صادرات الصين تقفز 36 % والفائض يقترب من تريليون دولار

نتائج تعزز النمو وتثير مخاوف من قيود تجارية أميركية وأوروبية جديدة

حاويات بضائع في طريقها إلى التصدير بميناء ليانينغانغ شرق الصين (رويترز)
حاويات بضائع في طريقها إلى التصدير بميناء ليانينغانغ شرق الصين (رويترز)
TT

صادرات الصين تقفز 36 % والفائض يقترب من تريليون دولار

حاويات بضائع في طريقها إلى التصدير بميناء ليانينغانغ شرق الصين (رويترز)
حاويات بضائع في طريقها إلى التصدير بميناء ليانينغانغ شرق الصين (رويترز)

سجلت الصادرات الصينية قفزة قوية خلال سبتمبر (أيلول)، متجاوزة توقعات الأسواق بفارق كبير، في مؤشر على استمرار قوة الطلب العالمي على المنتجات التكنولوجية والسيارات والمعدات الصناعية الصينية، رغم تباطؤ الطلب المحلي، وتصاعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وأظهرت بيانات الجمارك الصينية، الأربعاء، ارتفاع الصادرات بنسبة 36.3 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بنمو بلغ 25 في المائة في أغسطس (آب)، ومتجاوزة توقعات الاقتصاديين التي أشارت إلى زيادة قدرها 25.5 في المائة. ويمثل هذا الأداء أسرع وتيرة لنمو الصادرات منذ فبراير (شباط)، عندما سجلت ارتفاعاً بنسبة 39.6 في المائة، ما يعزز مكانة التجارة الخارجية بوصفها من المحركات الرئيسية للنمو في ثاني أكبر اقتصاد بالعالم.

ولم تقتصر القوة على الصادرات؛ إذ ارتفعت الواردات بنسبة 31 في المائة خلال سبتمبر، مقابل 28.2 في المائة في أغسطس، متجاوزة توقعات الأسواق البالغة 24.5 في المائة، في إشارة إلى استمرار نشاط التجارة المرتبطة بالإنتاج الصناعي وسلاسل التوريد.

وأدت هذه التطورات إلى اتساع الفائض التجاري الصيني خلال سبتمبر إلى 133.53 مليار دولار، بينما بلغ الفائض المتراكم خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 938.11 مليار دولار. وبذلك، أصبحت الصين على مسافة قصيرة من تجاوز مستوى تريليون دولار قبل نهاية العام، وربما في موعد أبكر من العام الماضي، عندما تخطى الفائض هذا الحاجز في نوفمبر (تشرين الثاني)، قبل أن يسجل مستوى قياسياً بلغ 1.189 تريليون دولار بنهاية 2025.

ويعكس هذا الأداء استمرار قدرة المصانع الصينية على تلبية الطلب العالمي؛ خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والتحول نحو الطاقة النظيفة، رغم الضغوط التي تواجه الاقتصاد المحلي.

وقال وانغ جون، نائب رئيس مصلحة الجمارك الصينية، إن التجارة الخارجية ستظل معرضة لحالة من عدم اليقين نتيجة الصراعات الجيوسياسية والتطورات الدولية، ولكنه أكد وجود أسس تدعم استمرار نمو الصادرات والواردات خلال الربع الأخير من العام.

ويرى محللون أن الطلب على المنتجات التكنولوجية سيواصل دعم التجارة الصينية حتى نهاية 2026، مع استمرار توسع الاستثمارات العالمية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وقالت لين سونغ، كبيرة الاقتصاديين لشؤون الصين الكبرى لدى بنك «آي إن جي»، إن العلاقات التجارية الرئيسية تبدو مرشحة للاستقرار حتى نهاية العام، ما يساعد على استمرار قوة المحرك الأبرز للنمو الاقتصادي الصيني.

واستقر اليوان أمام الدولار عقب صدور البيانات، مدعوماً بالأداء القوي للصادرات، في حين تراجعت الأسهم الصينية وسط ضغوط على شركات التكنولوجيا.

وتبرز طفرة أشباه الموصلات بوصفها من أهم العوامل التي تقف وراء الأداء التجاري الاستثنائي. فقد ارتفعت قيمة صادرات الصين من أشباه الموصلات بنسبة 108.1 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، مقارنة بالفترة نفسها من 2025، مستفيدة من الطلب العالمي المتسارع على المكونات الإلكترونية المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. ويعكس هذا النمو الدور المتزايد للصناعات التكنولوجية في هيكل الصادرات الصينية، مع توسع الشركات في إنتاج المكونات المتقدمة التي تدخل في الصناعات الرقمية.

كما واصلت صناعة السيارات تعزيز حضورها العالمي؛ إذ ارتفعت صادرات السيارات بأكثر من 50 في المائة، سواء من حيث القيمة أو الحجم، خلال الأشهر التسعة الأولى من العام. ويؤكد ذلك أن الصين لم تعد تعتمد فقط على صادرات السلع الاستهلاكية التقليدية؛ بل أصبحت المنتجات التكنولوجية والسيارات من أبرز مصادر توسعها التجاري.

غير أن هذه القوة التصديرية تحمل تحديات متزايدة؛ خصوصاً مع اتساع الفوائض التجارية مع الشركاء الرئيسيين. فقد بلغ الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة 34.01 مليار دولار خلال سبتمبر، وهو أعلى مستوى خلال 20 شهراً، بينما وصل الفائض مع الاتحاد الأوروبي إلى 34.8 مليار دولار. ومن شأن استمرار هذه المستويات المرتفعة أن يعزز الضغوط السياسية والتجارية على بكين، في ظل اتهامات أميركية وأوروبية للسياسات الصناعية والنقدية الصينية بالمساهمة في اختلال التوازن التجاري.

وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الأميركي دونالد ترمب قد توصلا خلال قمتهما في واشنطن، الشهر الماضي، إلى تمديد الهدنة الجمركية والاتفاق على خفض الرسوم المفروضة على سلع متبادلة بقيمة 30 مليار دولار من كل جانب. ورغم أن الاتفاق ساعد على تهدئة بعض التوترات، فإن استمرار ارتفاع الفائض التجاري قد يعيد الخلافات بشأن المنافسة الصناعية والوصول إلى الأسواق.

وفي أوروبا، أعلنت بروكسل وبكين هذا الشهر اتفاقاً للحد من صادرات السيارات الهجينة الصينية إلى الاتحاد الأوروبي، في خطوة تستهدف تنظيم تدفقات المركبات الصينية المتزايدة. ومن المتوقع أن يبدأ تحديد الإجراءات التفصيلية خلال ديسمبر (كانون الأول)، ما قد يدفع بعض الشركات الصينية إلى تسريع شحناتها قبل دخول القيود الجديدة حيز التنفيذ.

وقال نغوين هوانغ نام، الاقتصادي المختص بالصين لدى «كابيتال إيكونوميكس»، إن اتساع الفائض التجاري مع أوروبا قد يشجع الاتحاد الأوروبي على فرض قيود أوسع تتجاوز الاتفاق الأخير بشأن السيارات، ولكنه توقع أن تكون التداعيات الاقتصادية الإجمالية على الصين محدودة. وتكشف هذه التطورات عن معادلة معقدة تواجه الاقتصاد الصيني؛ فكلما ازدادت قوة الصادرات ارتفعت مساهمتها في دعم النمو، ولكنها في الوقت نفسه تزيد احتمالات تعرض الشركات لقيود تجارية جديدة.

وتكتسب هذه المعضلة أهمية خاصة في ظل استمرار ضعف الطلب الداخلي، وأزمة القطاع العقاري الممتدة منذ سنوات. وأظهرت بيانات منفصلة ارتفاع أسعار المنتجين في الصين خلال سبتمبر بأسرع وتيرة منذ أكثر من 4 سنوات، مدفوعة بزيادة أسعار النفط والسلع الأساسية، بينما جاء تضخم أسعار المستهلكين دون توقعات الأسواق. ويعكس هذا التباين استمرار ضعف الطلب المحلي، رغم تحسن بعض المؤشرات الصناعية والتجارية.

وفي سوق السلع الأولية، انخفضت واردات الصين من النفط الخام بنسبة 21.5 في المائة من حيث الحجم خلال سبتمبر مقارنة بالعام السابق، بينما تراجعت واردات فول الصويا بنسبة 7.7 في المائة. وتشير هذه الأرقام إلى أن قوة الواردات الإجمالية لا تعني بالضرورة تحسناً متساوياً في جميع القطاعات؛ إذ تختلف اتجاهات الطلب وفقاً لطبيعة السلع وأسعارها.

ومن المنتظر أن ينطلق «معرض كانتون»، أكبر معرض تجاري في الصين، الخميس؛ حيث تعرض الشركات المصنِّعة منتجاتها أمام المشترين الأجانب، في اختبار جديد لشهية الطلب العالمي خلال الربع الأخير. وعلى مستوى السياسات الاقتصادية، تمنح قوة الصادرات السلطات الصينية هامشاً أكبر للاكتفاء بإجراءات دعم معتدلة لتحقيق مستهدف النمو السنوي، المحدد بين 4.5 و5 في المائة؛ لكن هذا الهامش يظل مرتبطاً باستمرار الطلب الخارجي وعدم فرض قيود تجارية واسعة على المنتجات الصينية.

وكان بنك الشعب الصيني قد دافع الأسبوع الماضي عن سياسته لسعر الصرف، مؤكداً أنه لا يسعى إلى خفض قيمة اليوان بصورة تنافسية، ورافضاً الاتهامات بأن السلطات تبقي العملة ضعيفة عمداً لتعزيز الصادرات. وتأتي هذه التصريحات في وقت تزداد فيه حساسية الشركاء التجاريين تجاه حجم الفائض الصيني، وما يرونه تأثيراً للسياسات الحكومية في القدرة التنافسية للشركات. وبالنسبة إلى المستثمرين، تشير بيانات سبتمبر إلى استمرار الفرص في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا وأشباه الموصلات والسيارات، ولكنها تبرز أيضاً المخاطر الناجمة عن التوترات التجارية، واحتمال فرض قيود جديدة على الصادرات.

كما أن الاعتماد المتزايد على الطلب الخارجي يجعل الاقتصاد أكثر تعرضاً لأي تباطؤ عالمي أو تغير في سياسات الشركاء التجاريين. وإذا استمرت الصادرات بالوتيرة الحالية، فمن المرجح أن تتجاوز الصين حاجز تريليون دولار من الفائض التجاري قبل نهاية العام، ما قد يضعها على مسار تسجيل فائض قياسي جديد.

غير أن التحدي الأكبر أمام بكين لن يكون تحقيق رقم قياسي إضافي في التجارة الخارجية؛ بل تحويل قوة القطاع التصديري إلى نمو اقتصادي أكثر توازناً، عبر تنشيط الاستهلاك المحلي ومعالجة أزمة العقارات وتعزيز الاستثمار الخاص. وبينما تمنح طفرة التكنولوجيا والسيارات الاقتصاد الصيني دفعة قوية، فإن استدامة هذا الزخم ستعتمد على قدرة بكين على إدارة علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتقليل اعتماد النمو على الأسواق الخارجية، في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بازدياد القيود والمنافسة.


مقالات ذات صلة

احتجاجاً على غلاء المعيشة... شوارع فرنسا تكتظ بمئات آلاف المتظاهرين

أوروبا متظاهرون يسيرون في باريس ضمن يوم تحرك وطني يجمع الإضرابات النقابية والاحتجاجات الطلابية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

احتجاجاً على غلاء المعيشة... شوارع فرنسا تكتظ بمئات آلاف المتظاهرين

خرج مئات الآلاف في مختلف أنحاء فرنسا للمشاركة في مظاهرات وتحركات احتجاجية تنظمها الهيئات النقابية تحت شعار «طفح الكيل» للمطالبة بزيادة الأجور والحد من الغلاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

حراك عمالي متصاعد يعزز حضور النقابات في المشهد الليبي

اتسع حضور النقابات المهنية والحراكات العمالية في المشهد الليبي أخيراً مع تصاعد المطالب بـ«تحسين الأجور والأوضاع المعيشية»، في تحرك يعزز دورها الاجتماعي والسياسي

علاء حموده (القاهرة )
الاقتصاد شخص يحمل لافتة خلال احتجاج ضد حكومة باراغواي واستيلائها على بنك «أوينو» في أسونسيون (إ.ب.أ)

سقوط «أوينو» يهز باراغواي... الودائع مجمّدة والرئيس تحت ضغط العزل

لم يكن استيقاظ ملايين الباراغوايانيين على تعذر الوصول لحساباتهم المصرفية مجرد عطل تقني، بل كان بداية انكشاف أزمة مالية داخل أحد أكبر المصارف بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (أسونسيون)
عالم الاعمال تؤكد «ستراتيجي&» أن هذه التقديرات تأتي فيما تتجه المملكة إلى استضافة سلسلة من الأحداث الرياضية الكبرى (الشرق الأوسط)

دراسة: رفع الإنفاق الرياضي قد يُضيف 7.4 مليار دولار سنوياً للاقتصاد السعودي

قد يُسهم رفع الإنفاق الحكومي السنوي على الرياضة في السعودية من 1.5 مليار إلى 2.5 مليار دولار في توليد ناتج اقتصادي إضافي يُقدّر بنحو 7.4 مليار دولار سنوياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد أحياء العاصمة الرياض (واس)

خاص عقود الـ50 عاماً تفتح آفاقاً جديدة للاستثمارات العقارية في السعودية

في خطوة جديدة من نوعها، تفتح نماذج الاستثمار العقاري طويلة الأجل آفاقاً أمام القطاع الخاص في السعودية، لتطوير الأصول البلدية وتحويلها لمشاريع متعددة الاستخدام.

بندر مسلم (الرياض)

«المركزي» التركي: سنواصل التشديد النقدي لحماية مسار خفض التضخم

متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)
متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)
TT

«المركزي» التركي: سنواصل التشديد النقدي لحماية مسار خفض التضخم

متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)
متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)

قال محافظ البنك المركزي التركي فاتح قره خان، الجمعة، إن البنك سيواصل سياسة التشديد النقدي، وسيتمسك بالحذر؛ لحماية المكاسب التي تحققت في مسار خفض التضخم.

وفي تصريحات أدلى بها في أنقرة، أضاف أن سياسة التشديد النقدي حدّت من تأثير صدمات الإمدادات على التضخم في الآونة الأخيرة، رغم أن التحسن الذي كان مأمولاً في توقعات التضخم لم يتحقق بعد.


نمو الوظائف الأميركية يتجاوز التوقعات في أكتوبر... والبطالة تتراجع إلى 4.1 %

مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)
مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

نمو الوظائف الأميركية يتجاوز التوقعات في أكتوبر... والبطالة تتراجع إلى 4.1 %

مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)
مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ارتفع عدد الوظائف في القطاعات غير الزراعية بالولايات المتحدة بأكثر من المتوقع في أكتوبر (تشرين الأول)، في حين تراجع معدل البطالة إلى 4.1 في المائة، في مؤشر إلى استمرار صمود سوق العمل، ما يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي مجالاً أوسع للتركيز على التضخم الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط.

وقفز عدد الوظائف بواقع 165 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد زيادة معدلة بالرفع بلغت 60 ألف وظيفة في سبتمبر (أيلول)، وفقاً لما أفاد به مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل يوم الجمعة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع عدد الوظائف بـ65 ألفاً، بعد زيادة سابقة أُعلن عنها بلغت 29 ألف وظيفة في سبتمبر.

وتراوحت التقديرات بين 35 ألفاً و125 ألف وظيفة. وقدّر الاقتصاديون أن الاقتصاد يحتاج إلى استحداث ما لا يقل عن 40 ألف وظيفة شهرياً لمواكبة نمو السكان في سن العمل. وتراجعت نقطة التعادل، المعروفة بهذا الاسم، من نحو 150 ألف وظيفة في عام 2024، نتيجة تقلص حجم القوى العاملة.

وانخفض معدل البطالة من 4.2 في المائة في سبتمبر.

وأدى انخفاض عمليات التسريح لمستويات تاريخية، إلى جانب الزيادة الأخيرة في الوظائف الشاغرة، إلى تعزيز احتمالات تشديد أوضاع سوق العمل. لكن الاقتصاديين ومسؤولي البنك المركزي الأميركي أكدوا أن سوق العمل لا تشكل مصدراً لمخاطر التضخم. ويرى بعض الاقتصاديين أن تقلص المعروض من العمالة، في ظل تشديد القيود على الهجرة وإحالة أعداد من العاملين إلى التقاعد، هو المحرك الرئيسي لانخفاض معدل البطالة نسبياً.

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة ضمن نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة. ويتوقع اقتصاديون رفع أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول). ومن الممكن أن يقدم تقرير التضخم الاستهلاكي لشهر أكتوبر، المقرر صدوره يوم الثلاثاء المقبل، مؤشرات إضافية بشأن مسار السياسة النقدية في مطلع عام 2027.

وعلى الرغم من صمود سوق العمل، لا تزال مكاسب الوظائف متأخرة عن وتيرة النمو الاقتصادي؛ إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي بلغ 3.4 في المائة خلال الربع الثالث، مدفوعاً بقوة الإنفاق الاستهلاكي والزيادة الكبيرة في استثمارات الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي.

وقال اقتصاديون إن أصحاب العمل ربما بالغوا في التوظيف بعد جائحة «كوفيد-19»، وإن بعض الشركات لا تزال غير متأكدة من احتياجاتها من الموظفين في ظل دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها. وأضافوا أن حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة، تزيد أيضاً من تردد أصحاب العمل في زيادة أعداد موظفيهم.

وأدت محدودية فرص العمل إلى صعوبة عثور الشباب والخريجين الجدد من الجامعات وبعض العاطلين عن العمل على وظائف.

كما أسهم الاستياء من الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب الغضب من الصراع في الشرق الأوسط، الذي دخل الآن شهره التاسع، في فقدان الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس دونالد ترمب السيطرة على الكونغرس، بعدما حقق الديمقراطيون أداء قوياً في انتخابات التجديد النصفي التي جرت هذا الأسبوع.


مؤشرات «ناسداك» ترتد مع تعافي أسهم الرقائق بعد موجة بيع حادة

شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)
TT

مؤشرات «ناسداك» ترتد مع تعافي أسهم الرقائق بعد موجة بيع حادة

شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» في تعاملات الجمعة، مع استعادة أسهم شركات الرقائق بعض مكاسبها، عقب موجة بيع حادة قادتها أسهم التكنولوجيا، محت نحو 3 تريليونات دولار من القيمة السوقية لشركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، وسط مخاوف من أن تؤدي سيطرة الحزب الديمقراطي على الكونغرس الأميركي إلى تشديد القيود التنظيمية على الذكاء الاصطناعي.

وكان مؤشر «ناسداك» المجمع قد سجل، الخميس، أكبر تراجع يومي له منذ 19 شهراً، ليدخل رسمياً منطقة التصحيح، كما اتجه نحو تسجيل خسائر للأسبوع الرابع على التوالي، وفق «رويترز».

وقالت جين غيبونز، استراتيجية الأسهم لدى شركة «جيفريز»: «ننظر إلى موجة البيع التي شهدتها الأسواق الخميس باعتبارها رد فعل على التطورات، لا تحولاً جوهرياً في الأساسيات، إذ جاءت نتيجة تداخل المخاوف المتعلقة بالإنفاق على الذكاء الاصطناعي والسياسات الاقتصادية والتضخم».

وجاءت الخسائر الحادة عقب فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي، في وقت سابق من الأسبوع، بما في ذلك بعض الولايات الرئيسية التي تستضيف مراكز بيانات، الأمر الذي أثار مخاوف من تباطؤ التوسع في إنشاء مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي. وكان التفاؤل بالنمو السريع لهذا القطاع قد دفع أسواق الأسهم إلى تسجيل مستويات قياسية خلال العام الحالي.

وسجل مؤشر التقلبات في بورصة شيكاغو «فيكس»، المعروف بمؤشر الخوف في «وول ستريت»، أكبر قفزة يومية له منذ نحو 19 شهراً خلال جلسة الخميس، قبل أن يتراجع قليلاً الجمعة إلى 26.70 نقطة.

وحتى الساعة 6:24 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي 471 نقطة، أو 0.91 في المائة، فيما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.29 في المائة، وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بنسبة 1.41في المائة.

وتباين أداء أسهم الشركات التكنولوجية العملاقة وأسهم النمو، فيما ارتفع سهم «إنفيديا» بنسبة 4.5 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، بعدما تكبد في الجلسة السابقة أسوأ خسارة يومية له منذ يناير (كانون الثاني) 2025، حين أثار ظهور نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني منخفض التكلفة «ديب سيك» اضطراباً في «وول ستريت».

كما صعدت أسهم شركات الرقائق الأخرى، بما فيها «إيه إم دي» و«إنتل» و«برودكوم» و«ميكرون تكنولوجي»، بنسب تراوحت بين 4.6 في المائة و8.2 في المائة.

وامتد التعافي إلى شركات تشغيل مراكز البيانات، مثل «آيرين» و«أبلايد ديجيتال»، وشركات البنية التحتية السحابية المتخصصة، مثل «كور ويف» و«نيبيوس غروب»، إلى جانب شركات المرافق وموردي المعدات المرتبطين بقطاع الذكاء الاصطناعي، ومن بينهم «جي إي فيرنوفا» و«كونستليشن إنرجي»، بعدما تكبدت هذه الأسهم خسائر حادة في الجلسة السابقة.

وارتفع سهما «تسلا» و«سبيس إكس»، بقيادة إيلون ماسك، بنسبة 2 في المائة و4 في المائة على التوالي، بعد تراجعهما بقوة خلال الجلستين السابقتين.

وكان الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام، الخميس، قد شكل ضغطاً إضافياً على الأسهم، في ظل مخاوف من تأجيج التضخم بفعل تكاليف الطاقة، وما قد يترتب على ذلك من اتجاه البنوك المركزية العالمية إلى رفع أسعار الفائدة. واستقرت العقود الآجلة لخام برنت إلى حد كبير خلال تعاملات الجمعة.

ورغم ارتفاع أسعار النفط في الجلسة السابقة، فإنها كانت تتجه نحو تسجيل تراجعات أسبوعية حادة، ما يضع مؤشر قطاع الطاقة ضمن «ستاندرد آند بورز 500» على مسار خسارة تتجاوز 11 في المائة خلال الأسبوع.

في المقابل، كان المؤشر الأوسع نطاقاً «ستاندرد آند بورز 500» يتجه نحو تسجيل أسوأ أداء أسبوعي له منذ مارس (آذار) 2025، حين أثارت المخاوف المرتبطة بالسياسات الجمركية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اضطرابات واسعة في الأسواق العالمية.

ويتجه اهتمام المستثمرين إلى تقرير الوظائف الأميركي لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، المقرر صدوره عند الساعة 8:30 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بحثاً عن مؤشرات بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة. ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، تسعّر الأسواق احتمالاً يتجاوز 65 في المائة لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول).

وعلى صعيد تحركات الأسهم الفردية، هبط سهم شركة البرمجيات «أتلاسيان» بنسبة 14.1 في المائة عقب إعلان نتائجها للربع الأول، في حين قفز سهم منصة تأجير أماكن الإقامة «إير بي إن بي» بنسبة 12.2 في المائة، بعدما رفعت الشركة توقعاتها لنمو الإيرادات خلال عام 2026.