قال المخرج الإيراني علي أصغري إنه وجد فكرة فيلمه «قليل من النور» (A Bit of Light) في مشاهد الحياة اليومية التي تستمر تحت القصف، حين يواصل الناس أعمالهم ورعاية أسرهم رغم الخوف والإرهاق، عادّاً أن هذا التجاور بين الحياة والموت دفعه إلى البحث عما يجعل الإنسان يتمسّك بوجوده.
وأضاف أصغري، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن الفكرة بدأت خلال الحرب مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025، حين تأثر بمشاهدة أشخاص يواصلون حياتهم في بلد يتعرّض للهجمات. وكان السؤال الذي يشغله هو ما الذي يربط هؤلاء بالحياة وسط ظروف تُثقلهم بالخوف، وكيف يمكن للسينما الاقتراب من قدرتهم على الاستمرار من خلال تجربة إنسان واحد.
وتبلورت الشخصية الرئيسية بعد أحاديث أجراها مع أشخاص من خلفيات اجتماعية مختلفة، بينهم طبيب تعامل مع مصابي أحداث يناير (كانون الثاني) في إيران. وقال إن الحديث معه منحه مدخلاً إلى الحكاية؛ فقد كانت لديه فكرة عن الحياة بجوار المأساة، لكنه احتاج إلى شخصية تتجسد فيها، فوجدها في طبيب يفكر في إنهاء حياته، فيما يظل معنياً بحياة الآخرين.
ويتتبع الفيلم رحلة الطبيب «آرش»، الذي يتعرض للاعتقال وتُغلق عيادته بسبب علاجه مصابين في الاحتجاجات، فيفقد ثقته بالمستقبل ويقرر إنهاء حياته. ويقضي يوماً في زيارة والدته وأشقائه استعداداً لغيابه، لكن لقاءاته معهم تعيد فتح ما ظن أنه حسمه، وتضعه أمام روابط ومسؤوليات يصعب الانفصال عنها بمجرد اتخاذ قرار.
وشهد «قليل من النور» عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «فينيسيا»، قبل أن يفوز بـ«نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في الدورة التاسعة من المهرجان المصري الذي اختتمت فعالياته أخيراً.
وأوضح أصغري أن «اختيار الطبيب ارتبط بكون الأطباء شهوداً مباشرين على ما جرى، في وقت جعل فيه انقطاع الإنترنت معرفة الأحداث أكثر صعوبة بالنسبة إلى الآخرين. فقد استقبلوا المصابين وشاهدوا القتلى، وتعاملوا مع آثار العنف عن قرب، وهو ما حمّلهم أعباء نفسية إلى جانب مسؤولياتهم المهنية. وأردت من خلال الشخصية تقديم تحية إليهم ورصد ما عانوه خلال تلك الفترة».
وتوقف عند المفارقة التي تحكم علاقة بطله بمهنته، فهو مسؤول عن إنقاذ الآخرين، لكنه يفقد الرغبة في مواصلة حياته، موضحاً أن «هذه المفارقة كانت مهمة في بناء الشخصية». وأكد أن قرارها لا يصدر عن سبب منفرد، وإنما عن تداخل ضغوط اجتماعية مع ما شهدته من أحداث وما تعرضت له من اعتقال وقمع، حتى تفقد قدرتها على تصور مستقبل يمكن احتماله.

وبدأ اختيار أفراد العائلة بالممثل ميثاق زارع، الذي يعرفه أصغري ويقدّر تجربته المسرحية والسينمائية، قبل أن يضطر إلى تغيير بعض اختياراته بعد اندلاع الحرب وتعذّر انتقال عدد من الممثلين إلى تركيا، والاستعانة بآخرين للأدوار المساعدة.
وكشف أصغري عن أن الفريق بدأ التصوير قبل اندلاع الحرب بأيام، وكان يتوقع حدوث تصعيد، لكنه لم يكن يعرف متى سيقع. ومع بدء الهجمات، أصبح استمرار التصوير متعذراً لأسباب أمنية، فتوقف العمل، ثم نُقل تصوير المشاهد الداخلية إلى تركيا، في حين صُوّرت المشاهد الخارجية في إيران.
وعن انعكاس تجربته مع القيود المفروضة على صناعة الأفلام في شخصية الطبيب، قال أصغري إن العمل يتناول القيود، لكنه يعكس أيضاً حاجته الشخصية إلى استعادة الصلة بتفاصيل حياته اليومية، بعدما جعله الانشغال بأخبار الحروب والمآسي يغفل لحظات جميلة قريبة منه، مثل علاقته بأسرته ووالدته ومساعدة الآخرين.
وعن استجابة الجمهور، أبدى أصغري تأثره بالرسائل التي تلقاها من مصريين بعد عرض الفيلم في «الجونة»، مرجعاً تفاعلهم مع الحكاية إلى مساحات ثقافية مشتركة، خصوصاً ما يتعلق بمكانة الأسرة والأم، رغم اختلاف الظروف التي يعيشونها عن واقع شخصيات الفيلم.
أما خطوته المقبلة فقال إنه لا يعرف بعد طبيعة المشروع الذي سيعمل عليه أو مكان تصويره، لأن الظروف في إيران تتغير يومياً، وتجعل التخطيط للأشهر المقبلة أمراً صعباً. وأكد أن استمرار التهديد بالحرب يزيد هذا الغموض، ولذلك يحاول إنجاز أفلامه حين يشعر بأنه مستعد لها.




