الشام) و(النصرة) اللذين كانا من المتوقع أن يملآ هذا الفراغ».
وليس بعيدا عن مخطط موسكو نفسه، قتل الأسبوع الماضي بغارة روسية، قائد «جيش الإسلام» في الغوطة الشرقية زهران علوش وعدد من قيادات التنظيم الذي يعتبر أكبر فصيل للمعارضة العسكرية ويعرف باختلافه الفكري مع «داعش» و«القاعدة»، وهو ما اعتبرته المعارضة السورية «ردًا على اجتماع الرياض» الذي شارك فيه علوش، أرادت موسكو من خلاله «اغتيال جنيف3» وإطلاق رصاصة الرحمة على جهود الأمم المتحدة لاستئناف التسوية السياسية في سوريا، مع العلم بأن إسقاط الطائرة المدنية الروسية في شبه جزيرة سيناء في نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كان أحد أبرز النتائج للتدخل في سوريا قبل أن تنفذ تركيا تحذيرها لموسكو من خرق أجوائها عبر إسقاط طائرة روسية، في منطقة هاتاي الحدودية، في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وهو الأمر الذي نتج عنه تأزما في العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين وتصعيدا في المواقف إلى درجة غير مسبوقة.
وعلى الصعيد العسكري لم يسجل التدخل الروسي أي تقدم ملحوظ على الأرض، إذا وفي حين لم يكن له التأثير الواضح على مواقع «جبهة النصرة» و«داعش» فإن آلاف ضرباته ارتكزت على مواقع المعارضة في إدلب وحلب وريف دمشق ودرعا واللاذقية، بينما لم يطرأ أي تعديل يذكر على خطوط الجبهات وميزان القوى على الأرض بين مختلف الأطراف.
وفي وقت يبدو واضحا ومعلنا التنسيق والتعاون العسكري بين الأكراد وموسكو في الشمال السوري، تؤكد كل التقارير أن الضربات الروسية في سوريا التي تكلّف مئات آلاف الدولارات لا ترتكز على استهداف تنظيم داعش، بل استهدفت بشكل أساسي المعارضة المعتدلة إضافة إلى مناطق مدنية مستخدمة كذلك القنابل العنقودية، ووصف ما تقوم به بأنه يرقى إلى جرائم حرب.
وكانت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية قد نقلت عن جان بير فيليو المتخصص في الشرق الأوسط قوله «إن التدخل الروسي في سوريا من شأنه تقوية تنظيم داعش في هذا البلد كما كان الحال مع التدخل الأميركي في العراق عام 2003.
وفي حين أشارت معلومات إلى أن موسكو رفعت عدد مستشاريها العسكريين من ألفين إلى 4 آلاف، في وقت لم تنجح فيه قوات النظام وحلفاؤه باستعادة أكثر من 0.4 في المائة من الأراضي، قال تقرير صادر عن مؤسسة العفو الدولية «أمنستي» في 23ديسمبر (كانون الأول) إن مئات المدنيين السوريين قتلوا جراء الضربات الروسية التي فشلت في تركيز أهدافها على الأهداف العسكرية فقط.
وأضاف التقرير أن روسيا اضطرت للكذب مرارا وتكرارا للتغطية على سقوط المئات من المدنيين في سوريا خلال قصف أهداف غير عسكرية، كاستهداف مسجد ومستشفى ميداني، وفقا لشهود أجرت معهم المنظمة الدولية عدة مقابلات.
وذكرت «أمنستي» في تقريرها أنها توصلت إلى أدلة تثبت استخدام روسيا قنابل عنقودية في مناطق مدنية، وأضافت أن عدد المدنيين الذين قتلوا جراء هذه الغارات تجاوز عدد العسكريين القتلى، فبعد مراجعة ست غارات للطيران الروسي، تبين مقتل 200 شخص من غير العسكريين مقابل أقل من عشرين عسكريا قتلوا في نفس تلك الغارات.
وقال فيليب لوثر، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «أمنستي»: «يبدو أن بعض الهجمات الروسية هاجمت بشكل مباشر أهدافا مدنية من خلال ضرب مواقع سكنية لا تحمل أي طابع عسكري. مثل هذه الهجمات يمكن أن نعتبرها جرائم حرب».
لكن روسيا تنفي هذا الأمر وتؤكد أن هجماتها دقيقة ولا تستهدف إلا عناصر «داعش».
وكشف معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في تقرير له، في 23 ديسمبر، أن التكلفة اللوجيستية والمادية للقوات الروسية التي شاركت في الحرب السورية، ستكلف موسكو مليار دولار سنويًا.
كما أكد المعهد أن التكلفة اليومية للذخائر تبلغ 750 ألف دولار، فيما بلغت كلفة الصواريخ الباليستية التي تطلقها المقاتلات الروسية من بحر قزوين ما بين 1.2 و1.5 مليون دولار، وكشف التقرير عن وجود طائرات من دون طيار وأخرى استخباراتية في سوريا.
وأمام هذا الواقع، يرى نادر أن التدخل العسكري الذي حوّل سوريا إلى ساحة دولية وبات ينذر بحرب عالمية وأدى إلى تحريك الحل السياسي قد ينتج عنه تسوية للأزمة في عام 2016، بعدما كان قد أعطى دفعا للمسار الدبلوماسي نحو الواجهة وتوصل إلى قرار في مجلس الأمن وإن كان غير قابل للتطبيق حتى الآن.
وأوضح: «مما لا شك فيه أنّ الأشهر القليلة المقبلة في بداية العام ستكون حاسمة عسكريا وسياسيا، إذ إن روسيا ستحاول بعد تدخلها عسكريا فرض نفسها سياسيا في أي حكومة انتقالية في سوريا، وليس مستبعدا أن تضع الأسد ونظامه تحت الأمر الواقع، مقابل مصالحها، وتذهب بتسوية التخلي عن الأسد
إذا كان رحيله يحقّق مصالحها فهي لن تتمسك به بعد ذلك، وتقول له فعلت ما بإمكاني فعله».
وأضاف نادر: «إيران تدفع الأثمان في سوريا عسكريا وروسيا تنجح وتفرض دورها دبلوماسيا وستدفع باتجاه الحل السياسي لأنها غير قادرة على الصمود مدة أطول في ظل العقوبات الاقتصادية التي ترزح تحتها وعدم تحقيقها تقدما عسكريا في سوريا وبالتالي تحاول استثمار هذا الأمر في السياسة وتحسين شروطها قبل الدخول في الحل السياسي انطلاقا من أن موازين القوى هي التي تلعب دورا في رسم صورة الحكم الانتقالي في سوريا لاحقا»، مؤكدا أن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة كما أنها قد تشهد مفاجآت سياسية وعسكرية، لا سيما على صعيد خطر التدخل التركي ومواجهة عسكرية بين أنقرة وموسكو.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.