حذّر البطريرك الماروني بشارة الراعي من أن تكرار محاولات تهريب المتفجرات والأسلحة عبر الحدود إلى لبنان «يكشف أن أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحول إلى تهديد لأمن البلاد»، وذلك في ظل جدل سياسي حول شحنة متفجرات «حزب الله» التي ضبطتها القوى الأمنية، فيما تستكمل تحقيقاتها مع الموقوفين وتلاحق بقية المتورطين في الملف.

وأرجأت الحكومة، الخميس الماضي، البت في طلب وزير العدل عادل نصار إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وهو أعلى محكمة جنائية استثنائية في البلاد، وتُعد أحكامه غير قابلة للطعن. وقررت الحكومة «متابعة البحث» في طلب وزارة العدل وفقاً لتقدّم مراحل التحقيق.
وقال وزير الإعلام، بول مرقص، خلال تلاوته مقررات مجلس الوزراء، إن المجلس «اعتبر أن هذه القضية خطيرة، لأنها تهدد أمن البلاد وسلامة المواطنين»، وشدّد على «ضرورة السير في التحقيق دون أي قيد أو سقف، إلا سقف القانون».
ومطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، ضبطت القوى الأمنية اللبنانية شاحنة محمّلة بكميات كبيرة من المتفجرات، أقر «حزب الله» بملكيتها، وقال إنها كانت مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية في جنوب البلاد. ويواصل القضاء اللبناني تحقيقاته في القضية، وقد أوقف عدداً من المشتبه في تورطهم فيها، وأصدر بلاغات تعقّب بحق آخرين.
إرجاء القرار لا إلغاءه
وقال مصدر مطّلع على النقاشات المتعلقة بملف شحنة متفجرات «حزب الله» إن إرجاء مجلس الوزراء البتّ في إحالة الملف إلى المجلس العدلي «لا يعني استبعاد الطلب، بل هو استمهال بانتظار التقدم في التحقيقات»، مشيراً إلى أن الحزب نفسه «لا يستطيع مواجهة هذا الطلب بعد إقراره بأن الشحنة تعود إليه».
وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «هناك قاعدة قانونية تفيد بأن الإقرار هو أمّ القرائن... وقد أقرّ الحزب بمسؤوليته عن نقل المتفجرات، وبأن ملكيتها تعود إليه، ما يعني أنه اعترف بخرق القانون وقرارات مجلس الوزراء المتعلقة بحصرية السلاح وبسط الدولة سيطرتها بقواها الذاتية على كامل أراضيها، واحتكار قرارات السلم والحرب».
وقال المصدر: «حتى لو لم يبتّ مجلس الوزراء بطلب وزير العدل عادل نصار، فإن الطلب سيخضع لمناقشات إضافية داخل الحكومة في جلسات لاحقة بعد التقدم في التحقيقات الجارية».
وقال المصدر إن الوزير نصار «يرى أن خطورة هذا الملف، ومخاطره على السكان والأمن الوطني، تستدعي إحالة مجلس الوزراء للملف إلى المجلس العدلي».
وطالب «حزب الله» في وقت سابق، بإعادة المتفجرات والإفراج عن الموقوفين على خلفية ضبطها، في وقت تتمسك الحكومة بتطبيق قراراتها المتعلقة بحصر السلاح والأنشطة العسكرية والأمنية بيد مؤسسات الدولة.
الراعي
وأثار الملف انقسامات سياسية، وسط مخاوف من تداعياته على الداخل اللبناني. وقال البطريرك الراعي، الأحد، إن «ما يجري على الحدود يفرض نفسه اليوم بوصفه قضية لا يمكن التقليل من خطورتها»، مضيفاً أن «تكرار محاولات تهريب المتفجرات والسلاح والمواد الممنوعة يكشف أن الخطر ليس نظرياً، وأن أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحول إلى مدخل لتهديد أمن المواطنين واستقرار البلاد». وقال: «لهذا فإن ضبط الحدود بصورة جدية وفاعلة هو جزء من حماية كل لبنان».
وأعاد الراعي التشديد على أن «حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية هو شرط أساسي لقيام دولة قادرة وعادلة، تتولى وحدها مسؤولية الأمن والسلم». وقال: «لا يمكن أن نطالب بالأمان ونقبل في الوقت نفسه بتعدد المرجعيات الأمنية. والدولة التي نريدها ليست دولة قوية على المواطن وضعيفة أمام الفوضى، بل دولة تحمي المواطن، وتضبط حدودها، وتطبّق القانون على الجميع، وتصون السيادة والحقوق من دون استثناء».
السلم الأهلي
في السياق نفسه، قال عضو كتلة «الجمهورية القوية» (القوات اللبنانية) النائب بيار بو عاصي: «إذا كان تحقيق السلم الأهلي يعني السماح بتنقل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات في البلد، فعلينا عندها أن نعيد النظر في مفهومنا للسلم الأهلي».
وأشار في حديث تلفزيوني إلى أن «(حزب الله) هو الطرف القادر على جرّ البلد إلى حرب أهلية، فيما لا أحد منا يريد حرباً أهلية، لكن لا يمكن الاستسلام لمنطق من يأخذ البلد رهينة، ثم يُهدد بقتل كل من يحاول معالجة المشكلة، ويلقي بالمسؤولية على من يسعى إلى الحل».
في المقابل، يتمسك «حزب الله» بموقفه الرافض لقرارات الدولة اللبنانية. وقال القيادي في الحزب إبراهيم بيرم، إن «المقاومة لا تحتاج إلى مشروعية من أحد ما دام الاحتلال قائماً»، منتقداً ما وصفه بـ«ملاحقة المقاومة في وقت يُتغاضى فيه عن الاعتداءات الإسرائيلية»، في إشارة إلى توقيف شحنة الأسلحة. وأكد أن «المقاومة مستمرة رغم التحديات والإهمال».






