بن دغر لـ {الشرق الأوسط}: روسيا تفكر في إخراج صالح من ورطته مقابل ترك الحوثيين

نائب رئيس «المؤتمر الشعبي» قال إن أقلية في الحزب تؤيد الرئيس السابق.. ومكان انعقاد المباحثات الثالثة لم يتحدد

بن دغر
بن دغر
TT

بن دغر لـ {الشرق الأوسط}: روسيا تفكر في إخراج صالح من ورطته مقابل ترك الحوثيين

بن دغر
بن دغر

قال الدكتور أحمد عبيد بن دغر، مستشار الرئيس اليمني، إن روسيا تفكر في محاولة إخراج الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح من ورطته، مقابل أن يترك الحوثيين يواجهون مصيرهم، أو ينصاعون للسلام، مشيرًا إلى أن فلاديمير ديدوشكين، السفير الروسي في صنعاء، أبلغه بأن بلاده لا تزال تعمل وفقًا لقرار مجلس الأمن، وأن صالح أصبح بحد ذاته «مشكلة».
وأوضح الدكتور بن دغر، وهو أيضًا النائب الأول لحزب المؤتمر الشعبي العام، أن الأقلية من فروع الحزب، لا تزال تؤيد الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وأنه حاول مرارًا تقديم الدعوة للجنة الدائمة لانعقاد جلستها، إلا أنه لم يحضر أحد. وأشار مستشار الرئيس اليمني في حوار لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هناك معلومات عن اتفاق سري جرى بين المخلوع صالح وعبد الملك الحوثي، زعيم الحوثيين، مفاده الانتقام من كل الأطراف التي كانت بالسلطة وأدت إلى إقالة صالح في 2011، وترتب عليه، زحف الميليشيات الحوثية إلى صنعاء، وأن هناك اتصالات مع الحوثي وصالح قبل مارس (آذار) 2015، بعضها مكتوب عبر رسائل، وأخرى عبر اتصالات هاتفية. وقال: «أظن أن هناك اتفاقًا آخر سابقًا ربما جرى مع أحد المقربين من صالح، وهو أحمد علي عبد الله صالح، وعبد الملك الحوثي»
* هل يريد الرئيس المخلوع صالح فتح الحوار مع السعودية من خلال الاتهامات التي وجهها ضدها؟
- الرئيس المخلوع صالح عندما يجد نفسه في موقع صعب يبحث دائمًا، ولو شكليًا، عن مخرج آمن. وظن أنه إذا اتهم السعودية بأن ذلك سيشكل له مخرجًا وسيعطيه الفرصة إلى الحوار المباشر معها. أنا على يقين من أن السعودية لن تستجيب لرغبات ونزوات صالح، وأعتقد أنها حاولت منذ فترة أن تجعل صالح في المكان الذي تراه مناسبًا خلال السنوات الماضية، إلا أنه كان ناكرًا للجميل. يكفي فقط أن الرياض في عهد الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، أنقذته من الموت في 3 يونيو (حزيران) 2011، وأرسلت له طائرة خاصة مزودة بالأجهزة الطبية والكوادر الاستشارية.
صالح شعر بالهزيمة خلال الأيام الماضية ربما للمرة الأولى يسمع المدافع بالقرب من العاصمة صنعاء، ويسمع أيضًا أصواتًا مختلفة عما كان يختلف عليه في السابق، وخصوصًا أن اليمنيين تحملوا نزوات هذا الرجل وهم يدركون أن مصالحهم تختلف عن مصالح المتمردين. يعمل المخلوع على التغير في تحالفاته، وينشئ أيضًا تحالفات جديدة، لضمان بقائه في السلطة، وهذا ما فعله تمامًا، وقام بمحاربة الحوثيين ست مرات متتالية، وضحى بنحو 15 ألفًا من الضباط والجنود في القوات اليمنية المسلحة، وفجأة انقلب حليفًا لهم.
* الحرب بدأت منذ 8 أشهر.. لماذا حكمت على صالح بأنه أصبح يسمع صوت المدافع خلال الأيام الماضية؟
- بنيت على معطيات على الأرض تقول إن الحوثيين سيطروا على أجزاء كبيرة على الأرض، وهم في الواقع سيطروا على خمسة أقاليم وأجزاء من إقليم حضرموت، والمتغير الثاني في وعي المجتمع اليمني. منذ ثمانية أشهر، لم تكن هناك مقاومة شعبية في عدن ولحج وأبين ومناطق أخرى، وكانت المقاومة في بدايتها في تعز، وصالح يعرف جيدًا أن المعطيات على الأرض. والسياسة الدولية لم تعد في نفس الحال على ما كانت عليه في بداية مارس الماضي، وهذه المعطيات فرضت عليه أن يفكر بطريقة مختلفة، ولكنه أراد أن يظهر بشكل قوي ومنتصر، وأن يطلب من السعودية أن تتحاور معه، دون أن يتحاور هو مع الحكومة الشرعية.
* كنت قريبًا منه عقدًا من الزمن.. هل سيسقط المخلوع صالح؟
- صالح في رأسه أمر واحد فقط، البقاء في السلطة، فإن خسر ذلك، فيبحث أن يكون شريكًا فيها، وإن خسر ذلك، فضمان السلطة لتوريث السلطة لأحد أبنائه، وجميع النقاط الثلاث أهداف رئيسية يسعى إليها، ويوجه لها كل إمكانياته وعلاقاته الشخصية، والقبول الشعبي، ولكن عندما شعر أن مخرجات الحوار الوطني ستؤدي إلى دولة اتحادية لا مركزية، بحيث لن يستطيع أحد أن يتحكم فيها طرف من الأطراف بما فيها صنعاء، ويمنح ذلك تقسيم السلطة والثورة، وأن هذه المخرجات ستقضي على كل آماله، فذهب إلى البحث عن تحالفات جديدة تمنحه البقاء في السلطة، أو إعطاء الفرصة لأحد أقاربه، وأظن، أن هناك اتفاقًا سريًا جرى بين عبد الملك الحوثي وصالح، وهذا الاتفاق جرى بالانتقام من كل الأطراف التي كانت بالسلطة وأدت إلى إقالة صالح في 2011، وترتب عليه، زحف الميليشيات الحوثية إلى صنعاء، لأن الحرس الجمهوري وألوية الجيش، إما أنها لا تزال متأثرة في صالح، وإما أنها تتبع للحرس الجمهوري لأحمد علي عبد الله صالح، وهذه القوات لم تقاتل الحوثيين في دماج وحشد وعمران، الطرف الوحيد الذي صمد هو «الشهيد» اللواء حميد القشيبي، وعمل بالتضحية والدفاع عن عمران، وخذله.
ونفذت الميليشيات الحوثية عمليات انتقام في دماج لطرف ما، وفي حاشد للانتقام من أبناء الأحمر، وعمران للانتقام من علي محسن الأحمر والقشيبي للانتقام منه، وأخيرًا في صنعاء للانتقام من الرئيس اليمني الحالي عبد ربه منصور هادي.
* ما تفاصيل وأدوات الاتفاق السري بين صالح والحوثي من وجهة نظرك؟
- كان هناك بعض المؤشرات ولقاءات تجري مع القيادات الحوثية في ذلك الوقت، وأيضًا اتصالات مباشرة مع عبد الملك الحوثي وصالح، قبل مارس 2015، أي قبل وصول الحوثيين إلى صنعاء، وهذه الاتصالات بعضها مكتوب عبر رسائل، وأخرى عبر اتصالات هاتفية، وأظن أن هناك اتفاقًا سابقًا ربما جرى مع أحد المقربين من صالح، وهو أحمد علي عبد الله صالح، وعبد الملك الحوثي، ويترتب على هذا السيناريو الكبير، أن تبدو قوات الحرس الجمهوري متخاذلة أو تعمل على مقاومة عسكرية، ولا بد من سيناريو لإخراجهم من الحرج.
* هل كان الرئيس المخلوع يستشيركم حينما كنت مقربًا منه؟
- كل الرموز كانت قريبة من صالح، وبعد 2011 لم تنقطع العلاقة مباشرة، ولكن حصلت عوامل عدة أدت إلى تعكير صفو هذه العلاقة، وأدت هذه النتائج إلى تأزم المواقف فيما بينهم، وكان هناك مطبخان لدى صالح، أحدهما المطبخ السياسي ويضم عبد ربه منصور هادي، وعبد الكريم الإرياني، وعبد العزيز عبد الغني، وعبد القادر باجمال، وعلي مجوف، والآخر المطبخ الأسري والعسكري، وأبرز أعضائه أبناء صالح، وهم أحمد وطارق وعمار، ويجري فيه لقاءات خاصة، قليل من يعرف هذه اللقاءات، والمطبخ السياسي كان يقر السياسات في اللجنة العامة، ومنها التي أرغمت على المبادرة الخليجية، وآليته السياسية، وهو الذي يديرها بنفسه.
* التقيت في الرياض مع السفير الروسي في صنعاء.. ما أبرز المحاور التي جرت مناقشتها؟
- لقاء فلاديمير ديدوشكين السفير الروسي في صنعاء كان على هامش لقاء دبلوماسي في الرياض، وأبلغني بأنه سيذهب إلى اليمن لمقابلة علي عبد الله صالح، وأعتقد أنه قابله، وذلك لمحاولة تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في اليمن، فسألته عما إذا كان يعتقد تحقيقه للسلام على ضوء قرار مجلس الأمن 2216، فأجاب نحن (في روسيا) ما زلنا نقف مع قرار مجلس الأمن بشأن اليمن، إلا أن صالح أصبح مشكلة، فرددت عليه: «روسيا باستطاعتها إخراج صالح من ورطته، ونصحه بأن يخرج وأن يترك الحوثيين يواجهون مصيرهم، أو ينصاعون للسلام، ونحن في نهاية المطاف لا بد أن نذهب للسلام، كل نهاية للحرب الذهاب للسلام»، فرد عليَّ السفير ديدوشكين: «هذا ما نفكر فيه ونعمل من أجله».
لكن في الغالب، أعتقد أن صالح يبحث عن وسيلة لجر الروس إلى اليمن، فإذا شعر بأن هناك مصالح في اليمن، لا أظن أن زيارة السفير الروسي ستحقق ما يريده، يمكن أن يطرحوا عليه فكرة الخروج الآمن من صنعاء، وخصوصًا أن الأميركان والبريطانيين وإحدى دول الخليج، عرضت عليه فكرة الخروج الآمن من صنعاء إلا أنه كان يرفض.
* كم تشكل نسبة كراسي حزب المؤتمر الشعبي العام للموالين لصالح؟
- لاحظ أن ثلثي الأرض والسكان اليمنية، خارج سيطرة صالح، وثلثي فروع «المؤتمر» خارج سيطرته أيضًا الآن الأقلية من فروع «المؤتمر» تؤيد صالح، وحاول المخلوع أن تقديم الدعوة للجنة الدائمة للانعقاد جلسته، ولم يحضر أحد.
الآن، يقدم دعوة للجنة العامة وهي بمثابة المكتب السياسي، ولا يحضر معه إلا بعض الأشخاص، ويعمل على تغطية القاعة خلال التصوير على أن عدد الحضور كبير، كي يعتقد المشاهد أن اللجنة العامة اكتمل نصابها أمام صالح، وهي لست بحقيقة.
«المؤتمر الشعبي العام» منقسم على نفسه، ويحاول أن يصادر صالح المؤتمر الشعبي العام لصالحه، ويوظفه لتحقيق أهدافه ولكن في نهاية المطاف، الوقائع على الأرض لا تشير إلى هذا، ولكن الصحيح الطرف الذي يرفض صالح وبرامجه وأهدافه ويؤيد الشرعية والتحالف العربي، لا يملك من الإمكانيات التي يملكها صالح في واقع الحال، وهذا هو الفرق بين من يقفون مع صالح أو غيرهم.
* هل حاولتم استقطاب أحد من الموالين للمخلوع إلى صفوف الشرعية؟
- نحاول أن نستقطب الكثير من اللجنة الدائمة، وكذلك العامة، وأجرينا اتصالات كثيرة، وأنا أتكلم على المناطق التي لا تزال تحت سيطرة صالح والحوثي.
* ماذا عن عارف الزوكا وأبو بكر القربي؟
- الزوكا (قيادي من المؤتمر الشعبي) أقرب الأشخاص في الحزب لصالح، لكن عندما يقرر صالح في السياسة لا يستشير أحدًا، أما بعد الانقسام الذي حدث في الحزب، كانوا يقولون خلال اجتماع «جنيف2»، إنهم يمثلون «المؤتمر الشعبي العام»، ورددت عليه بأنه يمثل صالح نفسه وليس لكم أي دخل في المؤتمر. أما أبو بكر القربي (وزير خارجية اليمن الأسبق)، فهو بعيد عن مبادئ سياسة التسوية والمبادئ العامة بين الطرفين في الحل السياسي في اليمن، ولا سيما أن القربي رجل دبلوماسي تولى حقيبة الخارجية اليمنية 11 سنة، وأخذ موقفًا آخر مع الطرف المتمرد، وأعتقد أن أبو بكر مختلف عن الآخرين، وربما قد يتغير موقفه قريبًا.
* جددتم طلب تولي عبد ربه منصور هادي رئاسة الحزب المؤتمر الشعبي العام.. إلى أين وصل الأمر؟
- هذا الأمر يتوقف على قرار الرئيس نفسه، متى ما تجتمع اللجنة الدائمة لاختيار عبد ربه منصور، وكان مقترحًا من أعضاء «المؤتمر» الموجودين في الرياض، إلا أن هناك آخرين موجودون خارج السعودية.
عندما اقترح قرار تولي عبد ربه منصور هادي، رئاسة «المؤتمر»، يأتي ذلك انسجامًا مع مواقفنا، لكن نحن في «المؤتمر» نعترف بأننا لم نتحرك، إلا أن هناك صعوبة في عملية جمع أعضاء اللجنة الدائمة أو «المؤتمر العام»، وعددهم نحو 7 آلاف شخص، ولا يعقد حزب بهذا المستوى، واخترنا القاهرة كمكان في السابق، حيث إن استضافتهم ونقلهم من داخل اليمن، يتطلبان دعم وتأهيل الظروف المناسبة، ولو شعرنا أننا جاهزون، سنطلب، وتحدثت مع السفير المصري بالرياض بهذا الشأن، ورحب مبدئيًا وطلب منا خطابًا رسميًا لوزير خارجية بلاده.
* هل «جنيف2» حقق بعض النجاح؟
- البيان الذي أدلى فيه إسماعيل ولد الشيخ، المبعوث الأممي لليمن، كان يعكس وجهات النظر المتناقضة، وأعلنت أنه حقق بعض النجاح، وهو صحيح، ولكن القضايا الرئيسية لم تطرق الانسحاب أو تسليم الأسلحة أو استعادة الدولة، وإنما طرح المعتقلين وتقديم المساعدات الإغاثية إلى تعز، إلا أن المساعدات الإغاثية لم تدخل تعز وللأسف، وتعز تعاني معاناة من صلف صالح والحوثيين وجبروتهم على أهلها، ومن استخدام أقوى أنواع العنف ضد شعبها وسكانها، ومؤكَّد أن تعز ستنتصر وتشكل مسارًا جديدًا في الحالة اليمنية.
صحيح، نحن اتفقنا على موعد المكان لعقد المشاورات الثالثة، إلا أنه جرى حديث حول مكان المؤتمر، وما زلنا في تشاور عن الموقع، وحصل توافق على لجنة التوافق والتهدئة، طرفها عسكري من الجانبين ومندوب من الأمم المتحدة، وكل طرف من هذه الأطراف مع قيادته للاستفسار والتهدئة، ومقرها الأردن، وتكفلت الأمم المتحدة بالتكفل بنفقاتها، وتجري مناقشة واسعة.
* هل هذه اللجنة تملك صلاحيات الأمر العسكري؟ وماذا حدث في اليوم الرابع في «جنيف2»؟
- اليوم الرابع عندما تحققت الانتصارات في الجوف ومأرب، حدث غياب لوفد الانقلابيين، وهذا الانتصار خلق نوع من الهيستيري لديهم، وأرادوا الانسحاب كليًا من المشاورات، إلا أن هناك من نصحهم أن يبقوا في المكان بغياب دون انسحاب، من أجل تعطيل وتثبيت وقف إطلاق النار.
* لماذا لم يطرح موضوع الانسحاب وإعادة الدولة في «جنيف2»؟
- الحوار الذي صادق عليه الطرفين كان على مرحلتين، ثم تنكره الانقلابيون، وتوقعنا بناء على النقطة الأولى حول بناء الثقة، في إطلاق سراح عدد من المعتقلين، استجابة لقرار الهدنة الذي أعلن عنه الرئيس هادي، في اليوم الأول للمحادثات، للأسف الشديد أرادوا الهدنة، ولكنهم لم يريدوا التحدث في هذه الجزئيات لبناء الثقة، الذي تسمح للانتقال إلى الموضوع الأخرى، مثل الانسحاب وتسليم الأسلحة واستعادة الشرعية.
باختصار، لم يأتِ وفد الانقلابيين من أجل السلام، ومجيئهم إلى «جنيف2» ظنوا أنهم سيحصلون على وقف إطلاق نار دائم، ويعودون لكي يجعلوا من وجودهم على أرض اليمن دائمًا.
* هل لمستم خطوات جادة خلال المباحثات؟
- الحوثيون لديهم هدف الاستيلاء على الأرض والحكم اليمن بالقوة أو أي وسيلة أخرى، وهذا صعب تحديده، أم صالح فكان يبحث عن مخرج سياسي يبقيه في السلطة أو حوار سياسي يكون هو شريكًا فيه، واختلاف الأهداف يجعل بعض التناقض فيما بينهم، لكن الهدف المشترك الاستيلاء على السلطة.
والمتمردون قدموا أفكارًا في ما يتعلق بوقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين، وغيرهما، وآخر نقطة إخراج اليمن من تحت الفصل السابع، وإلغاء العقوبات على أي يمني، والمقصود كل من ترتبت عليهم عقوبات أممية، وهم يتجاهلون مبدأً رئيسيًا في مجلس الأمن يفرض عليهم الالتزام والانسحاب وتسليم المعتقلين والاعتراف بالشرعية .



وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.


اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
TT

اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، مع الرفض المصري اللافت لهذه الخطوة، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة سابقاً مع حكومة مقديشو، وسط حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن تعزيز «مصر وجودها العسكري» في الصومال.

وأكد خبراء عسكريون مصريون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطر الإسرائيلي جراء خطوة الاعتراف «بالإقليم الانفصالي» يتطلب تعزيزاً للتنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو، غير أنَّ أشكال هذا التنسيق تبقى مختلفةً عمّا تحاول أن تُروِّج إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تسعى لادعاء مظلومية تشي بوجود تهديدات مصرية لإسرائيل.

ونقلت مواقع عبرية متعددة بينها صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «إيه آي 24» ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الأسبوع الماضي، بشأن «قيام مصر بتعزيز وجودها العسكري في الصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ (صومالي لاند)، خشيةً من النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية».

وادعت التقارير أن «القوات المصرية، البالغ قوامها 10 آلاف جندي، أُعيد توزيعها وتوسيع نطاق مهامها الأمنية لمواجهة التهديد الجيوسياسي المتنامي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وعبَّرت مصر عن رفضها الخطوة الإسرائيلية في إقليم «أرض الصومال» وكانت شريكةً في مواقف منفردة وجماعية في التأكيد على «الدعم الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه»، ورفضت «أي خطوات أحادية تمس السيادة، أو تفرض واقعاً سياسياً جديداً خارج الأطر القانونية الدولية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وأكد الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن الخطر الإسرائيلي في «صومالي لاند» يتطلب تعزيز التعاون العسكري مع الصومال، وأن القاهرة تركز بالأساس على تدريب القوات الصومالية وتجهيزها لضمان بسط كامل سيادة الدولة على الأراضي الصومالية، مشيراً إلى أن التعاون والتنسيق مستمر منذ عام 2024 وليس الآن.

وأوضح فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي تخلق بؤر توتر عدة في منطقة حساسة للغاية، كما أن قرب إقليم «أرض الصومال» من ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتأثيراته على «قناة السويس» يجعل مصر تنظر للأوضاع هناك بوصفها جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة يصعب تجاهله.

ومع الاعتراضات الإثيوبية التي برزت عند توقيع الاتفاق الأمني بين مصر والصومال قبل عام 2024، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في ذلك الحين أن «القوات المصرية ستشارك بالصومال بناء على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وفي سبتمبر الماضي، أنهى وفد مصري مهمةً استطلاعيةً تمهيداً لانتشار قوات من الجيش المصري ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (أوصوم)؛ بهدف الإسهام في تعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وترسيخ دعائم الاستقرار في الصومال والمنطقة.

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء عادل العمدة، «أن التعاون العسكري بين مصر والصومال ليس وليد اللحظة، بل قائم منذ توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك في خمسينات القرن الماضي، والآن هناك حاجة لتعزيز هذا التعاون في ظل مساعي إسرائيل لإثارة الأزمات بالمنطقة، وهي تتحالف مع إثيوبيا للإضرار بالمصالح المصرية والتحكم في ملاحة البحر الأحمر بما لدى ذلك من تأثيرات سلبية على قناة السويس».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تعزيز التعاون العسكري مع الصومال لا يشمل فقط القاهرة، بل إن هناك تنسيقاً مع المملكة العربية السعودية في هذا الإطار من أجل تقديم الدعم اللازم لمقديشو في مواجهة التدخلات الخارجية، مشيراً إلى «أن برتوكول التعاون الدفاعي يسير في اتجاهه القائم منذ التوقيع عليه، وهناك قوات مصرية منتشرة في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي، وأخرى في إطار منفصل لتأهيل القدرات العسكرية الصومالية وتدريب العناصر الأمنية».

يفسر العمدة الاهتمام الإسرائيلي بالتعاون بين مصر والصومال كونه يستهدف «ادعاء مظلومية يُصدِّر من خلالها الإعلام الإسرائيلي صورةً مضللةً عن التهديد الذي يمثله الجيش المصري لإسرائيل، رغم أن الحكومة اليمينية المتطرفة قامت بخرق القانون الدولي عبر الاعتراف بإقليم انفصالي»، مشيراً إلى أن المزاعم الإسرائيلية «تأتي في سياق أكاذيب كثيرة اعتاد عليها الإعلام العبري بشأن الوجود المصري في سيناء، وخرق (اتفاقية السلام)، والتهريب عبر الحدود».

وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر يناقش سبل التعاون العسكري مع نظيره الصومال أحمد معلم في سبتمبر الماضي بالقاهرة (المتحدث العسكري المصري)

وذكر موقع «واللا نيوز» العبري أن مصر عزَّزت مؤخراً وجودها العسكري في الصومال، رداً مباشراً على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو الأول منذ إعلانها استقلالها الفعلي عن مقديشو عام 1991.

وأكد التقرير العبري أن «القاهرة تخشى من أن تستغل إسرائيل نفوذها في أرض الصومال لبناء تعاون إقليمي مع إثيوبيا، الدولة التي تخوض معها مصر نزاعاً طويل الأمد حول سد النهضة ومياه نهر النيل».

ولفت أستاذ العلوم الاستراتيجية في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء نصر سالم، إلى أن توطيد التعاون العسكري مع مقديشو طبيعي في ظل التهديدات الإسرائيلية، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لن تقف القاهرة مكتوفة الأيدي في ظل تهديدات متصاعدة في الصومال وإريتريا من جانب دول معادية، وذلك في إطار مناطق تقع في الإطار الحيوي للأمن القومي، ما يتطلب وجوداً يمكن أن يحمي الحدود والمصالح المصرية».

وأكد سالم أن اتفاق التعاون الأمني ممتد ما دامت تحافظ عليه كل من القاهرة ومقديشو، ومن الممكن تطويره وفقاً لمتقضيات التهديدات التي تجابه الدولتين.


بدعم سعودي... اليمن يرتب أوراقه لإنجاز التوافق جنوباً واستعادة الدولة شمالاً

أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
TT

بدعم سعودي... اليمن يرتب أوراقه لإنجاز التوافق جنوباً واستعادة الدولة شمالاً

أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)

شهد يوم الخميس 15 يناير (كانون الثاني) 2026، تحولات يمنية بالغة الأهمية، حيث اتخذ مجلس القيادة الرئاسي اليمني قرارات مصيرية طالت عضويته وتكليف رئيس وزراء جديد لتشكيل الحكومة، في مسعى إلى إعادة رسم خريطة القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتعزيز وحدة القرار السيادي تحت مظلة الدعم السعودي المعلن.

ففي سلسلة متلاحقة من القرارات، أسقط المجلس عضوية فرج سالمين البحسني، وملأ الشواغر بتعيين الفريق الركن محمود الصبيحي والدكتور سالم الخنبشي، وقبل استقالة حكومة رئيس الوزراء سالم بن بريك، وكلف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة.

هذه الخطوات، التي جاءت مدعومة بتأكيدات على الدور «الحاسم» للسعودية، تهدف إلى تطبيع الأوضاع في المحافظات الجنوبية، لا سيما حضرموت، وتمهيد الطريق أمام «حوار جنوبي - جنوبي» شامل تستضيفه الرياض.

ولم يكن قرار إسقاط عضوية فرج البحسني من مجلس القيادة الرئاسي اليمني، مجرد تغيير في التركيبة الشخصية؛ بل كان رسالة سياسية وقانونية حادة بالنظر إلى حيثيات القرار التي نشرتها وسائل الإعلام الرسمية، اتهمت البحسني بـ«الإخلال بمبدأ المسؤولية الجماعية» و«تحدي القرارات السيادية».

وجاء في القرار أن البحسني «استغل موقعه الدستوري لإضفاء غطاء سياسي وشرعي على تحركات عسكرية غير قانونية»، نفذها ما يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، مشيراً إلى تبريره حشد قوات من خارج محافظة حضرموت للهجوم عليها.

كما وجهت له تهمة «تأييد الإجراءات الأحادية التي قادها المتهم عيدروس الزبيدي»، المحال إلى النائب العام بتهم الخيانة العظمى، مما «أسهم في تقويض وحدة الصف الوطني».

هذه اللغة القانونية الصارمة، التي تصف الأفعال بأنها «تمرد مسلح خارج إطار الدولة»، تُحوّل الصراع الداخلي بين فصائل الجنوب من خلاف سياسي إلى قضية ولاء للدولة ومؤسساتها الشرعية.

القرار يمثل ضربة موجعة لتيار «الانتقالي» المنحلّ وأتباع الزبيدي، ويعيد التأكيد على أن طريق المطالبة الجنوبية يجب أن يمر عبر القنوات الدستورية والقانونية وعبر التفاوض برعاية السعودية، وليس عبر الفعل العسكري المنفرد.

هندسة توازنات

جاء تعيين الدكتور سالم الخنبشي، محافظ حضرموت، عضواً في المجلس الرئاسي اليمني مع الاحتفاظ بمنصبه المحلي، ليعكس أولوية استقرار المحافظة الغنية بالنفط والحيوية. وفي حديث سابق لـ«الشرق الأوسط»، أكد الخنبشي أن «الموقف السعودي كان حاسماً» في إخراج قوات «الانتقالي» من حضرموت خلال وقت قياسي.

ويعدّ تعيينه في عضوية مجلس القيادة الرئاسي تتويجاً لجهوده في الأسابيع الماضية، حيث من المتوقع أن يشكل حضوره رافداً قوياً في معسكر الشرعية لضبط المشهد السياسي والأمني في حضرموت خاصة، وفي جنوب اليمن بشكل عام.

رئيس الوزراء اليمني الجديد شائع الزنداني المكلف بتشكيل الحكومة (رويترز)

أما تعيين الفريق الركن محمود الصبيحي، القائد العسكري المخضرم، فيعدّ تعزيزاً لتمثيل المؤسسة العسكرية المخضرمة في المجلس، حيث يرسل هذا التعيين رسالة تطمين للقوات التي تقاتل على الجبهات ضد الحوثيين، ويُفهم على أنه خطوة نحو توحيد التشكيلات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع، وهو مطلب سعودي ودولي رئيسي.

وفيما يخص قبول استقالة حكومة سالم بن بريك، وتكليف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة، فإن ذلك يهدف إلى تجديد الأداء الحكومي لمواكبة المرحلة الجديدة، حيث إن المهمة لم تعد مجرد «إدارة أزمة»؛ بل الانتقال إلى مرحلة إعادة إعمار المؤسسات وتحسين الخدمات، خصوصاً مع إعلان السعودية تقديم دعم مالي لصرف الرواتب بقيمة 90 مليون دولار، إضافة إلى تكفلها بدفع رواتب العسكريين ابتداء من يوم الأحد.

المشهد الأوسع

لا يمكن فهم هذه التحركات اليمنية بمعزل عن الحاضنة الإقليمية التي تتمثل في السعودية، فبالتوازي مع هذه القرارات الداخلية، كانت الرياض تعلن عن حزمة مشاريع تنموية جديدة في اليمن بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (500 مليون دولار)، وتستعد لاستضافة «مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي» إلى جانب سعيها لإعادة توحيد القوات العسكرية.

وكما يظهر، فإن الاستراتيجية السعودية تقوم على دعم السلطة الشرعية لفرض سيطرتها وتوحيد قواتها، وإنهاء «المظاهر المسلحة» خارج الدولة، وتسهيل حوار شامل بين المكونات الجنوبية تحت رعايتها، للتوافق على رؤية موحدة تنزع الفتيل المستمر لـ«القضية الجنوبية» بناء على أسس راسخة تمثل صوت المواطنين في المحافظات الجنوبية والشرقية.

كما تواصل السعودية جهودها التنموية والإنسانية، إذ تربط الاستقرار السياسي في اليمن بتحسين الخدمات وتوفير فرص العيش، لاستعادة ثقة اليمنيين في مؤسسات الدولة.

هذه التطورات تأتي في وقت يحذر فيه المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من هشاشة الهدنة، مؤكداً أن «مستقبل الجنوب لا يمكن فرضه بالقوة».

ويبدو أن هذه التغييرات الكبيرة تهدف إلى خلق قيادة يمنية في الجنوب أكثر تماسكاً وتوحداً، وقادرة على الدخول في مفاوضات مصيرية بشأن شكل الدولة اليمنية المقبلة، ومن ثم الالتفات للحسم المؤجل في الشمال، حيث لا يزال الحوثيون يعرقلون كل المساعي الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الانقلاب والانخراط في مسار سلمي يعيد الاستقرار إلى اليمن الكبير.